المقدمة
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه -صلى الله عليه وسلم-.
آل عمران: 102
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ
النساء: 1
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
الأحزاب: 70–71
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ۖ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛
وشَرُّ الأمور مُحدثاتُها، وكلُّ مُحدثةٍ بدعةٌ، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلُّ ضلالةٍ في النار.
اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم.
لا يزال الحديث محتدِماً بين طبقات الساسة والمثقفين والباحثين والإعلاميين عن مفهوم صراع الحضارات: حقيقته وواقعه. يتصدر بذلك الصراع الحديث خاصة بين الحضارة الغربية الرأسمالية النصرانية الديمقراطية والحضارة الإسلامية.
هل لهذا الصراع وجودٌ سابقٌ أم حديث؟ وهل له بدايةٌ ونهاية؟ وهل يمكن تفاديه وإيقافه؟ يذهب فريق من السياسيين والمثقفين — ومنهم من يُحسب على الاتجاه الإسلامي — إلى أنه قادر على إيقاف هذا الصراع، وأنه لا بد من إيقافه، وأن شرذمة قليلة لا يجب أن تتسبب في نشوبه. هذه المواقف كثيرا ما تُفهم على نحو سطحي، وكثيرون يربطون الصراع بمظاهر مادية فقط: آلاتٍ عسكريةٍ، أو صناعاتٍ، أو مبانٍ شاهقة، أو قتالٍ بين جماعات.
لذلك وجدتُ الحاجة الماسة إلى بحث هذا الموضوع والإجابة عن أسئلة جوهرية: ما مفهوم صراع الحضارات؟ ما حقيقته؟ وهل له واقع نعايشه؟ وما موقف الأدلة النقلية من هذا الصراع؟ وغيرها من الأسئلة ذات الصلة.
نسأل الله تعالى السداد والتوفيق والقبول، وأن يجعل هذا العمل مفتاح خير ومغلاق شرٍّ. إنه سميع قريب مجيب.
معنى الحضارة ومفهومها
فأقول: الحِضارة والحَضارة لغة: هي الإقامة في الحضَر، والحضَر خلاف البادية، وهي المدن والقرى والريف، سُميت بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار وعمران، بخلاف الباد في البادية فهو في تنقل دائم يبحث عن الكلأ والماء، لا يعرف القرار ولا العمران.
ويُقال: فلان حضَري إذا كان من أهل الحاضرة، وفلان بدوي إذا كان من أهل البادية، والحضري لما تميز به عن البدوي بالثبات والإقرار وعدم التنقل والترحال فإن ذلك ساعده على أن يثري حضارته مقر إقامته بجميع مظاهر النمو والتطور، والإبداع العلمي والفني والعمراني، والاجتماعي .. فالحضارة هي محضن كل تطور أو إنجاز إنساني[1].
أما اصطلاحاً: فالحضارة هي عبارة عن مجموع المفاهيم، والقيم، والتصورات، والعقائد، والقوانين، والمبادئ، والعادات التي تشكل سلوكاً معيناً ومحدداً عند الإنسان، وتحدد له طريقة معينة في الحكم، والعيش، والحياة، والتعامل مع الآخرين.
فالصدق مثلاً: خلق ومفهوم وقيمة حضارية .. يهدي إلى البر .. ويترتب عليه سلوك إيجابي متحضر على مستوى الفرد والمجتمع .. بخلاف الكذب فهو خلق مذموم غير حضاري .. لأنه يهدي إلى الفجور والفساد .. ويشكل سلوكيات سلبية متخلفة مدمرة تسيء للفرد والمجتمع سواء.
وكذلك نقول: في خُلق ومفهوم الأمانة، والوفاء بالعهد، والعدل، والشورى، والإيثار، والشكر، والجود، والشجاعة، والحياء، والأدب .. والقناعة، والتواضع، وإغاثة الملهوف والمحتاج، وحب الخير للآخرين، ومفهوم الحرص على الوقت، وحسن استغلاله فيما ينفع .. والاقتصاد من غير تقتير ولا تبذير ولا إسراف .. والدقة في المواعيد .. والنظام والتنظيم .. وعدم الفضول وتدخل المرء فيما لا يعنيه .. والنظافة والحرص عليها، والرياضة الهادفة التي تُثمر جسداً سليماً وقوياً .. وحب الاطلاع والاستكشاف، والمطالعة والقراءة الراشدة الواعية، والحرص على العلم، والتعلُّمِ، والتعليم .. والعلم التجريبي التطبيقي .. وحب العمل والانتاج والاعتماد على النفس؛ فاليد العليا خير وأحب إلى الله تعالى من اليد السفلى .. فهذه كلها مفاهيم وقيم حضارية معتبرة .. تعطي وتفرز سلوكاً إيجابياً نافعاً ومتحضراً .. مؤداه إلى عمران الأرض بما ينفعها وينفع ساكنيها .. وكل مفهوم حضاري يكون ضده بالضرورة مفهوماً غير حضاري .. والعمل به مؤداه إلى سلوك سلبي مذموم غير متحضر .. ينعكس على الأرض وساكنيها بالضر والفساد، والشر؛ فإذا قلنا مثلاً بأن الوفاء بالعهد مفهوم حضاري فيكون ضده الغدر وهو مفهوم غير حضاري، وكذلك العدل، فضده الظلم وهو مفهوم غير حضاري .. وهكذا بقية المفاهيم والقيم الأخرى.
واعلم أن أعظم وأجل وأرقى مفهوم حضاري على الإطلاق هو مفهوم التوحيد؛ الذي يحمل المرء على أن يُفرد الخالق -سبحانه وتعالى- بالعبادة، والقصد، والطاعة، والمحبة، والتحاكم .. وبالتالي فإن أسوأ وأخنع وأقبح مفهوم حضاري على الإطلاق هو الشرك؛ الذي يُعبد العبيد للعبيد، والذي يحمل المرء على أن يتخذ أنداداً وشركاء يعبدهم ويطيعهم، ويحتكم إليهم، ويضحي في سبيلهم من دون الله -عز وجل- .. وعلى هذا المفهوم الحضاري مدار الخلاف والصراع ـ على مدار التاريخ كله ـ بين أهل التوحيد من جهة، وبين أهل الشرك والباطل بكل أطيافهم وتجمعاتهم ومسمياتهم من جهة أخرى.
هذا الخلاف حول هذا المفهوم الحضاري ( التوحيد ) أدى إلى خلاف حول مفاهيم حضارية أخرى مرتبطة به؛ كمفهوم " الحرية " مثلاً؛ هل هي مطلقة أم مقيدة، وما هي المساحة المسموح بها، والمساحة الممنوعة، ومن هي الجهة التي تحدد نسبة هذه الحرية .. وكذلك مفهوم السيادة العليا في الأرض لمن تكون؛ من الحاكم، من له الأمر فيُطاع، من له خاصية التشريع والتحليل والتحريم، والتحسين والتقبيح؛ للخالق أم للمخلوق .. لله تعالى وحده أم لعبد الله .. وكذلك القيم الحضارية ذات العلاقة بتحديد خصوصيات وحقوق الخالق -سبحانه وتعالى- وخصوصيات وصلاحيات الإنسان، وحقوقه وواجباته .. فهذا النوع من القيم هي محطة تنازع واختلاف بين أمة الإسلام أو الحضارة الإسلامية، والحضارات الأخرى بكل مسمياتها وصورها .. وهذه مسألة سنعود إليها ـ إن شاء الله ـ بشيء من التفصيل عند الحديث عن أوجه الخلاف بين القيم الحضارية للحضارة الإسلامية، والقيم الحضارية للحضارات الأخرى.
فإن عُلِم هذا الذي تقدم يُقال: عندما يتصرف المرء بطريقة صحيحة راقية أخلاقية ومسؤولة .. يُقال عنه هذا إنسان متحضر .. وإذا تصرف بطريقة خاطئة، متخلفة، غير أخلاقية ولا مسؤولة .. يُقال عنه هذا إنسان متخلف .. همجي .. غير متحضر.
فالسلوك الإنساني .. أيَّاً كان نوعه .. وكانت نتائجه .. ليس هو الحضارة .. وإنما هو عبارة عن نتاج المفاهيم والتصورات الحضارية التي ينتمي إليها هذا الإنسان ويعتقد بها .. والتي أفرزت عنده هذا السلوك .. فإن كان سلوكاً إيجابياً ممدوحاً فهذا دليل على وجود قيم حضارية إيجابية وممدوحة .. وإن كان سلوكاً سلبياً مذموماً فيكون ذلك دليلاً على عدم وجود قيم حضارية إيجابية معتبرة عند هذا الإنسان .. وإنما يكون دليلاً على وجود قيم وأخلاقيات متخلفة غير متحضرة ولا راقية .. فالسلوك الإنساني ـ اياً كان نوعه ـ هو التعبير الصادق عن نوعية ومدى جودة تلك القيم الحضارية التي ينتمي إليها الإنسان.
فالإنجاز العلمي التجريبي ـ قديماً وحديثاً ـ يشترك فيه جميع بني البشر .. وأسبابه مبذولة للجميع .. وبالتالي فهو ليس دليلاً ولا مقياساً على تحضر أو حضارة شعب من الشعوب .. وإنما هو دليل على وجود جزء من تلك المفاهيم والقيم الحضارية التي ينتمي إليها ذاك الشعب أو غيره .. ألا وهي قيمة الاهتمام والحرص على العلم التجريبي التطبيقي.
فالآلة المصنَّعة .. مهما كانت ضخمة وهامة ومتطورة .. ليست هي الحضارة .. وإنما المفاهيم والقيم والتصورات .. التي كانت سبباً في وجود هذه الآلة .. والتي تحكم وتحدد الطريقة التي تُستخدم بها هذه الآلة .. هي الحضارة، ومن خلالها يُحكم على صاحبها بالتحضر أم لا أو كم هي نسبة التحضر التي يتحلى بها!
فالذي يُصنِّع سلاحاً متطوراً وفتاكاً مدمراً .. لكي يستخدمه لأغراض الشر والفساد والتخريب والدمار في الأرض .. ولأغراضه الشخصية الذاتية أو الحزبية الضيقة .. فهذا رغم ملكه لهذا السلاح الفتاك وتصنيعه له .. فهو إنسان غير متحضر .. لا يُمكن أن يُنسَب إلى الحضارة والتحضر في شيء .. ولو نُسب مجازاً فهو يُنسب إلى حضارة متخلفة همجية غير راقية .. ولا إنسانية!
فهذا الذي يصنِّع قنبلة ضخمة فتاكة .. ليقتل بها الأطفال والنساء، وغيرهم من الآمنين ممن صان الشرع حرماتهم .. وليدمر البيوت على رؤوسهم .. فهذا رغم تصنيعه لهذه القنبلة الضخمة لا يُمكن أن يُصنَّف بأنه إنسانٌ متحضر أو يُوصَف فعله هذا بالتحضر والرقي، أو أنه ينتمي إلى قيم حضارية راقية معتبرة!
الإنسان الذي ينتهج مبدأ الغايات تبرر الوسائل؛ مهما كانت هذه الوسائل قذرة وسيئة ومنحطة .. لا يُمكن أن يُعتبر متحضراً ولا راقياً مهما كان متقدماً في الصناعات والتطاول في البنيان والعمران!
نقول ذلك لأن كثيراً من الباحثين فضلاً عن غيرهم يقيسون الحضارة والتحضر بمدى الإنجاز والتطور العلمي، ويظنون أن آلات التصنيع المتقدمة .. والتطاول في العمران .. التي يتمتع بها مجتمع من المجتمعات هي الحضارة ذاتها .. وهي دليل على تحضر ورقي ساكني هذه المجتمعات .. وهذا خطأ فاحش شائع لا بد من تصحيحه وتداركه!
المجتمع النبوي الأول في المدينة المنورة لم يكن يعرف التطاول في العمران والبنيان، ولا الصناعات الضخمة والمتطورة .. ومع ذلك فهو أعظم المجتمعات رقياً وتحضراً عرفها التاريخ من قبل وإلى يوم القيامة؛ لأنه كان قائماً على مجموعة من المفاهيم والقيم الحضارية الراقية النبيلة التي لا توازيها قيم ومفاهيم حضارية أخرى في أي موضع أو زمانٍ آخر، سرعان ما أعطت نتائجها، وانعكست آثارها الإيجابية على العالم أجمع، وفي سنوات معدودات .. فغيرت وجه التاريخ من أظلم صورة يُمكن أن تُعرَف إلى أشرق وأعدل وأعظم صورة!
وجود الصراع بين الحضارات
من خلال هذا الذي تقدم نقول: الصراع بين الحضارات قائم وموجود لا مجال لنكرانه، وهو في حقيقته صراع بين المفاهيم والتصورات والقيم والمبادئ .. والعقائد .. المتناقضة المتضاربة .. والتي تحدد معالم وطريقة الحياة لكل حضارة أو أمة من تلك الحضارات أو الأمم.
هو صراع وتدافع بين مفاهيم وقيم الشر والظلم والطغيان وأتباعها من جهة وبين مفاهيم وقيم الخير والحق والعدل وأتباعها من جهة أخرى.
هو صراع بين التوحيد وأهله من جهة، وبين الشرك والكفر والجحود وأهله من جهة أخرى.
هذا النوع من الصراع والتدافع بين الحق والباطل .. بين التوحيد والشرك .. وبين العدل
والظلم .. وبين الفساد والدمار وحب السلام والإعمار .. هو المراد من صراع الحضارات .. وهذا النوع من الصراع قائم وموجود منذ أن خلق الله تعالى إبليس .. وآدم -عليه السلام- .. وجعل أحدهما عدواً للآخر .. ومنذ أن قدر وجود الخير والشر في الأرض .. بل في النفس الواحدة للإنسان نجد أن الله تعالى قد قدر فيها نوازع الخير والشر معاً .. وخلق في الوجود المتناقضات والأضداد .. وسيبقى هذا الصراع بين الأضاد والمتناقضات ما شاء الله تعالى .. وإلى أن يرث الله الأرضَ ومن عليها .. لا يمكن أن تستقيم الحياة في الأرض ولا أن تسلم من الدمار والخراب من دونه .. ولا أن تنجو السفينة من الغرق والهلاك من دونه!
هؤلاء الذين يتشبعون بما لم يُعطَوا فيزعمون أنهم يريدون إيقاف صراع الحضارات .. يُقال لهم: أوقفوا إبليس وجنده عن الكيد والتآمر، والفتنة، والفساد في الأرض إن استطعتم .. ضعوا نهاية لإبليس وجنده إن استطعتم .. فإن لم تستطيعوا ولن تستطيعوا .. فكيف تستشرفون مهمة إيقاف صراع الحضارت .. وأنتم تعلمون أن حضارات معاصرة كاملة قائمة على عبادة الشيطان، وعلى حكم وشرع وقيم الشيطان؟!
هذه حقيقة ساطعة ظاهرة قد دلت عليها جميع الأدلة النقلية والعقلية والواقعية .. لا خفاء فيها ولا غموض، ينبغي التسليم بها .. إذ لا يجوز تجاهلها أو إلغاؤها أو التغاضي عنها، أو عدم اعتبارها عند حصول أي عملية تدافع وصراع وتنافر بين الحضارات أو بين قوى الخير والشر .. أو بين جند الله من جهة وجند الشيطان من جهة أخرى، كما قال تعالى:
{الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} (النساء: 76)
الأدلة النقلية على وجود الصراع بين الحضارات
هذا الصراع والتدافع ابتدأ ـ كما قلنا من قبل ـ منذ أن خلق الله تعالى آدم -عليه السلام- وبين له ولذريته أن عدوه إبليس وكل من يدخل في حزبه وجنده من شياطين الإنس والجن، ليحذره ويجتنبه ويتخذه عدواً، كما قال تعالى:
{فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} (طه: 117)
وقد نهاه ربه ـ لحكمة يشاؤها ـ عن أن يأكل من شجرة محددة من شجر الجنة، كما قال تعالى:
{وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأعراف: 19)
إلا أن عدوه إبليس أبى إلا أن يمكر ويكيد عسى أن يحمل آدم على المخالفة والمعصية فيشقى:
{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى} (طه: 120)
وفي سورة الأعراف:
{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} (الأعراف: 20)
فحصل الإصغاء من آدم لموعظة ونصيحة عدوه إبليس .. فأكل من الشجرة ووقع في العصيان والشقاء والبلاء والعذاب وحصل الهبوط إلى الأرض .. لتستمر العداوة ويستمر الصراع والتدافع بين حضارة إبليس وجنده وقيمهم الباطلة الفاسدة الظالمة من جهة وبين حضارة الإيمان التي تنشأ على أيدي من آمن بالله تعالى من ذرية آدم واتبع المرسلين، كما قال تعالى:
{فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طه: 121)
وقال تعالى:
{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (البقرة: 36)
وفي سورة الأعراف:
{قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (الأعراف: 24)
وقال تعالى:
{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} (طه: 123)
وقال تعالى:
{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (فاطر: 6)
هكذا كان ـ منذ القدم ـ مبدأ الصراع بين الحق والباطل .. وهكذا هو مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. فما من نبي أرسله الله تعالى ليصلح ما أفسده الشيطان وجندُه في الأرض .. إلا ويتصدى له عدو من المجرمين المستكبرين، من أتباع وحزب الشيطان .. يصده عن دعوته وإصلاحه .. بحجة المحافظة على الدين والقيم والمفاهيم والعادات التي نشأوا وتربوا عليها .. وأن الأنبياء يدعون إلى قيم حضارية تختلف مع قيمهم ومبادئهم التي أقاموا حضارتهم على أساسها، ووجدوا آباءَهم عاكفين عليها!
كما في قوله تعالى:
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} (غافر: 26)
فعلل فرعون رغبتَه في قتل موسى -عليه السلام- ومن آمن معه في خوفه من أن موسى -عليه السلام- يريد أن يبدل دين قوم وأتباع فرعون؛ أي يبدل طريقتهم في العيش والحياة، ويبدل مفاهيمهم، وقيمهم التي اعتادوها وتربوا عليها، والقائمة على العبودية والخدمة لفرعون وقصره .. وأنه ـ أي موسى -عليه السلام- ـ ما أراد بذلك التغيير والتبديل إلا الفساد في الأرض .. وهي ذريعة طواغيت الأرض كلهم من قبل ومن بعد في رد الحق وتهييج الرعاع والعامة ضده .. فما من طاغية إلا وتراه يبرر جرائمه في قتال وقتل المؤمنين ـ أتباع وورثة الأنبياء والرسل ـ بأن المؤمنين من دعاة الفساد .. وأنه بقتاله وقتله لهم يريد أن يمنع فسادهم في الأرض .. وهو في حقيقته يكون رأساً في الفساد والإجرام والطغيان.
قال ابن كثير في التفسير:
{إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ} (غافر: 26)
يعني موسى؛ يخشى فرعون أن يُضل موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يُقال في المثل: صار فرعون مذكِّراً؛ يعني واعظاً يُشفق على الناس من موسى -عليه السلام- ا- هـ. وما أسوأ وأقبح وأوقح من الطغاة المجرمين الآثمين عندما يرتدون ثوب الوعظ والوعاظ .. وما أكثرهم في زماننا!
وكذلك قوله تعالى:
{قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} (طه: 63)
فقوله
{وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} (طه: 63)
؛ وإن قيلت على لسان سحرة فرعون .. ويعنون بالطريقة السحر وما هم فيه من ملك وجاه ورياسة بسبب شعوذتهم وسحرهم وكفرهم .. إلا أن هذه المقولة تعتبر الذريعة الأكبر لجميع طواغيت الأرض ـ على مرِّ جميع عصورهم ـ لرد الحق، ومحاربته، ومحاربة أهله!
ومن صور عداء الملأ من الشعوب السالفة ما قاله تعالى عن الملأ من قوم شعيب وعن موقفهم من شعيب -عليه السلام- ودعوته، كما في قوله تعالى:
{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} (الأعراف: 88)
فعللوا سبب صراعهم وخلافهم مع شعيب -عليه السلام- ومن آمن معه أنهم على ملة ودين وطريقة غير ملتهم ودينهم وطريقتهم .. وبالتالي فإن الصراع قائم ومستمر .. ولا يقف إلا بإحدى أمرين: إما بعودة شُعيب ومن آمن معه عن دينهم، والدخول في دين وملة وطريقة وتقاليد الملأ .. ومشاركتهم فيما هم فيه من فساد وضلال وانحراف .. أو الطرد والإخراج من القرية .. بحيث لا يرى أحدهما الآخر.
وهذا الذي قاله الملأ من قوم شُعيب لنبي الله شُعيب قاله الكفار المجرمون لرسل الله وأتباعهم على مرِّ التاريخ والأزمان، كما قال تعالى:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} (إبراهيم: 13)
فالصراع كما هو واضح ليس حول التكنولوجيا ولا حول الصناعات .. وما يُمكن أن يخترعه الإنسان من وسائل تعينه على البناء والعمران .. وإنما على المبادئ والعقائد والملة .. والمفاهيم .. والقيم التي تحدد طريقة العيش والحياة .. والنظام الذي يحكم البلاد والعباد .. فجميع الذين كفروا عبر تاريخهم كله قالوا لجميع الرسل ـ عبر تاريخهم كله ومن دون استثناء ـ ولمن آمن معهم
{لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} (إبراهيم: 13)
، أي في ديننا، ومفاهيمنا .. وقيمنا .. وعاداتنا .. وطريقتنا في العيش والحياة .. التي لا نرضى أن تنضبط إلا بالضابط الذي نهواه ونشتهيه.
وكذلك قوم لوط .. ما نقموا من لوط -عليه السلام- ومن آمن معه إلا أنهم لا يأتون الرجال شهوة مثلهم .. وأنهم لا يقترفون الفواحش .. وأنهم أناس يتطهرون .. وهذا بخلاف ما هم عليه من الفسوق والفجور .. والعادات السيئة، كما قال تعالى عنهم:
{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ} (النمل: 56)
لماذا .. ما هو السبب .. ما هي الجريمة التي ارتكبوها والتي على أساسها يستحقون الطرد والإخراج من البلاد ..
{إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (النمل: 56)
النمل:56. وقيم الطهر والعفة لا تلتقي ولا تتعايش مع قيم الفجور والفسوق والعصيان .. لا بد من إخراج وطرد أحدهما للآخر؛ فمنظر الطهر والعفة والحشمة والحجاب يؤذي أنظار المجرمين الفاسقين؛ لأنه يذكرهم بسوء حالهم وحقيقة الدرك الذي هم فيه .. لذا كان جوابهم حاسماً قاطعاً
{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ} (النمل: 56)
هذا الموقف الحاقد المتخلف للملأ من قوم لوط تجاه لوطٍ -عليه السلام- ومن آمن معه .. يتكرر في أبشع صوره في قرننا المعاصر؛ قرن الواحد والعشرين .. يتكرر في زمن الحريات والديمقراطيات المزعومة .. وفي أكثر المجتمعات زعماً بأنها تحترم حقوق وحرية واختيار الإنسان .. إنها السُّنَن؛ سُنن اتباع الخلَف من المجرمين الفاسقين لسلفهم الطالح من الفاسقين المجرمين ..!
كم هي الدول والحكومات التي تزعم الرقي والتقدم والتحضر واحترام حقوق الإنسان وحرياته .. والتي تجبر النساء على خلع الحجاب .. وتمنعهن من دخول مؤسساتها وجامعاتها ومدارسها .. وهن مرتدين للحجاب!
قالوها بكل صراحة ووضوح .. أخرجوا من قريتكم وجامعاتكم ومدارسكم ومؤسساتكم .. كل فتاة طاهرة متحجبة .. فطهرها وحجابها يؤذينا .. نعم للحرية عندما تسير في اتجاه الإباحية، والعهر، والفجور، والفسوق والعري .. أما إن سارت في اتجاه الحشمة، والحجاب، والعفة، والطهر .. فلا للحرية، وألف لا[1].
ومن الأدلة النقلية الدالة كذلك على هذا النوع من التدافع والصراع قوله تعالى:
{وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} (البقرة: 217)
البقرة:217. فبين الله تعالى أن الكفار ـ في كل زمان وإلى يوم القيامة ـ لا يزالون يُقاتلون المؤمنين .. ويمكرون ويدبرون ضدهم .. لا لشيء سوى أن يردوهم عن دينهم وعقيدتهم .. وقيمهم .. ليدخلوهم في دين وقيم الكفر والشرك والفسوق .. فهذا النوع من الصراع والتدافع قائم ومستمر إلى يوم القيامة .. بنص كلام الله تعالى .. فمن رده وأراد أن يُبطله فهو يكذب الله تعالى، ويرد كلامه .. ومن يرد كلامه فقد كفر!
وكذلك قوله تعالى:
{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} (البقرة: 109)
فهذه الرغبة جامحة عامرة ـ لا يمكن مواراتها أو إنكارها ـ عند كفار ومشركي أهل الكتاب؛ وهي بأن يردوا المؤمنين بعد إيمانهم كفاراً ومشركين .. وماذا يعني صراع الحضارات ـ عند المشركين ـ غير هذا المعنى!
كما قال تعالى:
{وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} (سبأ: 33)
؛ مكر يتلوه مكر .. وكيد يتبعه كيد .. وهو ليس مكر الليل وحسب، أو مكر النهار وحسب، ثم يجد الممكور به شيئاً من الوقت يخلد فيه إلى الراحة والتأمل والتفكر .. لا؛ بل هو مكر متواصل على مدار الوقت يستغرق جميع أنفاس وأعمار الممكور بهم .. حتى لا يجدوا فرصة للتأمل ومحاسبة النفس والرجوع عن الغي والضلال .. ما غرضه، وما الغاية منه:
{إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} (سبأ: 33)
؛ هذا هو الغرض وهذا هو الهدف من مكر الليل والنهار الذي يمكرونه .. أن يكفر الناس بخالقهم .. وبالقيم والمبادئ والشرائع التي أمر الله بها وأوحاها على أنبيائه ورسله .. ويتخذوا من دونه أنداداً وشركاء يُطيعونهم ويُحبونهم كطاعتهم وحبهم لله -عز وجل- .. لكن يوم القيامة ينكشف الغطاء، ويُعرف المكر والماكرين، والممكور بهم .. ويقع الندم، ولات حين مندم
{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (سبأ: 33)
وقال تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} (الفرقان: 31)
{لِكُلِّ نَبِيٍّ} (الفرقان: 31)
؛ عام وشامل لجميع الأنبياء والرسل؛ إذ ما من نبي بعثه الله تعالى إلا وكان له عدو أو أعداء من المجرمين يحاربونه، ويصدون الناس عنه وعن دعوته .. وهذه العداوة مستمرة وممتدة لتشمل ورثة الأنبياء وكل من سلك على دربهم، وانتهج نهجهم من عباد الله المؤمنين.
وقال تعالى عن المنافقين والمنافقات:
{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} (التوبة: 67)
بينما قال تعالى عن المؤمنين والمؤمنات:
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (التوبة: 71)
التوبة:71. فهذان فريقان متناقضان متغايران؛ أحدهما يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، والآخر يأتي بعكس ذلك تماماً؛ فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .. وبالتالي فإن عملية التصادم والتدافع فيما بينهما واقعة لا محالة لا يمكن تفاديها ولا تجاهلها، والدعوة للتعايش بسلام ووئام فيما بينهما هو من قبيل
القول بالشيء وضده في آنٍ معاً!
وكذلك قوله تعالى:
{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} (البقرة: 251)
؛ أي لولا أن يدفع الله تعالى بمن يجاهد في سبيله من يجاهد في سبيل الطاغوت .. ويبغي في الأرض عوجاً وفساداً
{لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} (البقرة: 251)
أي لعم الفساد والخراب في الأرض بعلو الكافرين المجرمين، وبسط نفوذهم، وقانونهم، وباطلهم وفسادهم .. ومنعهم للمؤمنين الموحدين المصلحين أن يُظهروا دينهم
{وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة: 251)
بأن أذن بالجهاد والتدافع؛ فيقذف المجرمين الكافرين وباطلهم بالمؤمنين الموحدين، كما قال تعالى:
{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} (الأنبياء: 18)
وقال تعالى:
{وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} (الإسراء: 81)
ونحو ذلك قوله تعالى:
{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 40)
الحج:40. وهذا ملاحظ جداً .. فعندما يتخلف أهل الحق في الدفاع عن الحق .. ودفع الباطل عن باطله وعدوانه وغيه .. ويتخلفون عن الأخذ بسنة التدافع .. ويركنون إلى الدنيا .. يُسلَّط عليهم عدوهم .. ليهدم مساجدهم ومعابدهم .. ويُمنعون من أن يَذكروا اسم الله فيها .. وما أكثر الشواهد الدالة على ذلك .. فكم من مسجد حُوِّل على أيدي الظالمين المعتدين إلى متحف .. أو مرقص .. أو منزل لغاصب .. أو زريبة للحيوانات .. كما حصل ولا يزال يحصل في البلاد الإسلامية المحتلة من قِبل الاتحاد السوفيتي الشيوعي من قَبل .. وفي الأندلس .. وتركيا .. وفلسطين .. والشيشان، وغيرها من البلدان!
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
" إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " [2]
هذا الذل يتحقق وينزل بالأمة بسبب ترك العمل بسنة التدافع، وترك الجهاد في سبيل الله.
وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- :
" يُوشَكُ الأممُ أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلةُ إلى قصعتها "
، فقال قائل: ومن قِلة نحن يومئذٍ؟ قال:
" بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ اللهُ من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن "
، فقال: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال:
" حُبُّ الدنيا، وكراهية الموت " [3]
هذه هي نتائج ترك العمل بسنة التدافع، والركون إلى وهم تعايش الحضارات .. أن تداعى أمم الكفر والشرك والضلال على أمة الإسلام كما تداعى الأكلة إلى قصعتها .. وقد حصل ذلك .. وها نحن نراه يومياً أمام أعيننا!
وقال -صلى الله عليه وسلم- :
" مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً " (البخاري)
وهذا مثل ضُرب لبيان أهمية العمل بسنة التدافع؛ دفع الباطل وأهله بالحق وأهله، فإن تُرك لأهل الباطل الحرية ـ تحت أي زعم كان ـ في أن يخرقوا السفينة .. ويُفسدوا في المجتمعات .. ومن دون أن ينكر عليهم أحد .. هلكوا جميعاً الصالحون والطالحون، والمذنب وغير المذنب، وإن أخذوا على أيديهم بالزجر والمنع والنهي .. وإن حصل نوع صدام وآلام وجراح .. نجوا جميعاً!
قال تعالى:
{الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (الحج: 41)
الحج:41. هذا هو الغرض من التمكين؛ تمكين المؤمنين في الأرض؛ أن يفردوا الله تعالى في العبادة، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر .. فإن تعطل العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. فُقِد المبرر من التمكين.
وفي الأثر المشهور عن الصحابي ربعي بن عامر -رضي الله عنه- عندما قال لرستم قائد جيش الفرس، بعد أن سأله الآخر عن السبب من وراء خروجهم لقتال فارس:
" لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة "
هذه هي مبررات وغايات التمكين والصراع عند المسلمين؛ فهم لا يعرفون أطماعاً خاصة ولا شخصية .. كما هو الحال عند الآخرين .. بل هدفهم الأسمى تحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .. ليعيشوا جميعاً في سلم وسلام وعدل الإسلام.
الأدلة العقلية على وجود الصراع بين الحضارات
فإن قيل: قد تناولت موضوع سنة التدافع والصراع بين الحضارات، أو بين الحق والباطل من وجهة نظر النصوص الشرعية وحسب .. فهلاَّ أشرت للأدلة العقلية .. وكذلك الادلة الواقعية المُشاهدة الدالة على ما تقدم ذكره وبيانه في النصوص والنقولات الشرعية؟
أقول: لا تعارض بين العقل والنقل .. فما يقرره النقل الصحيح يوافقه العقل السليم ولا بد؛ فالعقل يقضي باستحالة تعايش الشيء وضده في آنٍ ومكانٍ معاً، وإقرار كل منهما للآخر طواعية .. كتعايش الحق والباطل .. والتوحيد والشرك .. والإيمان والكفر .. والفضيلة والرذيلة .. والطهر والنجاسة .. والوفاء والغدر .. والأمانة والخيانة .. والصدق والكذب .. والظلم والعدل .. والفساد والإصلاح .. والتخريب والإعمار .. لذا كان لتحقيق التعايش بينهما لا بد من أن يعمل كل طرف منهما على أطر الطرف الآخر إلى ساحته وقوانينه وطريقته ومنهجه .. وهذا لا يتحقق إلا إذا تخلى كل طرف منهما عما يتصف به من خصال وخلال لصالح الطرف الآخر .. لكن طرف الحق ـ مهما حاول أهل الباطل واجتهدوا ومكروا مكراً كبَّاراً ـ لا يمكن أن ينصاع للباطل وقوانينه وطريقته ومنهجه في هذه الحياة .. ولا الباطل ـ بكل صنوفه وجيوشه وطوائفه ومذاهبه ـ يرضى كذلك أن ينصاع طواعية للحق .. مع محافظته على باطله وطغيانه وظلمه، ومصالحه الذاتية وما عُرف عنه من خِلالٍ مشينة .. من هنا تأتي الضرورة الملحة لعملية التدافع والصراع بين المنهجين والتيارين .. وهذا الذي يُعرَف اليومَ بصراع الحضارات .. حضارة الحق وأهله من جهة وحضارة الباطل وأهله بكل جيوشهم وتياراتهم ومذاهبهم من جهة أخرى!
وفي الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" عجبت لأقوام يُساقون إلى الجنة في السلاسل ". وفي رواية:" رأيت ناساً من أمتي يُساقون إلى الجنة بالسلاسل، ما أكرهها إليهم! قلنا من هم؟ قال: قوم من العجم يسبيهم المهاجرون فيدخلونهم الإسلام "[1].
بل هذا التدافع بين الفريقين نجد أمثلة عدة تدل عليه؛ حتى في النفس البشرية الواحدة يوجد فيها ما يدل على هذا الصراع والتدافع، فكل امرئٍ فيه نفس أمارة بالسوء تأمر صاحبها بالمنكر والشر، كما قال تعالى:
وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ — يوسف:53
ونفس لوامة تلوم صاحبها على فعل المنكر وتنهاه عنه .. وهي النفس الرادعة، كما قال تعالى:
وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ — القيامة:2
كلتا النفسين في المرء تعتلجان وتتصارعان وتتدافعان وتتجاذبان إلى أن تغلب إحداهما الأخرى .. فيجد المرء نفسه مشدوداً إما لفعل الخير وإما لفعل الشر؛ بحسب لمن تكون الغلبة.
كذلك الإيمان في القلب فإنه في صعود وهبوط مستمر، بحسب الطوارئ والأعمال التي يقوم بها الإنسان؛ فإن عمل خيراً ازداد إيمانه وقوي بقدر عمله، وإن عمل شراً نقص إيمانه وضَعُف بقدر عمله.
حتى الدمَ في جسد الإنسان فيه ـ ما هو معلوم للجميع ـ كرياتٌ تُسمى بكريات البيض؛ هذه الكريات وظيفتها مهاجمة الجراثيم والأدواء إذا ما داهمت جسد الإنسان، والقضاء عليها .. فإن غلبت هذه الكريات الجراثيم الدخيلة .. قوي جسد الإنسان واشتد عوده .. وعادت إليه عافيته .. وإن ضعفت هذه الكريات في المقاومة .. وكانت الغلبة للجراثيم الوافدة .. فحينئذٍ يضعف الجسد وينهار ويموت .. هذا الصراع والتدافع بين الأضاد والمتناقضات نجد عليه أمثلة عدة في كل جزئية من جزئيات حياتنا.
أدلة الواقع على وجود الصراع بين الحضارات
أما أدلة الواقع الدالة على هذا النوع من الصراع والتدافع بين الحضارات أو بين الأمم والشعوب فحدث عنها ولا حرج؛ فهي أكثر من أن تُحصَر في هذا الموضع، بل أكاد أجزم أن ما من صراع يحدث في العالم إلا ولهذا البعد في الصراع الدور الرئيس والأساس.
وأنا هنا لا أريد أن أستقرئ التاريخ البعيد لأستخرج منه الأحداث الدالة على هذا النوع من التدافع والصراع، وما أكثرها لو فعلت ـ حتى لا يقول القارئ هذا تاريخ قديم لا حجة فيه، ونحن اليوم نعيش في عصر مختلف؛ عصر الانفتاح والعولمة والتحرر، والديمقراطية .. والتعايش والسلام .. والقانون الدولي .. وهو عصر يختلف كثيراً عن العصور السالفة للآباء أو الأجداد التي يسودها العنف والتعصب ـ وإنما أريد أن أتناول بعض الأحداث والوقائع التي حصلت في واقعنا المعاصر والمعايش التي لا تزال آثارها جاثمة على صدور العباد .. شاخصة لذوي الأبصار .. والتي لا تخفى على أحدٍ من الناس مهما كان مصاباً بداء الجهل أو النسيان!
من ذلك ما حصل ولا يزال يحصل في فلسطين من اغتصاب للحقوق والأرض، وانتهاك للحرمات، وتقتيل وتدمير للبيوت على رؤوس الآمنين من ساكنيها .. وحصار وتجويع للنساء والأطفال .. هل كان سيحصل شيء من ذلك لو كان الشعب الفلسطيني نصرانياً أو بوذياً أو ينتمي لأي دين غير دين الإسلام .. وهل كانت أمريكا ومعها الحضارة الغربية النصرانية الديمقراطية .. ستقف منه نفس الموقف الذي تقفه الآن؟!
لماذا كل هذا التغاضي والتعامي ـ من قبل أمريكا ومعها دول الغرب ـ عما يفعله ويرتكبه الصهاينة اليهود في فلسطين وغير فلسطين من عدوان .. بينما لو فعل المسلمون الفلسطينيون أو غيرهم جزءاً يسيراً من ذلك ـ من قبيل المعاملة بالمثل، ولاسترداد الحقوق المغتصبة ـ لقامت الحضارة الغربية النصرانية الديمقراطية تهدد وتشجب وتستنكر .. وتتباكى على حقوق الإنسان .. وتتكلم عن وحشية المسلمين؟!
وما حصل في أفغانستان من تدمير وتقتيل، وعدوان .. على أيدي الغزاة الأمريكان وحلفائهم .. هل كان سيحصل شيء من ذلك لو كان الشعب الأفغاني نصرانياً .. أو ينتمي إلى دين غير دين الإسلام .. وهل كانت أمريكا ومعها الحضارة الغربية النصرانية الديمقراطية .. ستقف منه نفس الموقف الذي تقفه الآن؟!
هل لو كانت دولة الطالبان دولة علمانية .. تسير في ركاب السياسة والإرادة الأمريكية الغربية .. كانت ستُعَامل المعاملة التي عُوملت به؟!
ما الذي حمل أمريكا ومعها دول الغرب على غزو أفغانستان .. وإسقاط دولة لها كامل السيادة والنفوذ على البلاد .. لتستبدلها بقوة السلاح بدولة عميلة تحكمها شلة من العصابات وقطاع الطرق .. وتجار الحشيش والمخدرات؟!
كذلك ما حصل في العراق .. من حصار، وغزو، وتدمير، وقتل، وانتهاك لجميع الحرمات .. هل كان سيحصل شيء من ذلك لو كان الشعب العراقي نصرانياً أو ينتمي إلى أي دينٍ غير دين الإسلام .. وهل كانت أمريكا ومعها الحضارة الغربية النصرانية الديمقراطية .. ستقف منه نفس الموقف الذي تقفه الآن؟!
ما حصل في الشيشان من جرائم ومجازر .. هل كان سيحصل شيء منه لو كان الشعب الشيشاني نصرانياً أو ينتمي إلى أي دينٍ غير دين الإسلام .. وهل كانت أمريكا ومعها الحضارة الغربية النصرانية الديمقراطية .. ستقف منه نفس الموقف الذي تقفه الآن .. وهل كانت ستؤيد روسيا على استعمارها للبلد .. وتغض الطرف عما ترتكبه من جرائم بحق الآمنين العزَّل؟!
كذلك ما حصل من مجازر جماعية ـ على أيدي نصارى الصرب بتواطئ من نصارى الغرب ـ بحق عشرات الآلاف من المسلمين الآمنين المدنيين في البوسنة والهرسك .. وفي كوسوفو .. تقشعر منها الأبدان .. لا تزال إلى الساعة تتكشف بعض حقائقها الإجرامية الوحشية .. هل لو كان الضحاية من النصارى أو غير المسلمين .. كانت أمريكا ومعها الغرب الصليبي الديمقراطي ستسمح بحصول شيء من ذلك .. وهل كانت ستكتفي بمحاسبة بضعة أفراد من الجناة .. بالسجن لبضع سنوات مع توفير كامل الخدمات الترفيهية لهم طيلة فترة محكوميتهم .. كما حكمت بذلك محاكم وحيدة العين الدولية في لاهاي!
هل لو كان المعتقلون في سجن جوانتنامو .. أو أبو غريب .. من النصارى أو أي ملة غير ملة الإسلام .. كانت أمريكا ستعتقلهم في أزرى صورة ومعاملة كما هو الحال الآن .. وهل كانت الحضارة الغربية النصرانية الديمقراطية ستسكت وتصمت صمت أهل القبور عن هذا الجرم
الإنساني الذي لن ينساه التاريخ .. كما تسكت وتصمت الآن!
لماذا تيمور الشرقية النصرانية الكاثوليكية .. مدينة الصلبان .. تحظى باستقلالها التام عن إندونيسيا المسلمة .. ويعترف بها المجتمع الدولي ـ من غير جدال ولا نقاش ـ كدولة مستقلة .. بينما فلسطين .. وكشمير .. والشيشان .. رغم عقود من الجهاد والتضحيات .. والمطالبة بالاستقلال عن الغزاة المحتلين .. لا يحظون بالاستقلال .. ولا يلقون من المجتمع الدولي أدنى اهتمام أو اعتراف أو مساعدة .. بل العكس تماماً؟!
لماذا هذا التضامن والتفاعل الكبيرين والظاهرين من المجتمع الأمريكي والغربي مع قضية جنوب السودان النصراني .. وحمل الحكومة السودانية على الانصياع لطلبات ورغبات نصارى الجنوب .. والتي منها تغييب الهوية الإسلامية للسودان?
لماذا أيما شعبٍ مسلم ـ وفي أي بقعة من بقاع الأرض ـ مجرد أن ينشد حكماً إسلامياً .. أو يُطالب بأن يحكمه الإسلام .. دينه الذي يعتقده .. أو يفكر بمشروع نهضويٍّ إسلامي يرتد على الأمة بالخير .. يُصادمه مباشرة الفيتو الأمريكي والغربي النصراني الديمقراطي .. والقصف الأمريكي الغربي .. والحصار الأمريكي الغربي .. ليحيلوا بينه وبين رغبته تلك؟!
لماذا كل الشعوب والملل ـ كما هو الواقع ـ لها كامل الحق في أن تقيم دولة تمثلها وتمثل ثقافتها وعقيدتها .. بينما المسلمين ليس لهم دولة تمثلهم وتمثل ثقافتهم ودينهم .. وتتكلم باسمهم؟!
لماذا هذه الحساسية الزائدة من حجاب المرأة المسلمة .. إلى درجة الانتقام ومنعها من الحجاب بقوة السلطة والقانون كما حصل ولا يزال يحصل في فرنسا الديمقراطية وغيرها من البلدان ..؟!
لماذا هذا التعاطف والتعاون .. والدعم والتأييد .. لكل ما هو غير إسلامي .. بينما الإسلامي يُحارَب .. ويُسجن .. ويُقتَّل .. وتُنتهك حرماته كلها .. ولا بواكي له .. بل الكل يتقرب إلى الكل بالاعتداء عليه، والسطو على حرماته وحقوقه؟!
لماذا هذه الحرب الشعواء لكل نشاط أو جهد أو عمل إسلامي خيري .. باسم محاربة الإرهاب والإرهابيين زعموا .. بينما برامج ونشاطات غيرهم المتنوعة والمختلفة .. رغم أنهم مجرمون وإرهابيون حقيقيون .. ومن برامجهم أن يُمارسوا المحظور .. ومع ذلك فإنهم يمرحون ويسيحون .. ولهم كامل الحرية والحقوق؟!
لماذا هذا التواطؤ على دم المسلم في كل مكان .. من غير أدنى إنكار ولا امتعاض .. وكأنه أرخص من المياه الملوثة في المستنقعات .. وكان آخرها الدم الذي سُفك على يد الجيش التايلندي الوثني .. حيث قَتلوا بدمٍ باردٍ أكثر من مائة مسلم في جنوب البلاد .. وفي بيت من بيوت الله .. وكذلك المجازر الجماعية التي ارتكبها النصارى الصليبيون مؤخراً في نيجيرية بحق المسلمين حيث قتلوا أكثر من " 700 " مسلم .. ومن دون أن ينكر أو يعترض عليهم أحد ..!
لماذا هذه الحملة المسعورة على مناهج التدريس في بلاد المسلمين .. رغم ما ينتاب هذه المناهج من قصور، وانحراف، وتحلل .. نزولاً عند رغبة أمريكا وحلفائها من دول الغرب الديمقراطي؟!
لماذا ما من غزوة يغزوها الرئيس الأمريكي بوش الصليبي ـ ومعه حلفاؤه من دول الغرب النصراني الديمقراطي ـ إلا ويعلن أن غايته من ورائها .. نشر ثقافة الديمقراطية الإباحية .. على الطريقة الأمريكية والغربية .. وأنه لا يقبل نظاماً ولا ديناً ولا منهجاً ولا طريقة للعيش والحياة سوى الديمقراطية وفق المفهوم الأمريكي الغربي .. مهما كان الثمن باهظاً .. ولو أدى ذلك إلى إبادة شعب بكامله .. وإزالة دول .. وتدمير مجتمعات .. كما فعل ولا يزال يفعل في أفغانستان والعراق .. وغيرهما من البلدان؟!
هذا التواطؤ في التطاول على سيد الخلق صلواتُ ربي وسلامه عليه، بالسب، والطعن، والاستهزاء .. من قِبل الغرب الديمقراطي الصليبي .. ومن قِبل وسائل إعلامه .. واعتبارهم أن حرية الطعن والتهكم، والاستهزاء بالله وآياتِه ورسولِه .. هو من صميم قيمهم الحضارية .. التي لا يمكن أن يعتذروا أو يتراجعوا عنها!
لماذا ذلك كله ..؟!
الجواب يعرفه الجميع: وهو أن الدافع لهذا كله هو البعد الديني .. الثقافي .. العقائدي .. الطائفي .. الصليبي .. عند القوم .. هي الرغبة الجامحة في أن يُطفئوا نور الله في الأرض .. هو الحقد والبغض والكراهية العامرة في صدورهم لدين الله تعالى وما أنزله على رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم- ..الذي تسميه بعض القنوات الفضائية .. وكذلك بعض المثقفين ـ على استحياء ـ بالدافع أو الصراع الحضاري ..؟!
الدافع .. هو خوفهم الشديد من الإسلام؛ لعلمهم أنه دين الله .. وأن دين الله لا يُغالَب ولا يُحارَب .. وأنه ظاهر على من ناوأه .. وأنه يغلب من غلبه ولو بعد حين .. وأنه محفوظ ومنصور .. ولو كره الكافرون المجرمون!
ولعلمهم أن الإسلام حق .. وهو قوةٌ متحركة بذاتها يغزو القلوب والعقول قبل أن يغزو الديار والأوطان .. فكيف إذا ضم إلى قوته الذاتية القوة المادية التي يُحطم بها عروش الطواغيت الظالمين .. ويزيل بها السدود والحدود التي تحيل بينه وبين الناس .. ويُنصف المظلومَ من الظالم!
الإسلام في هذا الزمان .. لا يملك دولة .. ولا سلطة سياسية نافذة .. تتبناه وتُدافع عنه .. ومع ذلك فهم يخشونه .. ويصنفونه العدو الأول الذي يتهدد الحضارة الغربية الماجنة .. والحضارات الوثنية الأخرى!
المسألة بالنسبة لنا نحن المسلمين واضحة جداً قد بينها لنا ربُّنا أحسن بيان، وفصلها أفضل وأوضح تفصيل، كما في قوله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ — المائدة: 51
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ — الأنفال: 73
وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا — البقرة: 217
الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً — النساء: 76
فأيما حدث أو صراع بين الحق وأهله من جهة والباطل وأهله من جهة أخرى بكل تجمعاتهم ومذاهبهم ومناهجهم المختلفة .. فنحن نفسره ونفهمه على ضوء هذه الآيات الكريمات .. وليس لنا غير ذلك!
فالقضية بالنسبة لنا واضحة المعالم لا تحتاج إلى علوم سياسية .. ولا إلى مزيد من التحليلات والدراسات .. والأبحاث .. ولا إلى تلك التخصصات العلمية المعقدة .. كما أننا لا نحتاج إلى براهين الواقع ولا غيرها لكي نصدق أن الكافرين بكل أطيافهم ومذاهبهم المختلفة لا يمكن إلا أن يكونوا {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} على المؤمنين الموحدين .. ولكن فريقاً من بني جلدتنا .. يتكلمون بألسنتنا .. يُعرفون ـ زوراً ـ بالتنور والعقلانية .. والانفتاح .. والتحرر .. يشككون بهذه الحقيقة المطلقة .. ويُطالبون بإيقاف صراع الحضارات كما يحلو لهم أن يسموه .. فنضطر إلى أن نستدل عليهم بالأدلة والبراهين العقلية والواقعية المشاهدَة كما تقدم!
يريدون أن يوقفوا صراع الحضارات من طرف واحد فقط، من طرف المسلمين، المستضعفين المعتدى عليهم، وعلى حرماتهم وحقوقهم وبلدانهم .. بينما الطرف الآخر بكل أطيافه وتجمعاته ودوله بقيادة أمريكا .. ومعها الغرب الصليبي الديمقراطي المتحضر .. لم يتوقفوا عن العدوان .. ولا عن الصراع .. ولا عن الغزو لحظة واحدة .. فهم في تمدد وتوسع مستمر حتى أنهم أصبحوا يتحكمون بثروات وخيرات بلادنا .. وحتى بطعامنا وشرابنا، ولباسنا .. وطريقة حديثنا وحياتنا!
الطرف الآخر العدو مستمر في العدوان والغزو .. مستمر في تغذية الصراع .. والأحقاد والكراهية بين الشعوب .. لم يتوقف ساعة واحدة .. وفي المقابل تجد دراويش المثقفين من بني جلدتنا ينادون ويُطالبون الضحية من المسلمين بضرورة التعايش مع الآخر، وضرورة وقف صراع الحضارات .. وكأن المشكلة تكمن عند المسلمين .. وأن المسلمين هم الذين يمارسون العدوان على الطرف الآخر .. لا غيرهم!
التوفيق بين القول بصراع الحضارات، وموقف دول الغرب من الحريات الدينية التي يمنحونها للمسلمين في بلادهم
فإن قيل: كيف نوفق إذاً بين الموقف الدولي والغربي الرأسمالي الديمقراطي الذي يسمح بحرية الاعتقاد، وحرية المسلمين في أن يمارسوا شعائرهم الدينية وبين القول بأنهم يُحاربون الإسلام والمسلمين .. وأنهم يغذون مبدأ صراع الحضارات؟!
أقول: فهم إذ يسمحون أن تُمارس شعائر الإسلام التعبدية على مستوى علاقة الفرد بخالقه -سبحانه وتعالى- .. فهم لا يسمحون بالإسلام السياسي .. ولا بالإسلام القوي المتسلح بأسباب القوة والمنعة المادية الذي يقوى على مواجهة الحضارات الأخرى، والوقوف أمام زحفها .. ولا بالإسلام المستقل الذي يحكم البلاد والعباد وفق عقيدته ومنهجه ونظامه .. كما يجب أن يكون .. وكما أمر الله تعالى .. ولا بالإسلام الذي يتدخل في حياة الناس .. وشؤونهم العامة؛ على مبدأ قاعدتهم الكافرة المعروفة، التي تقوم حضارتهم على أساسها، مبدأ:" فصل الدين عن السياسة والدولة .. والحياة .. وأن ما لله لله؛ وهي الشعائر التعبدية المحصورة بعلاقة الفرد مع خالقه .. وما لقيصر لقيصر؛ وهو جميع شؤون الحكم والحياة "!
بل حتى ممارسة الشعائر التعبدية ذات الطابع الفردي .. عندما يكون لها دلالة سياسية معينة .. أو قد تنعكس على حياة الناس بما لا يحلو لهم .. ولا يريدون .. تراهم يمنعونها ويُحاربونها؛ كموقف راعية الحرية ـ زعموا! ـ فرنسا من مسألة حجاب المرأة المسلمة في فرنسا .. وقد تابعها على موقفها هذا عدد من الدول الغربية .. علماً أن الحجاب لا يتعدى أن يكون فعلاً مقصوراً على المستوى الفردي الشخصي لا يمكن أن يتعدى إلى غيره .. ونحوه موقفهم المتشدد والعنصري من لحية الرجل المسلم .. أو أي زي يرتديه ينم عن هويته أو انتمائه الإسلامي!
وكذلك تدخلهم في سياسة المساجد ونشاطاتها .. وأوقات فتحها وإغلاقها .. ومن يدخل إليها ومن يخرج منها .. وتحديد موضوع خطبة الجمعة الذي سيُقرأ على المصلين فيها .. وإعداد الأئمة وبرمجتهم بما يتوافق مع القيم والعادات الغربية .. ومع ذلك فهم لا يتورعون أن يُملئوا بيوت الله بالدبابير والجواسيس الذين يتجسسون على عورات المسلمين وهم في بيوت الله لصالح
الظالمين الذين يريدون أن يُطفئوا نور الله[1]!
فهم بفعلهم وقولهم هذا قد طابقوا فعل وقول مَن قبلهم من المشركين، كما قال تعالى عنهم:
{فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}الأنعام:136.
فتطابقت قلوبهم قبل أن تتطابق أقوالهم وأفعالهم ..!
ويُقال كذلك: أنَّ هذا القدر من الحرية الدينية الذي يُمنح للمسلمين ـ والذي هو في انتقاص مستمر ـ هو من جملة الحرية الدينية المسموح بها لجميع الطوائف والأديان الأخرى الموجودة في بلادهم .. وبالتالي ليس من السهل عليهم أن ينصوا القوانين التي تستثني صراحة المسلمين أو الدين الإسلامي من هذه الحرية الممنوحة للآخرين!
ومن كيد القوم ـ أرباب الحضارة الغربية الصليبية ورهبانها ـ ومكرهم ضد أي عملية جادة تستهدف استنهاض الأمة واستئناف حياة إسلامية راشدة، أنهم زرعوا في بلاد العرب والمسلمين ـ ومنذ عقود عدة ـ معوقات عدة تحيل بين المسلمين وأهدافهم .. منها طواغيت الظلم، وأنظمة ديكتاتورية ظالمة ظلمها مغلظ ومركب، لتقوم بالنيابة عنهم بمحاربة واستئصال أي توجه إسلامي جاد وهذه الأنظمة الديكتاتورية تلقى منهم كل دعم وتأييد ومباركة مقابل القيام بمهمتهم هذه .. وعلى قدر قيامهم بها بالشكل الفاعل والمؤثر يلقون الدعم والتأييد والمباركة!
من سياسة دول الغرب الديمقراطي النصراني المعتمدة نحو دول الشرق الأوسط .. أنهم يمدون حبلين: حبلاً يصلون به طواغيت الحكم الظالمين الديكتاتوريين فيقوونهم على الشعوب المقهورة وبخاصة عندما هؤلاء الطواغيت يقومون بواجب الخدمة والعمالة على الوجه المطلوب .. وحبلاً آخر يمدون به الشعوب المقهورة بنوع عطف وإحسان من خلال التعاطف مع بعض قضايا حقوق الإنسان .. وفي نفس الوقت يستقوون بالشعوب وغضب وثورة الشعوب .. على تأديب الحكام في حال خرج طواغيت الحكم عن شيء من السياسات المرسومة لهم والمُملاة عليهم من الخارج .. فهي سياسة الكيل بمكيالين!
كم من طاغية ظالم هددوه بتأييد ثورة شعبه عليه .. وعندما يستجيب الطاغية الظالم لكامل مطالبهم، ويسير في ركاب سياساتهم وخدمتهم .. ويسلمهم مفاتيح البلاد وخيراتها .. يُعينونه ويمدونه بحبل من القوة والحياة ليجلد شعبه من جديد!
فهم تارة يهددون طواغيت الحكم بالشعوب .. وتارة يهددون الشعوب بالحكام بحسب ما تتراءى لهم مصالحهم الخاصة والذاتية .. وهذه السياسة تستدعي منهم نوع علاقة مع الطرفين؛ طرف الأنظمة الحاكمة، وطرف الشعوب المعارضة لها .. ومن خلال هذه السياسة يسيطرون على الطرفين، ويتحكمون بالطرفين .. وبنو قومي ـ وللأسف ـ لا يعلمون .. هذه حقيقة مكشوفة لا بد من إدراكها والتسليم بها!
أوجه الخلاف بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية
فإن قيل: عرفنا دوافع الصراع وغاياته .. وحتميته .. ولكن هل ثمة اتفاق بين الحضارة الغربية الصليبية الديمقراطية والحضارة الإسلامية .. وما هي أوجه الخلاف بينهما .. وهل يعني ما تقدم أن الحضارة الغربية لا توجد فيها قيم حضارية معتبرة ..؟
أقول: هذه أسئلة هامة ـ لعلني أجبت عن بعضها في طيات ما تقدم في هذا البحث ـ أعيد فأجيب عنها هنا بشيء من التوسع والتفصيل، وأبدأ بالجواب عن السؤال التالي:
ما هي أوجه الخلاف بين الحضارتين: الحضارة الغربية الرأسمالية الديمقراطية الصليبية، والحضارة الإسلامية[1]؟
وللجواب عن هذا السؤال أقول: نعم، توجد أوجه خلاف عدة بين الحضارتين:
منها: أن الحضارة الإسلامية ربانية المصدر؛ إذ جميع قيمها الحضارية مستمدة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، بينما الحضارة الغربية الرأسمالية بشرية المصدر؛ إذ جميع قيمها الحضارية
مستمدة من عقول وأهواء وتجارب البشر .. مجردة عن وحي السماء!
ومنها: أن الحضارة الإسلامية قائمة على عقيدة التوحيد؛ توحيد الخالق -سبحانه وتعالى- في الخلق والأمر .. في العبادة، والطاعة، والحكم والتشريع .. فالله تعالى كما له الخلق فله الأمر، بينما الحضارة الغربية النصرانية قائمة على عقائد الشرك والوثنية والجحود والإلحاد؛ فأشركوا مع الله تعالى آلهة أخرى، واتخذوا بعضهم بعضاً أرباباً ومشرعين من دون الله .. فهم إن سلموا أن الخلق لله .. فهم يجعلون الأمر والتشريع لغير الله!
ومنها: أن الحضارة الإسلامية قائمة على مبدأ الإيمان والتصديق بجميع الأنبياء والرسل، لا نفرق بين أحدٍ من رسل الله -عز وجل- .. بينما الحضارة الغربية النصرانية تؤمن ببعض الأنبياء والرسل، وتكفر وتجحد ببعض، ففرقوا في الإيمان بين الأنبياء والرسل .. ومن آمنت بهم لا يتعدى إيمانها بهم ساحة التصديق وحسب؛ التصديق المجرد عن مطلق العمل والمتابعة.
ومنها: أن الحضارة الإسلامية شاملة لجميع جوانب الحياة: التعبدية، والأخلاقية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والعلمية .. لا تنافر بين العقيدة الإسلامية وبين تلك الشمولية .. بخلاف الحضارة الغربية النصرانية القائمة على عقيدة وثقافة فصل الدين عن الدولة، والسياسة، والحياة، وحصر الدين في الجانب الاعتقادي وحسب، فالحضارة الغربية لم تعد تعرف من شؤون دينهم سوى الولاء والتعصب الطائفي الصليبي .. وسوى التمسك بالصليب ورمزيته .. ومن دون أدنى التزام بتعاليم ومبادئ الديانة النصرانية حتى بعد حصول التحريف لها .. لعلمهم واعتقادهم أن دينهم المحرف الذي تلاعبت به أيدي الأحبار والرهبان ـ ومنذ زمن ولا يزالون ـ لا يلبي حاجيات وتطلعات الشعوب والمجتمعات، كما أنه لا يصلح لشؤون الحكم والسياسة، ومناحي الحياة الأخرى!
ومنها: أن الحضارة الإسلامية قائمة على التصور والاعتقاد بأن السيادة المطلقة في الأرض وفي السماء لله تعالى وحده، كما قال تعالى:) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (الزخرف:84. وأن هذا الكون ـ وما فيه ومن فيه ـ من ملكه -سبحانه وتعالى- .. وهو خالقه والمتصرف به كيفما يشاء .. ) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (الأنبياء:23. وبالتالي فإن الإنسان مخلوق لله تعالى ومملوك له، وهو مُستخلف في الأرض لإعمارها وفق قانون وشرع الله، وهو محاسب ومسؤول عما استرعاه الله إياه واستأمنه عليه، لا يجوز له أن يخرج عن شريعة وتعاليم مالك وخالق هذا الكون في شيء .. بينما الحضارة الغربية النصرانية قائمة على أن السيادة المطلقة هي للإنسان، وأن الإنسان هو المالك الحقيقي للأشياء .. وأنه هو الإله المطاع في الأرض، وبالتالي من حقه أن يقبل ما يشاء، ويرد ما يشاء، ويحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويفعل ما يشاء وفق ما يهوى ويريد .. ولا يجوز أن يُسأل عما يفعل .. ما دام فعله مجاز وفق القانون الوضعي .. الذي يضعه الأحبار والرهبان!
وكنتيجة لما تقدم عُرفت الحضارة الإسلامية بالمحافظة على القيم والأخلاق الحميدة التي شرعها الله تعالى لعباده .. بخلاف الحضارة الغربية ـ كنتيجة لما تقدم ـ فقد عُرفت بالتحلل، والتفسخ، والسفور، والإباحية .. والشذوذ الأخلاقي .. والتمرد على تعاليم وقيم الدين!
وكنتيجة لما تقدم كذلك عُرفت القيم الحضارية في الإسلام بالثبات .. فهي لا تقبل التغير والتبدل مهما تقادمت عليها الأزمان وإلى يوم القيامة .. بينما القيم الحضارية للحضار الغربية الديمقراطية النصرانية .. فهي في تقلب وتغير مستمر .. لا قرار لها ولا ثبات .. فما تستحسنه أهواؤهم ورغباتهم من قيم حضارية اليوم قد تستقبحه في اليوم التالي .. وما تستقبحه في اليوم التالي قد تستحسنه في اليوم الذي بعده .. وهكذا إلى ما لا نهاية!
وكنتيجة لما تقدم كذلك فإن السلوك الإنساني في الحضارة الإسلامية يخضع للشعور والإيمان بمراقبة الله تعالى له والتي لا تغيب عنه لحظة واحدة .. وبالتالي فهو منضبط وملتزم بمبادئ وأخلاق دينه وحضارته في السر والعلن .. في الرضى والسخط .. وفي حال حضور الرقيب من البشر وفي حال غيابه سواء .. بخلاف السلوك الإنساني في الحضارة الغربية النصرانية حيث لا قيمة عنده لرقابة الله تعالى عليه .. وإنما القيمة كلها لرقابة الحاكم وجنده .. ورقابة قانونه .. ورقابة الكاميرات المسلطة عليه .. فهو يلتزم بالقانون وينضبط سلوكياً ما شعر بمراقبة القانون والكاميرات له .. ويتهرب منه ومن تبعاته .. ويتحول إلى إنسانٍ آخر ومختلف .. ومتوحش .. ما شعر بغياب رقابة القانون والكاميرات عنه، وما أكثر الأوقات التي تغيب فيها رقابة القانون عن الناس؛ وهذا يعني أن الإنسان الغربي النصراني يفقد الوازع الذاتي الداخلي .. والرقابة الذاتية التي تحمله على الالتزام بما يُملى عليه من قوانين .. وأخلاقيات .. وسلوكيات إيجابية .. لذا فهو يحتاج إلى رقابة السلطات والكاميرات الخفية والظاهرة على مدار الوقت[2]!
إن علمنا ذلك علمنا السبب الذي يحمل الإنسان الأوربي والأمريكي على أن يتصرف كإنسان متوحش غير متحضر عندما يخرج من بلده ليغزو بلداناً أخرى .. كما هي سيرتهم المشينة في العراق، وفي أفغانستان، وغيرها من البلدان .. حيث لا يعرفون في تلك البلاد أدنى قيمة ولا احترام لحقوق الإنسان .. والسبب أن تلك البلاد تخلو من الكاميرات التي تراقبهم على مدار الوقت .. وفي كل مكان .. وهو بخلاف ما تعودوا وتربوا عليه في بلدانهم الأصلية!
ومنها: أن الحضارة الإسلامية قائمة على الموازنة بين الروح والمادة؛ وإعطاء كل جانب
حقه من غير إفراط ولا تفريط .. بينما الحضارة الغربية النصرانية قائمة على الجانب المادي وحسب، وإلى درجة التخمة .. وبالتالي فهي تعاني من فراغ قاتل في الجانب الروحي .. وهو ما يفسر ظاهرة فشو القلق النفسي، والانتحار في البلدان الأوربية والأمريكية .. وظاهرة الجري المحموم وراء الروايات والأفلام الخرافية .. لملء هذا الفراغ القاتل الذي يُعانون منه!
ومنها: أن الحضارة الإسلامية لها امتداد تاريخي حافل بالبذل والعطاء، والرقي والتسامح .. شهد به الأعداء قبل الأصدقاء .. يمر بجميع الأنبياء والرسل إلى أن ينتهي عند آدم -عليه السلام- .. فجميع حضارة الأنبياء .. وما تخللته حياتهم العظيمة من عطاء وإنجازات .. عبر تاريخهم كله وإلى يومنا هذا .. هي من الحضارة الإسلامية .. بينما حضارة الغرب النصراني مبتورة الأصل .. ليس لها ذاك التاريخ والامتداد، ولا ذاك العطاء المميز .. ولا ذاك التاريخ الحضاري الإنساني الذي يستطيعون أن يتماجدوا ويفتخروا به أمام أبنائهم .. بل ما من غزوة غَزَوها ويغزونها وإلا ويجدون أنفسهم ـ ولو بعد حين ـ مضطرين للاعتذار عما ارتكبوه من جرائم ومجازر وفظائع لا تليق بالإنسان مهما كان متخلفاً .. وما جدالهم الآن عما ارتكبوه ولا يزالون يرتكبونه من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في سجن جوانتنامو .. وأبو غريب في العراق .. وغيرها من السجون .. لأكبر شاهد ودليل على ما ذكرناه!
راجع ما كُتب وقِيل عن الحروب الصليبية الأولى .. ثم راجع ما كتب وقيل عن الغزو الصليبي المعاصر واستعمارهم لبلاد المسلمين .. وكذلك عن المجازر الجماعية التي ارتكبتها أمريكا بحق سكانها الأصليين .. وبحق الأفارقة السود .. وما ترتكبه الآن ـ بتأييد ومباركة الغرب الصليبي ـ من مجازر وانتهاكات صارخة لكرامة الإنسان في أفغانستان، والعراق، وفلسطين، وغيرها من البلدان![3].
هل للحضارة الغربية قيم حضارية معتبرة
فإن قيل: هل يعني ذلك أن الحضارة الغربية النصرانية لا توجد عندها قيم حضارية معتبرة وجيدة؟
أقول: لا نستطيع أن نقول أن الحضارة الغربية تخلو من القيم الحضارية المعتبرة؛ لأن القول بذلك يعني انهيار الحضارة الغربية وزوالها كلياً عن الوجود .. لزوال مقومات وجودها .. فزوال القيم الحضارية مطلقاً لأي شعب من الشعوب معناه زوال حضارتهم بالكلية .. وهذا لا نقوله عن الحضارة الغربية .. ولكن الذي نقوله ـ وهو ما يقتضيه العدل الذي يلزمنا به ديننا الحنيف ـ أن الحضارة الغربية المعاصرة ـ على ما تقدم ذكره من مآخذٍ أُخذت عليها ـ فإنها تتحلى ببعض القيم الأخلاقية الحضارية المعتبرة .. التي تمدها بالقوة والوجود، والحياة!
من هذه القيم: الالتزام بقيمة البحث العلمي التجريبي .. والنظام والتنظيم، واستغلال الوقت، والموارد الطبيعية والبشرية فيما ينفعهم في دنياهم .. والدقة في المواعيد .. والجودة في العمل .. وحب الاطلاع والاستكشاف العلمي، والإرادة القوية على النهوض والتقدم .. فهذه قيم حضارية معتبرة، وهي موجودة فيهم .. ولها دور بارز في نهضتهم ونشأة حضارتهم.
ومنها: قيم التعامل بالعدل والمساواة فيما بينهم .. فالجميع الحاكم والمحكوم .. والسيد والوضيع .. والقوي والضعيف .. يتساوون أمام قانونهم[1].
ومنها: قيم الحرية والتسامح السائدة في بلادهم وفيما بينهم .. مع التنبيه أن جزءاً من الحريات السائدة في بلاد الغرب لا يمكن أن تُصنف كقيمة حضارية معتبرة؛ لآثارها السلبية والمدمرة على عقول وأخلاق وعطاء الشعوب!
ومنها: قيمة التضامن والتكافل الاجتماعي المعمول به في بلادهم وفيما بينهم؛ حيث لا تجد منهم المتسول ولا الفقير المعدوم، ولا المريض الذي لا يقدر على العلاج، إذ كل واحدٍ منهم ـ بسلطان القانون ـ يجب على الدولة أن توفر له المسكن .. والمأكل .. والملبس .. والعلاج .. والتعليم .. فهذه أساسيات لا تجد واحداً منهم محروماً منها.
ومنها: قيمة التنظيم والاهتمام بالعمل المؤسساتي .. وقيمة العمل بمبدأ الشورى والتشاور فيما بينهم، وعلى جميع المستويات؛ إذ جميع قراراتهم تؤخذ بصورة جماعية .. بعد أن تأخذ حقها من التداول والنقاش والتشاور فيما بينهم .. لا يوجد عندهم فرد يصدر بمفرده قرارات تمس مصلحة الشعوب والمجتمع والدولة!
ومنها: قيمة محاسبة الحكام لو بدر منهم أيُّ تقصير يمكن أن يتفادوه .. أو وقعوا في الفساد الإداري، أو في الغش، والخيانة، والتصرف بأموال العامة لمصالحهم الخاصة الشخصية أو العائلية، أو الحزبية!
ما أسهل عليهم أن يقولوا لحاكمهم: من أين لك هذا .. وكيف اكتسبته .. وهذه قيمة حضارية راقية، حُرِمَها العالم الإسلامي ومنذ زمن .. بسبب ظلم وطغيان الحكام المتسلطين على بلاد ومقدرات المسلمين!
ومنها: قيمة الانتصار للمظلوم من ظلم الحكام والملوك .. ولو بعد حين .. وهذا المعنى قد أشار إليه عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قبل ألف وأربعمائة عاماً، مستنبطاً إياه من حديث سمعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما في صحيح مسلم:
عن موسى بن عُلَيٍّ عن أبيه قال: قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:" تقوم الساعة والروم أكثرُ الناس ". فقال له عمرو: أبصر ما تقول؟ قال: أقول ما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقةً بعد مصيبة، وأوشكهم كرةً بعد فرّة، وخيرهم لمسكينٍ ويتيم وضعيف، وخامسةٌ حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك ". أي يمنعون شعوبهم .. والأفراد .. من ظلم ملوكهم وحكامهم!
قلت: هذه الخصال الحضارية التي أشار إليها عمرو بن العاص -رضي الله عنه- ـ قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام ـ والتي استفادها من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- .. نلمسها فيهم في هذا الزمان بوضوح .. وهي ـ مع القيم الأخرى الآنفة الذكر ـ سبب في قوتهم وتفوقهم .. وظهور حضارتهم .. وتقدمهم العلمي والتكنولوجي .. كما أنها سبب في ظهورهم على الناس وخضوع العالم لدولهم وحكمهم وسياساتهم، وحكامهم!
قال الشيخ ناصر الدين الألباني في تعليقه على هذا الحديث، كما في مختصر صحيح مسلم:" قال صديق حسن خان في الشرح: لم يشرح النووي هذا الحديث ولم يبين المراد بـ ( الروم )، والظاهر أنهم النصارى، وهذه الخصال الخمسة موجودة فيهم، وهم ولاة الأمر اليوم في أكثر الأرض، وهذه معجزة ظاهرة للنبي -صلى الله عليه وسلم- حيث وقع ما أخبر به مطابقاً لنفس الأمر، ولله الأمر من قبل ومن بعد "ا- هـ.
قلت: هذا في زمان صديق حسن خان .. فكيف لو نظر إليهم وهم في زماننا .. وكيف أنهم قد سادوا على البلاد والعباد؟!
لا أثر للقيم الحضارية في قيام الحضارات من دون أناسٍ يتبنونها ويترجمونها في واقع الحياة
ولكن نعود فنقول: هذه القيم الحضارية التي عُرفوا بها، رغم أن الإسلام يأمر بها، وهو السبّاق إلى تبنيها والدعوة إليها .. ولا نحيد عن الصواب والحقيقة لو قلنا أن الآخرين استفادوها منا ومن حضارتنا .. إلا أن المسلمين ـ في عصورهم المتأخرة المتخلفة ـ لما تخلفوا عنها وعن العمل بها .. وعملوا بغيرها وخلافها من القيم اللاحضارية .. وعمل بها غيرهم على ما هم عليه من كفر وغير ذلك مما تقدم من صفاتهم .. تخلف المسلمون عن قيادة الأمم والشعوب .. بل وعن قيادة أنفسهم كذلك ـ بعد أن كانوا بقيمهم الحضارية الإسلامية الراقية قادة للعالم أجمع ـ ليتولى مهمة القيادة والريادة غيرهم .. ولا حول ولا قوة إلا بالله!
الله تعالى لا يُحابي أحداً .. حاشاه .. قد خلق الحياة وفق قوانين ونواميس محددة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، فمن أخذ بهذه النواميس وعمل بها وبمقتضاها وصل وبلغ القمم العالية وأدرك مراده وإن كان كافراً، ومن تركها وتخلف عنها .. وتواكل .. لن يصل، وطاب له العيش في الذل والركام وبين الحُفر!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى 28/146: إن الله يُقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يُقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويُقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-:" ليس ذنبٌ أسرع عقوبةً من البغي، وقطيعة الرحم "؛ فالباغي يُصرَع في الدنيا وإن كان مغفوراً له مرحوماً في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدلٍ لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يُجزى به في الآخرة ا- هـ.
لذا فأقول: إن أرادت الأمة الإسلامية أن تُعيد لحضارتها عزها ومجدها الأول .. ودورها الريادي والقيادي الذي كان لسلفنا الصالح لا بد لها من العودة والتمسك بمجموع القيم الإسلامية الحضارية التي كانت سبباً في عزها ومجدها .. ومن دون أن تفرط بشيءٍ منها.
لا بد أن نكون أكثر من الآخرين عدلاً ورحمة بالعباد .. هذا إذا أردنا أن يتنزل علينا نصر الله .. وأردنا للأمة أن تستأنف عزها ومجدها ودورها الريادي من جديد .. فالله تعالى يُحب العدل وينصر أهله .. ويبغض الظلم ويخذل أهله، وفي الحديث القدسي:
"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظاَّلموا" [1]
وقال -صلى الله عليه وسلم-:
"اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً؛ فإنه ليس دونها حجاب" [2]
لا أثر للقيم الحضارية ولا فاعلية لها في قيام الحضارات إن لم تتجسد هذه القيم في سلوك وواقع وحياة أتباعها .. فالقيم مهما كانت عظيمة وراقية تبقى معانٍ مجردة لا أثر لها في الوجود والواقع .. إلى أن يأتي من يأخذها بقوة وصدق، فيحييها .. ويُجاهد دونها .. ويترجمها إلى سلوك وواقع في حياته وحياة الآخرين العملية.
لذا لا يكفي أن نتكلم عن عظمة الإسلام كعقيدة، وشريعة، وأخلاق، وقيم حضارية راقية وحسب من دون أن نجسد هذه العقيدة والقيم في سلوكنا وواقعنا وجميع جوانب حياتنا، فالسيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لما سُئلت عن خُلق النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت:
"كان خلُقه القرآن" [3]
أي كانت أخلاقه وسيرته -صلى الله عليه وسلم- خير ترجمان وتفسير للقرآن الكريم .. تريد أن ترى القرآن مفسراً ومترجماً ترجمة عملية فانظر إلى حياة ومواقف وأعمال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-!
من هنا جاء الوعيد الشديد بحق من يقول ولا يفعل، ويَعلَم ويُعلِّم ولا يلتزم في نفسه بما يعلم، وينهى عن خُلق ثم يأتيه أو يأتي ما هو أسوأ منه، كما قال تعالى:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ" الصف:2-3
لا يكفي أن نقول كان آباؤنا .. كان أجدادنا .. ونطيل الوقوف على أطلالهم .. إذ لا بد كذلك من أن نقول ها نحن .. وأن نصنع المجد بأيدينا وبدمائنا وعرقنا كما صنعوا !
هذه الحقيقة ـ رغم كثرة المعوقات الشاقة التي يصطنعها طواغيت الحكم والكفر في بلاد المسلمين .. أمام عملية التغيير ـ أصبحت تُعيد كثيراً من المسلمين إلى رشدهم وإسلامهم .. وأخلاق وقيم دينهم الحنيف .. وها نحن ـ ولله الحمد ـ نشهد صحوةً إسلامية مباركة .. وأوبة جادة وصادقة إلى الحق من شرائح عدة من أبناء الأمة .. وعلى مستوى امتداد الأمة كلها وفي جميع أمصار المسلمين .. وهي تعتبر الخطوات الأولى ـ إن شاء الله ـ نحو النصر والتمكين والسؤدد
"وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" الحج:40
الحوار بين الحضارات
فإن قيل: هل يُفهم من القول بحتمية الصراع بين الحضارات المتنافرة في مفاهيمها وقيمها وثوابتها يعني عدم الانتفاع من إجراء الحوار بين تلك الحضارات، وتحديداً بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية الديمقراطية النصرانية؟!
أقول: الحوار بين حضارة الإسلام والآخرين وجدالهم بالتي هي أحسن بابه مفتوح لا يمكن إغلاقه؛ لأن الإسلام دين رحمة للعالمين .. وبالتالي لا بد من بذله للآخرين بالتي هي أحسن، وبأسلوب أخلاقي يرقى إلى مستوى عظمة هذا الدين، إذ لا إكراه في الدين، كما قال تعالى:
لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (البقرة:256)
وقال تعالى:
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل:125)
فأمرنا ربنا تعالى بمجادلتهم بالتي هي أحسن، أي بالطريقة التي تؤلف قلوبهم على الإسلام وحب الإسلام، وليس على تنفيرهم. وقال تعالى:
قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (سبأ:46)
وقال تعالى:
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران:64)
لا بد من أن يتسم الحوار بهذه الصراحة، وهذا الوضوح:
تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
؛ فإن أعرضوا وأبَوا إلى أن يتخذوا بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله .. وأن يُعبِّدوا العبيدَ للعبيد .. ينتهي الحوار .. وتأتي المفاصلة التامة بكل وضوح، ومن دون أدنى تلجلج أو ارتباك، بقولنا لهم:
اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
، لكم دينُكم ولنا دين.
وفي الحديث في صحيح البخاري عن علي -رضي الله عنه- قال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: "انفذ على رسلِكَ حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم".
من هذه النصوص الشرعية وغيرها استفاد أهل العلم أن بذل الدعوة والنصح للآخرين يجب أن يتقدم ويسبق القتال والمواجهة بالسنان.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:
"يسروا ولا تُعسروا، وبشروا ولا تنفروا" البخاري.
فالحوار مشروع وهو مستمر .. وبابه مفتوح لا يمكن إغلاقه .. حتى مع أعتى وأطغى طغاة الأرض .. ولكن على أن يكون مبنياً على أسس علمية وشرعية؛ الغاية منه إنصاف الحق .. وبيان الحق .. وأطر المخطئ إلى الحق .. وانصياع الجميع إلى الحق، وتحكيم الحق .. وليس لمجرد المداهنة والمجاملة في الباطل .. على مبدأ
وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (القلم:9)
أو حصول المجالسة والمؤاكلة ومن ثم ينفض المجتمعون وهم أكثر تنافراً وتلاعناً .. أو لمجرد إصباغ الشرعية على الباطل وأهله .. أو أطر الحق والباطل إلى نقطة تتوسطهما، من قبيل التقريب والجمع بين الشيء وضده في آن واحد، والعمل بمفهوم الوسطية المزعومة التي تعني التوسط بين الحق والباطل؛ لا إلى الحق .. ولا هم إلى الباطل أقرب؛ وإنما وسط بينهما، كما قال تعالى:
مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء (النساء:143)
كما يصنع ذلك كثير من دعاة حوار الحضارات في هذا الزمان .. ومن دون أي جدوى أو فائدة تُذكَر [1]
الحوار ينفع كذلك عندما يكون الحق قوياً له دولته وشوكته .. وسلطانه .. وأراد الآخرون أن يدخلوا في سلمه وعهده وأمانه وجواره .. وفق شروطه ومبادئه وقيمه .. فبعدها يُقال لهم .. لا تثريب عليكم
لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (الآية رقم 256 من سورة البقرة)
"لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" (سورة الكافرون: 6)
متى ينتهي الصراع بين الحضارات
فإن قيل: إلى متى سيستمر هذا الصراع والتدافع بين الحضارات .. أليس له حد ينتهي عنده .. أليس له نهاية؟!
أقول: سيستمر هذا الصراع والتدافع ـ بصورة أو بأخرى ـ بين الحق وأهله من جهة والباطل وأهله من جهة أخرى إلى حين ظهور المسيح الدجال وفتنته آخر زعماء الكفر والضلال .. ونزول عيسى -عليه السلام- آخر زعماء وقادة وأمراء الحق وجنده .. وتكون آخر معركة فاصلة بين الحق والباطل هي المعركة التي يقودها عيسى -عليه السلام- فيقتل فيها المسيح الدجال ومن معه من اليهود وغيرهم ممن يتابعونه ويُناصرونه .. في هذه المعركة ينطق الحجر والشجر فيقول يا مسلم يا عبد الله تعال ورائي يهودي فاقتله إلا شجر الغرقد .. وبالانتهاء من هذه المعركة الفاصلة ينتهي الصراع بين الحضارات، ومن على وجه الأرض كلها[[1]]
ويسود الأمن والسلام والرخاء .. وتهلك الملل كلها إلا ملة الإسلام؛ حيث يضع عيسى -عليه السلام- الجزية فلا يقبلها من أحد؛ إما الإسلام وإما القتل والقتال .. ويدق الصليب ويُزيله، ويقتل الخنزير .. فيمكث -عليه السلام- بين المسلمين أربعين سنة هي من أفضل وأهنأ سنين الدهر .. يعم فيها الرخاء والأمن والسلام .. وتضع الحرب أوزارها .. ثم يتوفاه الله تعالى .. ثم يأتي أمر الله فيُرسل ريحاً كريح المسك مَسها مس الحرير فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته .. ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة .. ولما كانت هذه الأمور غيبية لا مجال فيها للرأي والاجتهاد ندع النصوص الشرعية الصحيحة هي التي تتكلم لتبين لنا ذلك كله.
أما أن الصراع والقتال والجهاد، والتدافع بين الحق والباطل مستمر إلى أن يأتي أمر الله، وتقوم الساعة وتظهر أشراطها وعلاماتها الكبرى، فهو لقوله -صلى الله عليه وسلم-:
" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك "مسلم.
ولقوله -صلى الله عليه وسلم-:
" لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون " مسلم.
أي ظاهرون بالحق على من ناوأهم وخالفهم.
ولقوله -صلى الله عليه وسلم-:" لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة "مسلم.
ولقوله -صلى الله عليه وسلم-:" لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة "مسلم.
ولقوله -صلى الله عليه وسلم-:" لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس "مسلم.
وعن سلمة بن نفيل الكندي، قال: كنت جالساً عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال رجل: يا رسول الله، أذال الناس الخيل ـ أي استخفوا بها وتركوها ـ، ووضعوا السلاح، وقالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها! فأقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوجهه وقال:" كذبوا؛ الآن، الآن جاء القتال، ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق ويزيغ الله لهم قلوبَ أقوامٍ ويرزقهم منهم، حتى تقومَ الساعة، وحتى يأتي وعدُ الله، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة "[[2]].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة "[[3]].
وغيرها كثير من الأحاديث والنصوص التي تدل على وجود هذه الطائفة المنصورة، وعلى استمرارية وجودها في كل زمان .. سواء كان للمسلمين خليفة وإمام أم لم يكن .. وأنهم ظاهرون على الحق .. وأنهم منصورون بالحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم .. وإلى يوم القيامة.
وأما الدليل على ظهور الدجال .. ونزول عيسى -عليه السلام- وقتله للدجال فهو لقوله -صلى الله عليه وسلم-:
" لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق[[4]] فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ فإذا تصافُّوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سَبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله، لا نخلي بينكم وبين إخواننا[[5]]، فيقاتلونهم فينهزم ثلثٌ لا يتوب الله عليهم، ويُقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يُفتنون أبداً، فيفتتحون قسطنطينية[[6]]، فيما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح[[7]] قد خلفكم في أهلكم، فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام، خرج، فبينما هم يعدون للقتال، يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم -عليه السلام-، فأمهم، فإذا رآهم عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده[[8]] فيريهم دمه في حربته " مسلم.
منتهى الصراع بين الحضارات
منتهى الصراع بين الحضارات
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" :" ليس بيني وبينه ـ يعني عيسى -عليه السلام- ـ نبي وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجلٌ مربوع، إلى الحُمرة والبياض، بين ممصرتين[[1]]، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب[[2]]، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية[[3]]، ويُهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيحَ الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يُتوفى فيصلي عليه المسلمون[[4]]".
وأما الدليل على قتل اليهود ممن يكونون مع الدجال يومئذٍ، وقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله تعال ورائي يهودي فاقتله، فهو لقوله -صلى الله عليه وسلم-:" لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم[[5]]! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله إلا الغرقد[[6]] فإنه من شجر اليهود " مسلم.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" قال عيسى افتحوا الباب فيُفتح، ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هارباً، ويقول عيسى -عليه السلام-: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتلُه، فيَهزِمُ الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء؛ لا حجر، ولا شجر، ولا حائط، ولا دابة ـ إلا الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق ـ إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال فاقتله "[[7]].
أما أن القتال والصراع سيتوقف مطلقاً بقتل وقتال الدجال ومن معه .. ومن بعدها سيعم الأمن والسلام والرخاء .. فهو لقوله -صلى الله عليه وسلم-:" لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال "[[8]]. فكون آخر الطائفة الظاهرة المنصورة تقاتل المسيح الدجال .. فدل أنه ليس بعد قتال الدجال قتال.
ولقوله -صلى الله عليه وسلم-:" فيكون عيسى ابن مريم -عليه السلام- في أمتي حكَماً عدلاً، وإماماً مُقسِطاً، يدقُّ الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة[[9]]، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وتُرفع الشحناء والتباغض، وتنزع حُمَةَ كل ذات حمة، حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره.
وتُفِرُّ الوليدةُ الأسدَ فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبُها. وتُملأ الأرض من السِّلم كما يُملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة، فلا يُعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتُسلَب قريشٌ مُلكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة تنبت نباتها بعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القَطِف من العنب فتُشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، يكون الثور بكذا وكذا من المال، وتكون الفرس بالدريهمات. قالوا: يا رسول الله! وما يُرخِص الفرس؟ قال: لا تُركَب لحربٍ أبداً. قيل: فما يُغلي الثَّور؟ قال: تحرث الأرض كلها "[[10]].
وأما الدليل على أن عيسى -عليه السلام- يمكث بين المسلمين أربعين سنة .. ثم يتوفاه الله تعالى .. ثم يأتي أمر الله فيرسل ريحاًً كريح المسك مسها مس الحرير تقبض أرواح المؤمنين .. ثم تقوم القيامة على شرار الخلق، فهو لقوله -صلى الله عليه وسلم- المتقدم:" فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يُتوفى فيُصلي عليه المسلمون ".
ولقوله -صلى الله عليه وسلم-:" فبينما هم كذلك ـ أي في النعيم الذي عم وساد بعد الحرب مع الدجال وهلاك يأجوج ومأجوج ـ إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمنٍ وكل مسلم، ويبقى شرارُ الناس يتهارجون فيها تهارُج الحمُر، فعليهم تقوم الساعة " مسلم.
ولقوله -صلى الله عليه وسلم-:" إن الله يبعث ريحاً من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحداً في قلبه مثقال ذرةٍ من إيمان إلا قبضته " مسلم.
وعن عبد الرحمن بن شُماسَة المهري قال: كنت عند مَسْلَمَةَ بنُ مُخَلَّدٍ وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق هم شر من أهل الجاهلية لا يدعون الله بشيء إلا ردَّه عليهم. فبينما هم على ذلك أقبل عُقبةُ بنُ عامرٍ فقال له مَسلمة: يا عُقبةُ اسمع ما يقول عبد الله. فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:" لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك "، فقال عبد الله: أجل ثم يبعث الله ريحاً كريح المسك مَسُّهَا مَسُّ الحرير فلا تَترُكُ نفساً في قلبه مثقال حبة من إيمانٍ إلا قبضته، ثم يبقى شرارُ الناس عليهم تقوم الساعةُ " مسلم.
فيكون المراد من قوله -صلى الله عليه وسلم-:" إلى يوم القيامة "؛ أي " أنهم لا يزالون على الحق حتى تقبضهم هذه الريح اللينة قرب القيامة وعند تظاهر أشراطها، فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة على أشراطها ودنوها المتناهي في القرب، والله أعلم "[[11]].
وبعد، هذا هو مبدأ الصراع .. وهذا هو منتهاه .. وهذه هي حقيقته وطبيعته .. راياته واضحة المعالم لا غموض فيها ولا التباس .. لا مجال للجحود أو النكران أو التأويل أو الهروب من الواقع .. لا بد للأمة ـ إن أرادت أن تستأنف حياة عزها ومجدها وسؤدُدِها من جديد ـ من أن تروِّض نفسها لكي تتحمل مسؤولياتها كاملة تجاه دينها .. وأرضها .. وحرماتها .. ووجودها .. والعالم أجمعين .. وإلا فلتروض نفسها لقبول مزيدٍ من الذل والخنوع والنكبات، ومزيد من دفع الضرائب الباهظة المكلفة للباطل وأهله؛ تدفعها من دينها، وأبنائها، وعِرضها، وعزتها، وكرامتها، وأوطانها، ومالها، ووجودها، وحريتها .. على موائد وشهوات ورغبات الطواغيت الظالمين الآثمين .. والأعظم من ذلك كله أنها بذلك تُعرِّض نفسها للاستبدال .. ولغضب الرب -سبحانه وتعالى- وسخطه وعذابه )
يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (الشعراء:88-89)
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (المائدة:54).
اللهُمَّ إنِّي قد بلَّغتُ فاشهَدْ .. اللهُمَّ إنِّي قد بلَّغتُ فاشهَدْ.
وصلى الله على سيدنا ونبينا وقائدنا ومعلمنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين