القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

تنبيه الدعاة المعاصرين إلى الأسس والمبادئ التي تعين على وحدة المسلمين

متوسط زمن القراءة: 40 دقيقة — اعتمادًا على سرعة القارئ.
استعن بالفهرس أدناه للتنقل بين المحاور الرئيسة والفرعية.

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله.

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.
{يا أيها النّاسُ اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً}.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يُطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً}.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار.


اللهمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكمُ بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيم.


فقد بات واضحاً أن فُرقة المسلمين في جماعات وأحزابٍ مُتنافرةٍ مُتناحرةٍ داءٌ ينبغي له العلاج، وأن اعتصامهم ـ بحبل الله ـ جميعاً، وفي جماعةٍ واحدةٍ أمرٌ لابد منه، وهو مطلبٌ شرعيٌّ وواقعيٌّ لا خلاف عليه، وضرورة ملحة تفرضها حالة التشرذم والضعف والهوان الذي تعيشه الأمة، الأمة التي هانت على أمم الكفر والنفاق، فتكالبوا عليها من كلّ حدبٍ وصوبٍ ينتهكون حرماتها..!

قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}[1].
وقال تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}[2].
وفي الحديث، فقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إن الله يرضى لكم أن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)[3].
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (عليكم بالجماعة وإياكم والفُرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بُحبوحة الجنّة فليلزمِ الجماعة)[4].

ومن دواعي تحقيق هذا المطلب الشرعي الضروري، ارتباطه الوثيق ـ كسببٍ وشرطٍ لازمٍ ـ بالمطلب الأهم والأعظم؛ وهو وجوب العمل من أجل استئناف حياة إسلامية على جميع الأصعدة والمستويات، وقيام خلافة راشدة على منهاج النبوة.


فهو واجب لذاته لأن الله تعالى يحب لنا الوحدة والاعتصام والاجتماع، وواجب لغيره؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

الهوامش

  1. [1] سورة آل عمران: 103.
  2. [2] سورة الأنفال: 46.
  3. [3] رواه مسلم.
  4. [4] صحيح سنن الترمذي: 1758.

الأسس والمبادئ التي تعين على وحدة المسلمين

يتناول هذا الباب الأطر العامة التي يجب أن يتوافق عليها الدعاة والعاملون للإسلام، ويعرض عناصر الوحدة الجامعة التي ترسم الطريق نحو مشروع دعوي متكامل، قائم على الوضوح والموضوعية والانضباط الشرعي.

أولاً: الاتفاق على الحَكَم والمرجعية التي تُردّ إليها النزاعات والخلافات

إذ يستحيل الاجتماع والاتفاق وفض النزاعات فيما بين الأطراف المختلفة المتنازعة، ثم لكلِّ طرفٍ حكمُه وموازينه ومرجعيته الخاصة به، المغايرة لمرجعيات وموازين الأطراف الأخرى؛ لذا كان لا بد للمسلمين ـ العاملين المخلصين ـ أن يتفقوا أولاً على الحَكَم والمرجعية التي تُرد إليها جميع النزاعات والخلافات التي كانت سبباً في اختلافهم وتفرقهم.

ويُسلِّموا لما تُمليه عليهم من قرارات وأحكام من دون أدنى اعتراض أو تعقيب.

والحَكَم في الإسلام الذي يجب الاتفاق عليه في كل أمر هو «الكتاب والسنّة على ضوء فهم سلف الأمة»، وبخاصة القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية والفضل.

والأدلة على هذا الحَكَم كثيرة، منها:

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول إنْ كنتم تُؤمنون بالله واليوم الآخر}[1].

والرد إلى الله والرسول يكون بالرد إلى الكتاب والسنّة.

ومن دلالات الآية كذلك أن في الكتاب والسنّة جواباً وحلاً لكل ما يمكن أن يتنازع فيه المسلمون من أمور الدنيا والدين، فحاشا لله عز وجل أن يردنا إلى حَكَمٍ ومرجع نحتكم إليه ثم لا نجد فيه حلاً شافياً ووافياً لما قد تنازعنا فيه.

قال ابن القيم رحمه الله: «جعل هذا الرد من مُوجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورةً انتفاء الملزوم لانتفاء اللازم»[2].

وقال تعالى: {فلا وربك لا يُؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويُسلِّموا تسليماً}[3].

قال ابن القيم رحمه الله: «أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قبله عدم إيمان الخلق حتى يُحكِّموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع... ولم يُثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى يُقابلوا حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض»[4].

وكذلك قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}[5].

قال ابن القيم رحمه الله: «فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سبباً لحبوط أعمالهم، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به، ورفعها عليه، أليس هذا أولى أن يكون مُحبطاً لأعمالهم؟»[6].

تنبيه: ولا يُحبط العمل إلا الكفر.

وكون الالتزام ينبغي أن يكون بفهم السلف الصالح لنصوص الكتاب والسنّة، فهو لأوجهٍ عدة:

  1. أن نصوص الكتاب والسنّة ألزمتنا بفهم السلف الصالح للوحي، وبخاصةٍ الصحابة رضوان الله عليهم.

    قال تعالى: {ومن يُشاققِ الرسول من بعد ما تبيَّن له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نُوله ما تولى ونُصله جهنم وساءت مصيراً}[7].

    وأولى الناس بصفة المؤمنين الواردة في هذه الآية الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومن سار على نهجهم.

    قال ابن تيمية رحمه الله: «فإنهما متلازمان؛ فكل من شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، وكل من اتبع غير سبيل المؤمنين فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى»[8].

    وقال تعالى: {قُل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}[9].

    وفي قوله: {أنا ومن اتبعني} قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا على أحسن طريقة وأقصد هداية، معدن العلم وكنز الإيمان، وجند الرحمن[10].

    وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «من كان مُستناً فليستن بمن قد مات، فإنَّ الحي لا تُؤمن عليه الفتنة؛ أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً...».

    وفي السنّة جاءت النصوص الكثيرة التي تدل على وجوب لزوم الجماعة ووحدة المرجعية، ومنها:

    • قوله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لتفترقنَّ أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، واحدة في الجنّة واثنتان وسبعون في النار»[11].
    • وقوله صلى الله عليه وسلم: «وتفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين ملّة كلُّهم في النار إلا ملّة واحدة» قيل: من هي؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي»[12].
    • وقوله صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بأصحابي، ثم بالذين يلونهم، ثم بالذين يلونهم...»[13].
    • وقوله صلى الله عليه وسلم: «سترون من بعدي اختلافاً شديداً، فعليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ...»[14].
    • وقوله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»[15].

    وقال صلى الله عليه وسلم: «من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنّة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار... أنتم شهداء الله في الأرض»[16].

    قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إنّ الله تعالى نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يُقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآوه سيئاً فهو عند الله سيئ»[17].

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلَمقامُ أحدهم ساعةً مع النبي خير من عمل أحدكم أربعين سنة.

  2. أن عدم الالتزام بفهم الصحابة لنصوص الوحي يستلزم تعدد الأفهام للنص الواحد، فينتج عنه التفرق والتنازع وحلول البدع وذهاب السنّة؛ وهذا ما تعيشه كثيرٌ من الجماعات الإسلامية المعاصرة حين تستقل كل جماعة أو حزب بفهمٍ خاص للكتاب والسنّة.

  3. أن الصحابة عاصروا نزول الوحي، وعرفوا أسباب نزوله، وكانوا الأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتلقون عنه العلم مباشرةً غضّاً نضراً؛ فهم الأفقه بمراد الشارع ممن جاء بعدهم.

  4. أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان قد رضي الله تعالى عنهم وأثنى عليهم خيراً، قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم}[18]، ومن رضي الله عنه فذلك لسلامة دينه وفهمه والتزامه.

    وهذه خاصية لا يمكن الجزم بها لأحدٍ بعدهم؛ فهي شهادة ربانية لا تثبت إلا بدليل صريح صحيح.

خلاصة ما تقدّم: إن أي محاولة لتوحيد جهود الجماعات الإسلامية المعاصرة تتغافل هذا القيد الهام، وهو «الاحتكام إلى الكتاب والسنّة على ضوء فهم السلف الصالح»، فهي محاولة فاشلة لا جدوى منها، وهي أقرب ما تكون إلى العبث؛ فجهود أصحابها لا ثمار لها، وإن بدت في الظاهر بعض الثمار فهي كبيت العنكبوت سرعان ما ينهار لأدنى هزّة.


ثم إن الإسلام فرّق وجمع؛ فرق بين الحق وأهله من جهة والباطل وأهله من جهة أخرى، وبين الإيمان وأهله والكفر وأشياعه، وبين السنّة وأهلها والبدعة وأصحابها؛ وجمع أهل الحق على الحق، وأهل التوحيد على التوحيد، وأهل السنّة والاتباع على السنّة لا الابتداع. فمن ينشد تجميع ما فرّقه الإسلام، وتفريق ما جمعه الإسلام ـ تحت أي ذريعة ـ فعمله إلى البوار والخسران.


الهوامش

  1. [1] سورة النساء: 59.
  2. [2] إعلام الموقعين: 1/50.
  3. [3] سورة النساء: 65.
  4. [4] التبيان في أحكام القرآن: 270.
  5. [5] سورة الحجرات: 4.
  6. [6] إعلام الموقعين: 1/51.
  7. [7] سورة النساء: 115.
  8. [8] مجموع الفتاوى: 7/38.
  9. [9] سورة يوسف: 108.
  10. [10] تفسير البغوي: 2/453.
  11. [11] صحيح سنن ابن ماجة: 3226.
  12. [12] صحيح سنن الترمذي: 2129.
  13. [13] رواه ابن ماجة والترمذي، صحيح سنن الترمذي: 1758.
  14. [14] صحيح سنن ابن ماجة: 40.
  15. [15] متفق عليه.
  16. [16] أخرجه الطيالسي وأحمد وغيرهما بسند حسن، قال الشيخ ناصر في تخريج «الطحاوية»: حسن موقوف.
  17. [17] أخرجه أحمد وغيره، وصححه الشيخ ناصر في تخريج الطحاوية.
  18. [18] سورة التوبة: 100.

ثانياً: التجرد من أي انطلاق غير شرعي

بحيث يكون النص الشرعي ـ قال الله، وقال الرسول ـ أحب إلينا من أهوائنا، وآرائنا، وأحزابنا، وأشياخنا، وعشائرنا، ومن أنفسنا ومصالحنا الذاتية، فلا يمنعنا شيء من ذلك عن متابعة الحق ونصرته حيثما كان، مهما ترتب على ذلك من تبعات.

وذلك لا يتحقق إلا بتجريد المتابعة لله ولرسوله من أي رابطة أو وشيجة تحُول بين المرء وبين النزول على الحق والالتزام به.

ومتى كان الأمر على غير ذلك، فإن الاختلاف والتفرق متحققان، وسيبقى شعار توحيد المسلمين في جماعةٍ واحدةٍ شعاراً عزيز المنال، لا واقع له.

وهذه نقطة في غاية الأهمية ـ قد غفل عنها كثير من الناس ـ لا يمكن تجاوزها بحال من الأحوال، إلا إذا رضي المرء لنفسه صفة غير صفة الإسلام والإيمان.

قال تعالى: {فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تُصيبهم فتنة أو يُصيبهم عذابٌ أليم}[1].

قال الإمام أحمد رحمه الله: الفتنة هي الشرك؛ لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيءٌ من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه، وجعل يتلو هذه الآية: {فلا وربّك لا يُؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم}.

وقيل له: إن قوماً يدعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان، فقال: أعجب لقومٍ سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته ويدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره! قال الله: {فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تُصيبهم فتنة أو يُصيبهم عذابٌ أليم}، وتدري ما الفتنة؟ الكفر، قال الله تعالى: {والفتنة أكبر من القتل}. فيدعون الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي؟! اهـ[2].

قلت: فما يكون القول إذاً فيمن يدَعون النص الشرعي الثابت عندهم استرضاءً لأحزابهم، أو لأشياخهم، أو لعشيرتهم، أو لحُكامهم، أو لأوطانهم وغير ذلك من الروابط والوشائج الأرضية التي لا اعتبار لها في ميزان الحق؟! لا شك أنهم أولى بالفتنة والوعيد الوارد في الآية الكريمة.

وفي الحديث: (ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما...)[3].

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين)[3].

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: لأنت يا رسول الله أحبُّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال: (لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك). فقال عمر: فإنك الآن والله أحب إليَّ من نفسي. فقال: (الآن يا عمر)[4].

ومن علامات صدق هذا الحب ودلائله تجريد المتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، والتخلي عن متابعة كل ما سواه؛ أما أن يُتبع النبي -صلى الله عليه وسلم- في جانب، ويُتبع غيره في جوانب أخرى، فدعوى الحب عند من يفعل ذلك غير صادقة، وهو أقرب ما يكون إلى النفاق، والعياذ بالله.

قال تعالى: {قل إن كنتم تُحبون الله فاتبعوني يُحببكم الله}[5].

فعلى قدر الاتباع يكون الحب صادقاً؛ فإذا ازداد الاتباع والانقياد ازداد الحب، وإذا قلَّ وضعف الاتباع والانقياد نقص وضعف الحب، وانعدام الاتباع مطلقاً يستلزم انعدام الحب والإيمان مطلقاً، ولا اعتبار بعد ذلك لمزاعم اللسان، فإنه لسان نفاق وزندقة فاحذره.

قال ابن كثير رحمه الله في التفسير: «هذه الآية حاكمة على كلِّ من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله».

وفي «صحيح سنن ابن ماجه»، قال عبادة بن الصامت لمعاوية رضي الله عنهما: أُحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتحدثني عن رأيك!! لئن أخرجني الله لا أُساكنك بأرضٍ لك عليَّ فيها إمرة[6].

وعن أبي سلمة أن أبا هريرة قال لرجل: يا ابن أخي، إذا حدثتك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثاً فلا تضرب له الأمثال[6].

وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: يُوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء! أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر؟!

قلت: فما بال أقوامٍ نقول لهم: قال الله، قال رسول الله، فيقولون لنا: لكن قال الحزب، قال الأشياخ، ارتأت الجماعة، مصلحة الجماعة تقتضي خلاف ذلك... وغير ذلك من الأقوال التي تنم عن الاعتراض والتعقيب على شرع الله!!

إلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


الهوامش

  1. [1] سورة النور: 63.
  2. [2] الصارم المسلول لابن تيمية: 56.
  3. [3] متفق عليه.
  4. [4] رواه البخاري.
  5. [5] سورة آل عمران: 31.
  6. [6] صحيح سنن ابن ماجه: 20.

ثالثاً: وضوح الرؤية لواقع الأمة، وتحديد الأولويات في العمل الإسلامي


مما يُساعد على تحقيق وحدة المسلمين في جماعة واحدة، وضوح الرؤية لواقع الأمة، والاجتماع على رأي واحد حول حقيقة مجتمعاتنا المعاصرة، والصفة الشرعية التي تستحقها، وكذلك تحديد الموقف من الأنظمة التي تحكمها، إذِ التباين والتناقض في المواقف والآراء تجاه هذه المسائل الهامة الحساسة من شأنه أن يفضي إلى التنازع والتفرق والاختلاف، حيث يستحيل الاجتماع على عمل إسلامي ينشد التغيير واستئناف حياة إسلامية على جميع أصعدة الحياة

ثم فريق من المجتمعين ينظر لهذه المجتمعات على أنها مجتمعات جاهلية مرتدة، وحُكم ديارها حكم دار الحرب والكفر، يجب الخروج على حُكامها لكفرهم وارتدادهم عن الدين، بينما الفريق الآخر له نظرته المغايرة تماماً؛ حيث ينظر لهذه المجتمعات على أنها مجتمعات إسلامية تجري عليها أحكام ديار الإسلام، والأنظمة التي تعلوها هي أنظمة إسلامية، وحُكامها مسلمون يجب لهم السمع والطاعة من قِبل النّاس.



فهذه قضايا شائكة ـ كثر الجدال حولها ـ لابد من رؤية موحدة صحيحة تجاهها، وحسمها مع الأطراف قبل دعوتهم للاجتماع، وعلى ضوء ما تقدم في النقطة الأولى من بحثنا هذا.


ومرة ثانية أؤكد أن هذه القضايا هامة ومستعجلة لا تحتمل الإرجاء أو التأخير، كما لا تحتمل أن يعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف فيه، فهذا ممكن في الفروع، وهذه من الأصول التي يجب الاجتماع عليها.


وكم من مجتمع ودارٍ توجّه فيه سهام المسلمين على بعضهم البعض بسبب اختلافهم حول هذه المسائل، بينما كان الأصل أن تجتمع سهامهم وتُوّجه إلى صدر الطاغوت.


أما عن أولويات العمل الإسلامي التي يجب الاجتماع عليها، فأُجملها في نقطتين:


  1. الأولى: العمل على إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد وحده، والكفر بكلّ مألوه مُطاع سوى الله عز وجل.


    وهذه مهمة لأجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وكانت الهمَّ الأكبر والغاية العظمى للأنبياء والرسل، وللعلماء العاملين من بعدهم عبر التاريخ الإنساني وإلى يوم القيامة، لا يصرفهم عنها صارف، ولا يشغلهم عنها شاغل مهما كانت الأسباب الداعية لذلك.


    وهي قضية ـ لعظمها ـ لم تكن تقبل عندهم المساومة، ولم يرضوا بديلاً عنها شيئاً آخر، ولم يكن يتجاوزوها إلى أي شيءٍ مهما عظم شأنه قبل أن يُعطوا عليها إجابة صريحة من العباد وكلّ الطواغيت.


    وكانت لأجلها تُسلُّ السيوف، وعليها يُعقد الولاء والبراء، ويعلن الحرب والسلم، وفي سبيلها تبذل المهج والأرواح، ويرخص كلّ غالٍ ونفيس.


    إنها قضية لابد من أن تُحسم ـ أولاً ـ وبوضوح مع الطواغيت، كلّ الطواغيت: من المعبود بحق في الوجود هم أمٍ الله الواحد الأحد، الفرد الصمد؟

    قال تعالى: {وما خلقتُ الجنَّ والإنس إلا ليعبدون}[1].
    وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}[2].
    وقال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى}[3].
    وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كلّ أمةٍ رسولا أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}[4].

    وفي الحديث، فقد صحّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من وحّد الله تعالى، وكفر بما يُعبدُ من دونه، حُرِّم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل)[5].


    مفهوم الحديث الذي دلّ عليه منطوق أدلة الشريعة، أنّ من وحّد الله تعالى لكنه لم يكفر بما يُعبد من دونه لا يُحرم ماله ودمه، ولا يكون من المسلمين المؤمنين.


    والشاهد أن المسألة على أهميتها وخطورتها إلا أننا نجد كثيراً من الدعاة والوعاظ والحركات ـ رهبةً أو رغبةً ـ قد تجاوزوها، وانشغلوا عنها بالفروع، والرقائق، والفقهيات، والاقتصاديات وبما يأذن به الطواغيت فقط!


    وصوروا للنّاس أن هذا الفُتات القليل الذي يُلقى إليهم من قِبل الطواغيت ويُسمح لهم بممارسته على أنه شيء عظيم، وفتحٌ ليس بعده فتح، وهو الإسلام الذي جاءت به الرسل، ولم نعد بحاجة إلى شيء غيره نُطالب به الآخرين!


    وهؤلاء ـ على ما لهم يوم القيامة جزاء كِتمانهم للعلم ـ أنَّى لجهودهم ودعواتهم أن تُثمر في نفوس النّاس والمجتمعات وقد تجاهلوا أصل الأصول؛ ألا وهو التوحيد؟!، وهم مثلهم مثل من يُريد غرس شجرة ممتدة الجذور، فيبدأ بغرس الغصون والفروع مُتجاهلاً الجذور والأصول التي من دونها لا ينبت شجر ولا ثمر.


    ولعلّ ذلك يكون السبب الأكبر في نفور كثير من النّاس عن الدين، أو قُل: تمييع معاني الدين وتشويهها في نفوس كثير ممن يُقبلون عليه، وهؤلاء بإقبالهم المشوه هذا يكونون وبالاً على الدين بدلاً من أن يكونوا جُنداً من جنوده، يظهر ذلك في أقل صراع وتدافع بين الحق وأهله من جهة، والباطل وأهله من جهة أخرى، حيث سرعان ما يقفون إلى جانب الطاغوت في أي صراع يدور مع الإسلام وجنده، حتى أنك لتتساءل ما هذا الإسلام الذي يعتنقون؟!


    ثم طبقة أخرى غير أولئك، ممن ينتسبون إلى العلم والفقه، نجدهم ـ رغبةً أو رهبةً ـ يُصوِّرون الحديث ـ مجرد الحديث ـ عن التوحيد الذي من أوكد لوازمه وشروطه الكفر بالطواغيت كلّ الطواغيت، هو فتنة يجب اجتنابه، واجتناب الدعاة إليه، بل ومحاربتهم على أنهم خوارج وأصحاب فتنة!


    ولهؤلاء نقول: قد وقعتم بالفتنة، وأنتم أولى بالفتنة من غيركم، وهل فاتكم ـ يا محاربي الفتنة ـ أنّ لا فتنة أعظم وأخطر وأشد على الأمة، والبلاد والعباد من فتنة الشرك، والرضى بالطواغيت التي تُعبد من دون الله ولو في جانب من جوانب العبادة.

    صدق الله العظيم حيث قال: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه لله}.

    والدين هو الطاعة، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كلّه لله[6].


    وحتى نُحيط بالمشكلة من جميع أوجهها لابد من إدراك معنى الطاغوت ومعرفة أنواعه، ومعنى العبادة وما يتفرع عنها، لنرى أين نحن من كلّ ذلك؟

    قال ابن تيمية: الطاغوت فعلوت من الطغيان، والطغيان مُجاوزة الحد؛ وهو الظلم والبغي، فالمعبود من دون الله إذا لم يكن كارهاً لذلك: طاغوت، والمطاع في معصية الله، والمطاع في اتباع غير الهدى ودين الحق ـ سواء كان مقبولاً خبره المخالف لكتاب الله أو مُطاعاً أمره المخالف لأمر الله ـ هو طاغوت؛ ولهذا سمى الله من تُحوكم إليه، من حاكم بغير كتاب الله طاغوت، وسمى الله فرعون وعاداً طغاة. اهـ[7].

    وقال ابن القيم: الطاغوت كلّ ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كلّ قومٍ من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يُطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال النّاس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومُتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومُتابعته. اهـ[8].

    ولابن تيمية كلامٌ جامعٌ شاملٌ في معنى العبادة، حيث قال: العبادة هي اسم جامع لكلّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. اهـ[9].


    وهذا يعني أنّ الركوع والسجود، والصوم والحج، والنذر والنسك، والحب والكره، والجهاد والتضحية، والخشية والتوكل، والدعاء والإنابة والرجاء، والطاعة والانقياد والاتباع والحكم والتحاكم.. وغيرها كلّ ذلك داخل في مسمى العبادة التي لو أُعطيت ـ أو شيء مما يندرج تحت مسماها ـ لغير الله عز وجل حصل الشرك الأكبر وانتفى التوحيد والإيمان.

    قال تعالى: {قل إن صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له}[10].

    وبعد فإننا نتساءل:

    • مَنِ المعبود في زماننا وفي كثير من مجتمعاتنا، الله أمِ الطاغوت؟
    • مَنِ المطاع لذاته، الله أمِ الطاغوت؟
    • مَنِ الذي يُشرع للعباد، الله أمِ الطاغوت؟
    • مَنِ الذي يُعقد عليه الولاء والبراء، الله أمِ الطاغوت؟
    • مَنِ الذي يُحب ويُخشى لذاته، الله أمِ الطاغوت؟
    • مِمَن يتلقى النّاس قيمهم وقوانينهم ودساتيرهم، مِنَ الله أم مِنَ الطاغوت؟
    • إلى مَن يتحاكم النّاس، وإلى من يردوا مُنازعاتهم وخُصوماتهم، إلى الله أمِ إلى الطاغوت؟

    فإذا كان واقع الحال يقول: الطاغوت ـ وإن لم يعترف بذلك كثيرٌ من النّاس ـ أدركنا حجم الهوة بين النّاس وحقيقة هذا الدين، وأدركنا بالتالي ثقل الأمانة الملقاة على عاتق العلماء والدعاة العاملين، وما يجب عليهم نحو أمتهم ودينهم.

    وعليه فإن «مشكلة هذا الدين في الأرض اليوم لهي قيام الطواغيت التي تعتدي على ألوهية الله وتغتصب سلطانه، وتجعل لأنفسها حق التشريع بالإباحة والمنع في الأنفس والأموال والأولاد.. وهي هي المشكلة التي كان يُواجهها القرآن الكريم بهذا الحشد من المقررات والبيانات، ويربطها بقضية الألوهية والعبودية، ويجعلها مناط الإيمان أو الكفر، وميزان الجاهلية أو الإسلام»[11].


    وبالتالي لا نكون قد حايدنا الصواب لو بدأنا مع أقوامنا كما بدأ الأنبياء والرسل مع أقوامهم يدعونهم: أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، لا نتجاوز هذه الدعوة إلى سواها حتى نلقى الله أو نرى إجابة صحيحة صريحة، صادقة من النّاس.


    ثم حقيقة أخرى لابد من أن يدرسها العاملون لهذا الدين، وبخاصة منهم الذين يتلمسون طُرقاً قصيرة ملتوية يتوخون من خلالها النصر والتمكين: وهي أنّ النصر، والتمكين، والاستخلاف في الأرض، والأمان والاطمئنان، وغير ذلك من الخير لن يتحقق إلا بسلامة التوحيد، وإخلاص العبادة لله تعالى وحده، والكفر بكلّ مألوه معبود سواه أيّاً كان شكله ونوعه وصفته.

    قال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننَّ لهم دينَهم الذي ارتضى لهم وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يُشركون بي شيئاً}[12].

    خلاصة ما تقدم نقول: إن قضية «مَنِ المعبود بحق في الوجود» هي قضية الدين كلّه، وهمُّ الدعاة المخلصين العاملين، يجب اجتماع الجهود على أساسها، ولا يمكن التفريط بها، أو تجاوزها إلى ما هو دونها ـ قبل حسمها مع الطواغيت كلّ الطواغيت وجميع من يُشايعهم وينصرهم ويعبدهم ـ مهما كانت الأسباب الداعية لذلك.


  2. الثانية: العمل من أجل قيام خلافة راشدة، واستئناف حياة إسلامية على منهاج النبوة.


    وهذا أمر لا خلاف على وجوبه بين علماء الأمة قاطبة، لا يشذ عنهم إلا مرجف مغفل أو مغرض لا يريد أن تقوم للإسلام قائمة أو تعلو له كلمة.

    قال النووي: أجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة[13].

    وقال الماوردي: عقد الإمامة لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع[14].

    وقال الهيثمي: اعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-[15].

    وقال القرطبي: ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة[16].


    ومن جهة فإن أهمية هذا الهدف تكمن في ارتباطه الوثيق ـ كسبب ـ بالهدف السابق وهو تعبيد العباد لربهم عز وجل وحده، حيث أن الله تعالى ليزع بالسلطان المسلم ما لا يزعه بالقرآن، بل وإن كثيراً من الأحكام والواجبات الشرعية لا يمكن القيام بها إلا في ظل خلافة راشدة يعلوها خليفة راشد يذود عن الدين، ويسوس الدنيا بالدين.

    قال ابن تيمية: يجب أن يُعرف أن ولاية أمر النّاس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها. اهـ.

    وقال الإمام أحمد: الفتنة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر المسلمين. اهـ.


    لذا عملت قوى الكفر والنفاق ـ ولا تزال ـ للحيلولة بين المسلمين وخلافتهم، وشغلتهم عنها بافتعال شعارات وخلافات بين صفوف المسلمين ما أنزل الله بها من سلطان.


    وقد وُجد ـ وللأسف من أبناء جلدتنا وممن يتقمصون ثوب العلم والعلماء ـ من استجاب لهم، وأنصت إلى شبهاتهم ومكائدهم، فجندوهم لمحاربة الخلافة والدعاة إليها وهم يدرون أو لا يدرون.


    حتى وصلنا إلى مآلٍ أصبح العمل من أجل قيام خلافة راشدة تُهمة خطيرة تُوجب على صاحبها ـ عند أنظمة الكفر والطغيان ـ السجن لسنين طويلة، إذا لم يكن القتل وقطع العنق!


    ونحن نقول لجميع الكفار ومن تبعهم من المنافقين: لن يطول فألكم، ولن تبقى عروشكم التي بنيتموها على جماجم وأشلاء شعوبكم بالقهر والحديد، ومهما كِدتم وتآمرتم ومكرتم فإن مكركم إلى بوار، وإن الخلافة الإسلامية ـ على منهاج النبوة ـ قادمة وكائنة بإذن الله.

    فها هو نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- يُبشرنا، ونحن به مؤمنون مصدقون: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلكاً جبرياً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت)[17]. ونحن على أبوابها إن شاء الله.

    وقال -صلى الله عليه وسلم- : (إنَّ الله زوى ـ أي جمع وضم ـ لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها وإنَّ أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها)[18]. وهذا لم يكن من قبل، لكنه سيكون بإذن الله.


    وقال -صلى الله عليه وسلم- : (ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيزٍ أو بذُلِ ذليل، عزاً يُعزُّ اللهُ به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر)[19]. وهو كائن بإذن الله.


الهوامش

  1. [1] سورة الذاريات: 56.
  2. [2] سورة الأنبياء: 25.
  3. [3] البقرة: 256.
  4. [4] سورة النحل: 36.
  5. [5] رواه مسلم.
  6. [6] قاله ابن تيمية في الفتاوى: 28/544.
  7. [7] مجموع الفتاوى: 28/200-201.
  8. [8] إعلام الموقعين: 1/50.
  9. [9] كتاب العبودية.
  10. [10] سورة الأنعام: 162.
  11. [11] في ظلال القرآن: 3/1217.
  12. [12] سورة النور: 55.
  13. [13] شرح صحيح مسلم: 12/205.
  14. [14] الأحكام السلطانية: 56.
  15. [15] الصواعق المحرقة: 17.
  16. [16] الجامع لأحكام القرآن: 1/264.
  17. [17] رواه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 5.
  18. [18] رواه مسلم وغيره، السلسلة الصحيحة: 2.
  19. [19] رواه ابن حبان في صحيحه وغيره، السلسلة الصحيحة: 3.

رابعاً: ترشيد النصح فيما بين المسلمين، ومراعاة ضوابط الاختلاف

إذ يستحيل اجتماع كلمة المسلمين، وتوحيد صفوفهم في وجوه الأعداء، ثم هم لأدنى خلاف فقهي ـ وما أكثر المسائل الفقهية المختلف فيها ـ يُعلنون الحرب والمفاصلة، والولاء والبراء، وتحصل فيما بينهم البغضاء والمجافاة والمعاداة!.

ومما يشتد له العجب أننا نجد من المسلمين ممن يعملون في حقل الدعوة أو الوعظ والإرشاد، قد يُثيرون مشاكل ـ لها نتائج خطيرة على وحدة الصف وصفاء القلوب ـ لأدنى خلاف أو خطأ، يصدر عن مسلم، بحجة أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، بينما نراهم ـ رغبةً أو رهبةً ـ يلتزمون الصمت المطبق تجاه الكفر البواح، والمنكر الأكبر الظاهر، وبخاصة إن كان مصدره أئمة وطواغيت الكفر، حيث لا منكر يُنكرونه، ولا معروف يأمرون به!..!.

يُقاتلون المسلمين على سنّة من السنن، بينما تراهم يُسالمون الطواغيت رغم تنحيتهم لشرع الله عن الحكم..‍‍.

يُسيئون الظن بالمسلم العاصي ويحملون عليه جميع النصوص التي تأمر بالأخذ على الظاهر، وفي المقابل تراهم يُدافعون ويُوسعون دائرة التأويل والأعذار على طواغيت اجتمعت فيهم جميع نواقض الإيمان، ويحملون عليهم النصوص التي تستلزم مراعاة الباطن والقصد..!!.

تراهم على الطواغيت مرجئة رحماء، وعلى المسلمين والدعاة العاملين منهم خوارج أشداء، لا تفوتهم البدعة المؤثمة فهم لها بالمرصاد، بينما إذا مرت عليهم البدعة المكفرة فهم نِيام يشخرون لا حسيس لهم ولا صوت..!!.

ومن هذا القبيل تحالف بعض الفصائل أو الجماعات الإسلامية مع أحزاب علمانية كافرة، تُعادي الله ورسوله، وفي المقابل تراهم يستثقلون ويستصعبون الجلوس أو التفاهم مع مسلم مخالف لهم في مسألة أو وجهة نظر..!!.

وهؤلاء ـ جميعاً ـ نعيذهم أن يقعوا فيما وقع فيه الخوارج الأوائل، حيث وصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم:

( يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان) رواه البخاري، ومسلم

وكذلك ملاحظة بعض النّاس ـ ممن ينتسبون إلى الدعوة والعمل الإسلامي ـ حيث يعقدون الولاء والبراء على أساس الإنتماء الحزبي أو المشيخي؛ فيُوالون من يُوالي الحزب أو الشيخ بغض النظر عن سلامة دينه وحُسن سلوكه، ويُعادون من يُعادي الحزب ولو كان من أتقى أهل الأرض..!!.

وهذا مما لا شك فيه أن مؤداه إلى مزيد من التفرق والتناحر والاختلاف، كما أنه مُغاير لقوله تعالى:

{أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين}[1]. وقوله: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف}،{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}[2]

قال ابن تيمية: من حالف شخصاً على أن يُوالي من والاه، ويُعادي من عاداه كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين، بل هؤلاء من عسكر الشيطان. اهـ[3]

وثمة أمر يجدر تنبيه الإخوان عليه: وهو أنّ العدو الكافر يحرص دائماً على اشغال المسلمين بشبه ومسائل هامشية ـ عن أهدافهم العظمى ـ عديمة الفائدة، بل هي غالباً ما تفضي إلى البغضاء والتفرق والتنازع والاختلاف، وضعف الشوكة، وعلى مبدأ فرِق تسد.. حتى لا تكاد شبهة تموت وينتهي أثرها، إلا وتجدهم يتبعونها بشبهات أشد أثراً على اجتماع الصف ووحدة كلمة المسلمين..

فلا نكونن نحن طعماً سهلاً لهذه الشبهات، نُروج لها ونحييها بمعارك جدلية هامشية لا طائل منها، بعد أن تكون ميتة لا أحد يعلم بها.

ثم ليس من الشجاعة ولا من الحكمة والفقه أن نتناول فِتناً قديمة قد اندثرت ولا واقع لها في حياتنا، وقد كان لها رجالها الذين تصدوا لها، بينما نغض الطرف ونعمي العين ـ رغبةً أو رهبةً ـ عن فِتن معاصرة أهلكت البلاد والعباد، نحياها ونعيش آثارها، والأمة تصلى نارها صباح مساء!..!.

والاختلاف أنواع، منه ما يمس الأصول والعقائد والتوحيد، وهذا نوع عليه يُعقد الولاء والبراء، وعلى أساسه تُحدد المواقف، ويرفع لواء الحرب، حيث لا يُرجى من السكوت عليه دفع ضررٍ أكبر، لأنه هو ذاته يعتبر الضرر الأكبر والظلم الأعظم الذي لا يعلوه ضرر وظلم، كما قال تعالى:

{إنَّ الشرك لظلمٌ عظيم} [لقمان : 13]. وقال: {والفتنة أشد من القتل} [البقرة : 191].

ومنه ما يمس الفروع دون الأصول، وأصحاب هذا النوع من الاختلاف على الغالب يكون عندهم ما يستوجب موالاتهم من وجه، ومجافاتهم من وجه آخر، فيُعاملون على أساس ما عندهم من خير أو شر، واختلافهم مع الحق يُعالج بالنصح وبالحكمة والموعظة الحسنة، وبشيءٍ من الرفق وبخاصة إن كان المخالف عنده مظنة دليل مرجوح أو أنه يقلد عالماً مُعتبراً، وشاهدنا أن هذا النوع من الاختلاف لا يجوز أن يُشهر على أساسه السيف أو يؤدي إلى المجافاة المطلقة وقطع جميع حبال الود، وإنما الأمور بقدر..

ومنه ما يكون عن علمٍ واجتهاد معتبر، لمظنة دليل أو قياس يحتمل أوجهاً من الأفهام والاستنباطات المتباينة المتغايرة، كاختلافات سلفنا الصالح مع بعضهم البعض، وهذا النوع من الاختلاف ينبغي أن يعذر بعضنا بعضاً فيه، مع المحافظة على النصح الجميل الواعي ما أمكن الذي لا يُؤدي إلى الشحناء والتباغض، ولو بقي كلّ طرف على رأيه المخالف للطرف الآخر..

فوحدة الأمة واجتماع كلمتها أصل من أصول الدين، لا يُفرط به إلا لأصل أعظم منه وأوكد، هذا ما يقتضيه قوله -صلى الله عليه وسلم- :

(وأن لا نُنازع الأمرَ أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)[4] . وقوله: (لا ما أقاموا فيكم الصلاة)[5]

فلابد من أن نُنزل الأمور منازلها، ونُراعي قاعدة اعتبار الأولويات والأهم فالأهم وِفق ضابط وميزان الشريعة، ونُعطي كلّ شيء حقه من غير جنوح إلى إفراط أو تفريط.

الهوامش

  1. [1] سورة المائدة : 54 .
  2. [2] سورة التوبة : 67 - 71 .
  3. [3] مجموع الفتاوى : 28/20 .
  4. [4] متفق عليه .
  5. [5] رواه مسلم .

خامساً: الشمولية

أعني بالشمولية أخذ الإسلام أخذاً متكاملاً دون تفريط في جانب من جوانبه، أو تضخيم لجانبٍ واحد على حساب بقية الجوانب، مع مراعاة فقه الأولويات والموازنات، وتقديم ما ينبغي تقديمه وتأخير ما يستوجب التأخير وفق ما تقتضيه المصالح الشرعية، بحيث يُقدم الأهم عند التزاحم دون أن يُستهان بالمهم أو يُفرَّط فيه.

{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [1]

أي أن نأخذ كلَّ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن ننتهي عن كل ما نهى عنه، لا أن ننتقي بعضاً ونترك بعضاً

فنحن مأمورون بأخذ الإسلام أخذاً شمولياً؛ إسلام العلم والفقه، إسلام الجهاد والاستشهاد، إسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إسلام الدعوة والتبليغ، إسلام الزهد وتربية الأنفس، إسلام التميز والصبر والثبات، إسلام الاستسلام والانقياد والاتباع... تلك خصال تتضافر في منهاجٍ عملي واحدٍ متماسك، بلا تفريق أو فصل أو تقليل من شأن أيٍّ منها، وكل ذلك وفق هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم وسنته.

وقد دعاني للتنبيه على هذه النقطة انشغال كثير من المسلمين ببعض الدين دون بعض، فإذا ذُكِّروا بما أغفلوه قلّلوا من شأنه، أو صرفوه عن مدلوله الشرعي الصحيح، حتى غدا القصور في التلقي والتربية سبباً مباشراً للانتقاء المذموم.

وسَبب ذلك ـ في الغالب ـ عائد إلى أمرين رئيسين:

  1. وجود المدارس الفقهية والجماعات الإسلامية المعاصرة التي تُكرّس ـ عن قصد أو غير قصد ـ مفهوم تفكيك الدين إلى أجزاء متفرقة، والاشتغال ببعضه دون بعض، فينعكس أثر ذلك سلباً على فكر المسلمين وسلوكهم العام والخاص.

    فهناك مدرسة تهتم بجانب «الدعوة والتبليغ» وتُبالغ في أهميته حتى تُهمِل بقية الجوانب، وإذا ذُكِّرت بها قلّلت من قيمتها وكأنها ليست من الدين. وهناك مدرسة تُركّز على «تزكية النفس» وتغلو فيها حتى تظن أن الدين يدور حول ذلك وحده، فتغفل جوانب أخرى لا تقوم التربية إلا بها. ومدرسة ثالثة تُشغِل نفسها بـ«تحقيق العلم» وتخريجه حتى تقع في الترف العلمي المجرد عن هموم الأمة وآلامها. ورابعة تجعل «الجهاد والقتال» محورها فتُهمِل لوازمه من العلم والتربية والعدل، فيضعُفُ أثره ويختل ميزانه. وخامسة تهتم بالتنظير السياسي والتحليل الإخباري بينما تفقد الرصيد الشرعي الذي به تُعرف حقائق الأمور.

    ومنهم من يُدندن حول العقيدة وهو يقصد نوعاً دون آخر؛ فيُفرّق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والأسماء والصفات، أو يُغالي في بعضها ويُهمِل بعضها، أو يُعالج شرك القبور والبدع والشعوذة ويتغاضى عن شرك القصور في الحكم والتشريع والطاعة والاتباع والولاء والبراء، وربما وقع هو نفسه في ذلك وهو لا يشعر. وآخر يُحارِب البدع ويغفل عن الشرك والكبائر، أو يُحيي بعض السنن ويُميت بعض الفرائض، أو يقضي عمره يناقش ثوباً وبنطالاً ولحيةً مع أقوامٍ يؤمنون بالطاغوت ويكفرون بالله فلا يُسمِعُهم كلمةً في توحيد الحكم والاتباع.

    وهذا كله يعود ـ في الغالب ـ إلى الخلل في التربية والتثقيف، وفي كيفية تلقي الدين والعمل له، حتى صار بعض الإخوان يقضون الأعمار في جزئيات محدودة بينما تُسحق أصول الدين وتُغتصب حاكمية الله تعالى.

    قال سيد قطب رحمه الله: «بينما الطيبون السذج من المسلمين يروحون يشتغلون في سذاجة بلهاء ـ من تأخذه الحمية للدين منهم وللأخلاق ـ بالتنبيه إلى مخالفات صغيرة، وإلى منكرات صغيرة، ويحسبون أنهم أدوا واجبهم كاملاً بهذه الصيحات الخافتة، بينما الدين كلّه يُسحقُ سحقاً ويُدمَّر من أساسه، وبينما سلطان الله يغتصبه المغتصبون، وبينما الطاغوت ـ الذي أُمروا أن يكفروا به ـ هو الذي يحكم حياة النّاس جُملةً وتفصيلاً!» [2].

    وقال أيضاً: «إن الأمر أكبر وأوسع وأعمق مما يُنفق فيه هؤلاء الطيبون جهدهم وطاقتهم واهتمامهم... فكلّ جهد في الفروع ضائع، وكلّ محاولة في الفروع عبث، والمنكر الأكبر أحق بالجهد والمحاولة من سائر المنكرات» [3].

  2. تلبيس إبليس على كثير من خواص المسلمين وعامتهم؛ فيصرفهم عن الأهم بالمهم، وعن الواجب إلى المندوب، وعن المندوب إلى المباح، ويشغلهم بجزئية من الدين إلى حد الإفراط على حساب الشمول، حتى يمتلئ أحدهم بشعرٍ أو علمٍ جزئيٍ بينما لا يحفظ من القرآن إلا قليلاً، وإذا أراد أن يُفيد الناس نضح بما امتلأ به إناؤه.

    وربما اشتغل المرء بمسألة واحدة عمره كله حتى عُرف بها وعُرفت به، وغاب عنه أن الله تعالى سائله عن بقية الواجبات. فإذا اعترضته الخصومات أو الفتن لم يجد من الزاد ما يُعينه على الثبات، لأنه عاش مع الفروع دون الأصول، ومع الجزئيات دون الكليات.

    قال ابن القيم رحمه الله: «فمن النّاس من يتقيّد بلباسٍ لا يلبس غيره، أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره... فهؤلاء كلّهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى... قد قيدتهم العوائد والرسوم، والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة، فأضحوا عنها بمعزل... فإذا ذكر له الموالاة في الله والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدَّ ذلك فضولاً... فهؤلاء أبعد النّاس عن الله» [4].

ومن نتائج العمل ببعض الدين وترك بعضه الآخر حصول الحالقة؛ العداوة والبغضاء والتفرق والتنازع بين المسلمين.

قال تعالى: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذُكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} [5].

فهذه آية تضرب مثلاً للمسلمين: إن أنتم فعلتم فعل النصارى فنسيتم حظاً من الدين وعملتم ببعضه وتركتم بعضه، أصابكم ما أصابهم من الفرقة والعداوة والبغضاء. وما نزل بالأمة من ضعفٍ وتنازعٍ اليوم إلا لأنها نسيت حظاً بل حظوظاً من دينها وتوحيدها، فعملت ببعضه وغفلت عن بعضه الآخر.

وإذا كان هذا جزاء من يُبعض الدين، فإن العمل بمجموع الدين ـ بلا تفريط ـ يورث الوحدة والائتلاف والرحمة والتكافل. وأي محاولة للنهوض بالأمة أو توحيد كلمتها تتجاهل هذا الأصل إنما هي كالسعي وراء السراب.

فهلا أخذنا الإسلام أخذاً شمولياً بلا انتقاص ولا إفراط أو تفريط، ثم سألنا الله بعد ذلك الوحدة والجماعة والنصر والتوفيق؟

الهوامش

  1. [1] سورة الحشر: 7.
  2. [2] في ظلال القرآن: 2/1034.
  3. [3] في ظلال القرآن: 5/951.
  4. [4] مدارج السالكين: 176.
  5. [5] سورة المائدة: 14.

سادساً: إعلاء كلمة الله في الأرض

حيث لابد للعاملين للإسلام من سبيل يُجمعون عليه ابتداءً، ينهجونه لنصرة هذا الدين وإعلاء كلمته في الأرض، فاختلاف وجهات النظر حول السبل والوسائل كان ولا يزال ذريعة للتنازع والتفرق والاختلاف، وتعدد الجماعات المتنافرة..

والإسلام إذ حدد لنا الغايات وألزمنا بالعمل لها كذلك فقد حدد لنا السبل والوسائل التي تُوصلنا ـ بإذن الله ـ إلى تحقيق تلك الغايات، وألزمنا الأخذ بها، فالمسألة لم تترك فراغاً من غير بيان من الشارع الحكيم ليجتهد فيها المجتهدون، ويخوض فيها الخائضون كلٌّ بحسب ما يرتئي ويهوى..

ونحن إذ نقرر أن الجهاد في سبيل الله هو طريق الإسلام للنصر والتمكين وإعلاء كلمة الله في الأرض، فهو لأوجه نُجملها في النقاط التالية:

  1. أنّ طريق الجهاد وحي قد أمرنا الله به، وهو قدر الأمة فلا مناص للتفلت منه أو استبداله بطرقٍ أخرى ما أنزل الله بها من سلطان.

    قال تعالى: {كُتِبَ عليكمُ القتال وهو كُرهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم}[1].

    وهو كقوله تعالى: {كُتِبَ عليكم الصيام}[2]، فكما أنَّ الأمة كُتب عليها الصيام فقد كُتب عليها القتال، فلا فرق بين الآيتين من حيث دلالة المشروعية والوجوب.

    وإن كنتَ تعجب فمِن أولئك الذين يستشهدون بآية الصيام على شرعية ووجوب الصوم، ثم إذا ذُكِّروا بآية القتال تراهم يلوون أعناقهم ويتكلفون التأويل والتعطيل!!

    وكذلك قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه لله}[3].
    وقال تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تُكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً}[4].
    وقال تعالى: {انفروا خِفافاً وثقالاً وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم}[5].
    وقال تعالى: {وما لكم لا تُقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً}[6].

    وغيرها كثير من الآيات التي تُدلِّل على أن الجهاد في سبيل الله هو طريق الإسلام إلى النصر والتمكين وإعلاء كلمة الله في الأرض.

    وفي الحديث فقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (أُمرت أن أُقاتل النّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله)[7].

    وقال -صلى الله عليه وسلم- : (بُعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يُعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رُمحي، وجُعل الذلُّ والصغار على من خالف أمري)[8].

    وقال: (واعلموا أنّ الجنّة تحت ظِلال السيوف)[9].

    وقال: (من مات ولم يغزُ ولم يُحدث به نفسه مات على شعبة من نِفاق)[9].

    وقال: (مَن لم يغزُ أو يُجهز غازياً، أو يخلُف غازياً في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة)[10].

    فالمؤمن ليس له إلا أن يكون واحداً من ثلاث: إما غازياً، أو يجهز غازياً، أو يخلف غازياً في أهله بخير، وإلا فلينتظر ـ عاجلاً أو آجلاً ـ قارعة تنزل بساحته لا يعلم ماهيتها وشدتها إلا الله تعالى. ومن يتأمل القوارع الشداد التي تنزل بالأمة في هذا الزمان يُدرك أن سبب ذلك كله يعود إلى تخليها عن الجهاد، وعن نُصرة المجاهدين.

  2. أن الجهاد في سبيل الله دواء لكثير من الأدواء، فلا شيء أنفع للبلاد والعباد من الجهاد في سبيل الله تعالى.

    فبه تتحقق الهداية وتُيسر لأصحابه، كما قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[11]. وعليه فكان السلف إذا أشكل عليهم أمرٌ من أمور الدين يسألون أهل الثغور والجهاد.

    وهو باب من أبواب الجنّة يُذهب الله به الهمَّ والغمَّ، كما في الحديث: (عليكم بالجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهمَّ والغم)[12].

    وبه تُحفظ مقاصد الدين، وتُصان الحُرمات، كما في قوله تعالى: {وما لكم لا تُقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنّساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً}[13].
    وقال تعالى: {ومَن جاهد فإنما يُجاهد لنفسه إنَّ الله لغنيٌّ عن العالمين}[14]. أي أن الخير العائد من الجهاد مردود على أنفسنا إن جاهدنا في سبيل الله، فالله تعالى غنيٌّ عنا وعن جهادنا.

    وهو كذلك باب عظيم من أبواب التمحيص يُعرف به المؤمن الموحِّد من المنافق المتسلق الذي يحب أن يُحمد بما لم يفعل، فالجهاد تُرجمان التوحيد.

    قال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولما يعلمِ الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}[15].
    وقال تعالى: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً}[16].
    وقال تعالى: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله}[17].
    وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون}[18]. فاعتبر جهادهم دليلاً على صدق إيمانهم.
    وقال تعالى: {إنما يستأذنك الذين لا يُؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين}[19].

    قال ابن تيمية رحمه الله في تفسير الآية: «فهذا إخبار من الله بأن المؤمن لا يستأذن الرسول في ترك الجهاد وإنما يستأذنه الذين لا يُؤمنون، فكيف بالتارك من غير استئذان؟»[20].

    قلت: فكيف بمن يثبط الأمة عن الجهاد، ويؤثم المجاهدين لجهادهم؟!

    والجهاد إلى جانب ما تقدم لا يعدله شيء من العبادات، كما في الصحيحين، عن أبي هريرة قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد؟ قال: (لا تستطيعونه) فأعادوا عليه مرتين وثلاثاً كلّ ذلك يقول: (لا تستطيعونه) ثم قال: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد).

    وقال -صلى الله عليه وسلم- : (رباط يوم في سبيل الله خيرٌ من ألف يوم فيما سواه من المنازل)[21].

    وقال -صلى الله عليه وسلم- : (الغدوة والروحة في سبيل الله، أفضل من الدنيا وما فيها)[22].

    وقال -صلى الله عليه وسلم- : (من اغبرت قدماه في سبيل الله، فهو حرامٌ على النّار)[23].

    قلت: فما بالك فيمن يغبر وجهه في سبيل الله، ويلامس غبار الجهاد شغاف قلبه؟

    وإذا كان هذا الخير كلّه يتحقق من جراء الجهاد في سبيل الله تعالى، فإن تركه والركون إلى الدنيا وإغراءاتها مآله إلى العذاب والذل والهوان، وضياع حرمات البلاد والعباد.

    قال تعالى: {إلا تنفروا يُعذّبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كلّ شيء قدير}[24].
    وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}[25].

    ومنها أن الولاية لا تتحقق إلا بالمتابعة والجهاد في سبيل الله، قال ابن تيمية: «قد جعل الله لأهل محبته علامتين: اتباع الرسول والجهاد في سبيل الله؛ وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، وفي دفع ما يُبغضه من الكفر والفسوق والعصيان»[26].

    ومنها أن إيثار الأصناف الواردة في الآية ـ وما أعزها على النفس ـ على الجهاد في سبيل الله، مآله إلى العذاب والفسق والضلال، وضياع جميع المصالح.

    والعينة ـ وهي نوع من التعامل الربوي، وصفته أن يبيع المرءُ شيئاً من غيره بثمن مؤجل ويُسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه بثمن أقل من ذلك القدر، يدفعه نقداً[27].

    وفي الحديث فقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلَّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)[28].

    وقال -صلى الله عليه وسلم- : (يُوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غُثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن، فقال: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حبُّ الدنيا وكراهية الموت).

    ومهما كان للجهاد من تبعات وتكاليف، فإن تبعات وتكاليف ترك الجهاد في سبيل الله والركون إلى الدنيا ومشاغلها وملذاتها لهي أشد بكثير من تبعات الجهاد في سبيل الله، وهذا أمر ـ شهدت عليه الأدلة النقلية والعقلية ـ لا يُدركه إلا المؤمن العاقل المتبصر[29].

  3. إن عدم الاتفاق على مبدأ الجهاد كسبيل للتمكين وإعلاء كلمة الله في الأرض، يستلزم بالضرورة تسليم الأعناق وجميع الحرمات إلى رحمة وسيوف الكفار الذين لا يرقبون في المؤمنين إلاًّ ولا ذمة.

    قال تعالى: {كيف إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولا ذمة}[30]. أي لا يُراعون فيكم قرابة ورحم، ولا عهداً قطعوه لكم.

    وهم لا يزالون يُقاتلون المسلمين حتى يفتنوهم عن دينهم إن استطاعوا، كما قال تعالى: {ولا يزالون يُقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}[31].

    وقال تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم}[32].

    فلو سالمتهم يا مسلم فهم لا يُسالمونك إلا بشرط التخلي عن دينك، وكم هي الأحداث ـ في الماضي والحاضر ـ التي تؤكد على صحة ذلك، وما يجري اليوم لمسلمي البوسنة والهرسك وغيرها من البلدان لأكبر شاهد على ما نقول.

    ولن أنسى تلك المرأة من مسلمات البوسنة ـ وقد رُوعت بقتل زوجها وأطفالها ـ وهي تقول: ظللنا نتكلم أن الإسلام دين سلام.. دين سلام.. حتى ذبحونا من الوريد إلى الوريد!!

    فهل نعتبر أم ننتظر مزيداً من الانتهاكات لحرمات وأعراض المسلمين؟!

  4. الجهاد في سبيل الله طريق الطائفة الناجية المرضية المنصورة، حيث يُعتبر من أخص خصائصهم ومن أبرز ما يتميزون به عن غيرهم.

    قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يُحبهم ويُحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يُجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يُؤتيه من يشاء والله واسع عليم}[33]. فالجهاد في سبيل الله مِنة وفضل وتوفيق يتفضل الله به على من يشاء من عباده.

    وفي الحديث فقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لن يبرح هذا الدين قائماً يُقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة)[34].

    وقال -صلى الله عليه وسلم- : (لا تزال طائفةٌ من أمتي يُقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة)[35].

    وقال -صلى الله عليه وسلم- : (لا تزال طائفة من أمتي يُقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم حتى يُقاتل آخرُهم المسيح الدجال)[35].

    وعن سلمة بن نفيل الكندي، قال: كنت جالساً عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقال رجل: يا رسول الله، أذال النّاس الخيل ووضعوا السلاح، وقالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها! فأقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوجهه وقال: (كذبوا، الآن، الآن جاء القتال، ولا يزال من أمتي أمة يُقاتلون على الحق ويُزيغ الله لهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم، حتى تقوم الساعة، وحتى يأتيَ وعد الله، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)[36] - [37].

    وقال -صلى الله عليه وسلم- : (لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة)[38].

    وبعد، فهذا هو طريق الطائفة المنصورة الناجية المرضية، فهل يحسن بنا ـ ونحن ننشد الحق ـ أن نتنكب طريقهم ونلتمس طرقاً أخرى ما أنزل الله بها من سلطان؟!

لأجل هذه الأوجه مجتمعة ـ وواحد منها يكفي ـ نُقرر أن الجهاد هو الطريق الوحيد للنصر والتمكين وإعلاء كلمة الله في الأرض، وهو السبيل الذي يجب على الأمة أن تجتمع وتتفق عليه.

وبالتالي فإن السبل الأخرى ـ المطروحة على الساحة ـ أكثرها غير شرعية فضلاً عن أن تحقق غايةً ونصراً للإسلام والمسلمين، وبخاصة السبل التي يكون من منهاجها السير في اللعبة الديمقراطية والمشاركة في المجالس النيابية والشعبية، التي تفضي بأصحابها إلى مُسالمة ومُعايشة طواغيت الكفر والظلم على كفرهم وظلمهم، فهذه سبل باطلة غير شرعية ـ يترتب عليها مزالق شرعية وعقدية لا تُحمد عُقباها ـ لا يجوز للمسلمين أن يسلكوها وينشدوا النصر والتمكين من خلالها، والمسألة قد أفردنا لها كتاباً مستقلاً لمن يُريد التفصيل أو الدليل[39].

أما الطرق الثانية التي تتبناها بعض المدارس الإسلامية المعاصرة، كطريق التربية أو التصفية والتربية، وطريق طلب العلم، وطريق الاهتمام بالسياسة وفقه الواقع والفِرَق وغيرها من الطرق، نقول فيها: هذه الطرق جميعها تصب في خانة الإعداد الشرعي الذي يُعتبر من لوازم الجهاد في سبيل الله، فالتصفية والتربية هي من الإعداد اللازم ولكن لا يجوز أن نعتبرها سبيلاً للتغيير والنصر والتمكين في الأرض.

وكذلك طلب العلم والطرق الأخرى فهي من الإعداد اللازم، ولكن لا يجوز اعتبارها سبيلاً للتغيير والتمكين، وقِيام خلافة راشدة.

ولا أدل على ذلك من جيل الصحابة الأول، الجيل الأول في تربيته وزهده، وعلمه وفقهه، الأول في دِرايته للواقع وما يدور حولهم، ومع ذلك لم يكن يُغنيهم عن الجهاد في سبيل الله، أو يُبرر لهم التخلف عن الغزو في سبيل الله وخوض غماره.

بل من هو أسمى وأفضل من الصحابة أجمعين، محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وعلى ما أُوتيه من خير وفضل، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كلّ ذلك لم يكن مُبرراً له -صلى الله عليه وسلم- للقعود عن الجهاد في سبيل الله، بل كان أول الأوائل في الجهاد، يحتمي به الأبطال الصناديد إذا ما حميَ الوطيس، وقد صحَّ عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (والذي نفس محمد بيده لولا أن يُشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل)[40].

وقال -صلى الله عليه وسلم- : (لأَنْ أُقتل في سبيل الله، أحبُّ إليَّ من أن يكون لي أهلُ الوبَرِ والمدَرِ)[41].

فأين مسلمو اليوم من هذه المعنويات العالية والحب العظيم للجهاد والاستشهاد في سبيل الله، بل من يُلحظ عنده أدنى حماس للجهاد في سبيل الله سُرعان ما يُنظر إليه نظرة ازدراء واستهجان وتهكم، وعلى أنه من المتهورين وممن يلقون بأنفسهم في التهلكة!

ثم أين طُلاب السنّة وحُراسها من ذلك، حيث نرى كثيراً منهم يتحرون دقائق السنّة في صغائر الأمور ـ وهذا حق ـ ثم هم في المقابل يتغافلون ـ رهبةً أو رغبةً ـ عن سنّة بل فريضة الجهاد في سبيل الله التي تكاد أن تكون غائبة وكأنها ليست من الدين، إلى درجة أنهم لا يُحدثون أنفسهم ولا الآخرين بها!


الهوامش

  1. [1] سورة البقرة : 216.
  2. [2] سورة البقرة : 183.
  3. [3] سورة الأنفال : 39.
  4. [4] سورة النساء : 84.
  5. [5] سورة التوبة : 41.
  6. [6] سورة النساء : 75.
  7. [7] رواه البخاري.
  8. [8] رواه أحمد وغيره، صحيح الجامع : 2831.
  9. [9] رواه مسلم.
  10. [10] صحيح سنن أبي داود : 2185.
  11. [11] سورة العنكبوت : 69.
  12. [12] رواه الحاكم وغيره، السلسلة الصحيحة : 1941.
  13. [13] سورة النساء : 75.
  14. [14] سورة العنكبوت : 6.
  15. [15] سورة آل عمران : 142.
  16. [16] سورة الأنفال : 74.
  17. [17] سورة التوبة : 20.
  18. [18] سورة الحجرات : 15.
  19. [19] سورة التوبة : 45-46.
  20. [20] مجموع الفتاوى : 28/438.
  21. [21] صحيح سنن النسائي
  22. [22] متفق عليه.
  23. [23] صحيح سنن النسائي
  24. [24] سورة التوبة : 39.
  25. [25] سورة التوبة : 24.
  26. [26] كتاب العبودية.
  27. [27] العينة نوع من التعامل الربوي، وصفته أن يبيع المرءُ شيئاً من غيره بثمن مؤجل ويُسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه بثمن أقل من ذلك القدر، يدفعه نقداً.
  28. [28] السلسلة الصحيحة : 11.
  29. [29] جاءت إحصائيات الهيئات الرسمية أن عدد المسلمات في البوسنة اللواتي انتهكت أعراضهن واغتصبن من قِبل كفار الصرب ما يزيد عن ستين ألف امرأة وفتاة، هذا المعلن والمخفي أعظم وما يُمارسه جنود الأمم المتحدة على الإسلام من انتهاكات للحرمات ومحاولات للإبتزاز ما هو معروف لدى الجميع.
  30. [30] سورة التوبة : 8.
  31. [31] سورة البقرة : 217.
  32. [32] سورة البقرة : 120.
  33. [33] سورة المائدة : 54.
  34. [34] رواه مسلم.
  35. [35] صحيح مسلم - صحيح الجامع
  36. [36] أي استخفوا بها وتركوها.
  37. [37] صحيح سنن النسائي
  38. [38] صحيح سنن ابن ماجة : 6.
  39. [39] حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية، وهو كتاب مطبوع.
  40. [40] رواه مسلم.
  41. [41] صحيح سنن النسائي : 2955.

تنبيهات ضرورية

حتى لا يُفهم كلامنا خطأ ويُحمَّل على غير الوجه الذي نُريد، نُسجِّل التنبيهات التالية:

التنبيه الأول: مما يدخل في مسمى الجهاد في سبيل الله الجهاد بالمال والبيان، فربَّ كلمة حق ينطق بها المؤمن ـ في أجواء الجور والنفاق ـ عند سلطان جائر كافر تعدل ضرب السيوف وتزيد، كما في الحديث: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتله» [1].

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ المؤمن يُجاهد بسيفه ولسانه» [2].

ولكن أفضل الجهاد والمجاهدين كما قال سيد المجاهدين -صلى الله عليه وسلم-: «أفضل الجهاد مَن عُقِرَ جواده وأُهريق دمه» [3].


وقيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال: «مؤمنٌ يُجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» [4].


التنبيه الثاني: قولنا بأن الجهاد في سبيل الله هو السبيل للنصر والتمكين والاستخلاف، لا يستلزم منه ولا يُفهم إهمال بقية الوسائل الشرعية الأخرى كالدعوة والتبليغ، والتربية والتزكية، وطلب العلم تعلماً وتعليماً، وبناء شريحة عريضة من الناس تُطالب بوعي وعلم بالإسلام؛ فهذه من الأمور الضرورية التي تدخل في مسمى الإعداد بمفهومه العام الذي يعد من المقدمات اللازمة للجهاد في سبيل الله.


لكن أخص ما يدخل في مسمى الإعداد الإعداد المادي الذي يرهب العدو الكافر، كما قال تعالى:

{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60].

وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على المنبر يقول: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي».

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى» [5].

التنبيه الثالث: قولنا بالجهاد في سبيل الله لا ينبغي أن يُفهم منه الفوضى والتصرف الفردي غير المسؤول، أو استعجال القتال قبل مقدماته الضرورية، فمن تعجَّل شيئاً قبل أوانه عُوقب بحرمانه.


التنبيه الرابع: الجهاد في سبيل الله كبقية العبادات يشترط له الاستطاعة، فإذا انتفت الاستطاعة وتحقق العجز رُفع التكليف؛ لأن الله تعالى لا يُكلف نفساً إلا وسعها. لكن هذا العجز لا ينبغي أن يُقعد المؤمن عن الإعداد للجهاد قدر استطاعته، فالمؤمن إما أنه يُجاهد في سبيل الله، أو يعد عدته، فالميسور لا يسقط بالمعسور.

قال ابن تيمية رحمه الله: «يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» [6].

التنبيه الخامس: شُرع الجهاد في سبيل الله لدفع المفاسد وجلب المصالح ـ وأعظم المفاسد الشرك، وأنفع المصالح وأفضلها التوحيد ـ ومتى كان الأمر على خلاف ذلك لا يشرع الجهاد، وهو كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حيث يجب تقدير المصالح والمفاسد ـ وفق ميزان الشرع ـ عند الإقدام أو الإحجام.


التنبيه السادس: فشل المجاهدين في موقعة من المواقع أو مرحلة من المراحل لأسباب قد تكون من عند أنفسهم، لا يستلزم اعتبار طريق الجهاد في سبيل الله فاشلاً، كما لا يستلزم استعداء الجهاد والمجاهدين كما وقع في ذلك بعض الدعاة المعاصرين، وتذرعوا بواقع بعض الحركات الجهادية في زماننا.


هذا تجنٍّ وظلم ومجاوزة للحق والإنصاف؛ فخطأ خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما قتل أولئك الذين قالوا له «صبأنا»، وكانوا يريدون أن يقولوا «أسلمنا» فأخطأوا التعبير، لم يدعُ النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أن يتبرأ من الجهاد في سبيل الله ومن خالد ومن معه، وإنما تبرأ من صنيع خالد الذي أخطأ فيه تحديداً ولم يتجاوزه، وقال: «اللهم إني أبرؤ إليك مما صنع خالد» ثلاثاً. والشواهد من السيرة النبوية كثيرة تدل على مثل هذا الفقه والإنصاف، ولنا في رسول الله أسوة حسنة.


وفي الختام، أعود وأذكِّر أن هذه النقاط الست الآنفة الذكر لا بد من مراعاتها والأخذ بها عند القيام بأي عمل جادٍ يستهدف جمع الطاقات وتوحيد كلمة المسلمين، وإلا فإن دعوة توحيد الكلمة والجهود ستبقى زعماً تلوكها الألسن لا واقع ولا أثر لها في حياة الأمة والمسلمين.

أسأل الله تعالى أن يُلهمنا رشدنا، والإخلاص في القول والعمل، وأن يُوحِّد كلمة المسلمين على ما يُحبه ويرضاه، فالأمر له من قبل ومن بعد، إنه تعالى سميع قريب مجيب. وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

عبد المنعم مصطفى حليمة


الهوامش

  1. [1] رواه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 374.
  2. [2] رواه أحمد وغيره، صحيح الجامع: 1934.
  3. [3] السلسلة الصحيحة.
  4. [4] رواه البخاري.
  5. [5] رواه مسلم.
  6. [6] مجموع الفتاوى: 28/259.