القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

حقُّ الطريق

الطريق حق عام فهو ليس لأحد دون أحد فمن أراد أن يجلس في الطرقات ولا بد عليه أن يؤدي حقها[[١]].

[١] ونحو ذلك الذي يجلس في المقاهي المطلة على الطرقات أو التي تتوسط الطرقات.

قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} النور:٣٠.

وفي الحديث، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إياكم والجلوس في الطرقات"، قالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" متفق عليه.

وعن أبي طلحة زيد بن سهل، قال: كنا قعوداً بالأفنية[[٢]] نتحدث فيها، فجاء رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فقام علينا، فقال: "ما لكم ولمجالس الصعدات"، فقلنا: إنما قعدنا لغير ما بأس؛ قعدنا نتذاكر، ونتحدث. قال: "إما لا[[٣]] فأدوا حقها: غض البصر، ورد السلام، وحسن الكلام" رواه مسلم.

[٢] وهي الفسحة التي تكون أمام البيت.

[٣] أي إن أبيتم إلا الجلوس في الطرقات، فأدوا حقها؛ فإن لم تؤدوا حقها كما هو مبين في الحديث أعلاه، أو لا تستطيعون أن تؤدوا حقها فلا يحق لكم الجلوس.

قلت: من العادات الخاطئة في كثير من أمصار المسلمين بناء المقاهي في طرقات المسلمين، وأحياناً تكون مطلة على شواطئ البحر كما في المدن الساحلية، لتكون ملتقى الفساق والعاطلين عن العمل، وإلى أوقات متأخرة من الليل، لا تسلم منهم مارة إلا واعتدوا عليها بالنظر، والغمز، والكلام، وفي كثير من الأحيان باللمس، والتصوير، والاعتداء المباشر على الجسد. فهؤلاء أتوا بخلاف ما يجب عليهم من حق الطريق .. وهؤلاء ليس من حقهم أن يجلسوا في الطرقات ـ فيؤذوا المارة ـ ما دامت هذه هي أخلاقهم وتصرفاتهم.

وعن عمر، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إياكم والجلوس في الصعدات ـ وفي رواية: الطرق ـ فإن كنتم لا بد فاعلين، فأعطوا الطريق حقه". قيل: وما حقه؟ قال: "غض البصر، ورد السلام، وإرشاد الضال"[[٤]].

[٤] أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، والبزار في مسنده، السلسلة الصحيحة: ٢٥٠١. "وإرشاد الضال"؛ أي إن صادفك فرأيت رجلاً قد ضل الطريق ومبتغاه، فترشده وتدله.

وعن البراء، قال: مر رسول الله "صلى الله عليه وسلم" على مجلس من الأنصار، فقال: "إن أبيتم إلا أن تجلسوا فاهدوا السبيل، وردوا السلام، وأعينوا المظلوم"[[٥]].

[٥] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: ١٥٦١. "فاهدوا السبيل"؛ أي دلوا الغريب ابن السبيل على العنوان أو المكان الذي يبتغيه، والطريق الذي يؤدي إليه. "وأعينوا المظلوم"؛ أي على دفع الظلم عنه، ورد المعتدي عن عدوانه؛ فمن أبى إلا الجلوس في الطرقات فإنه سيرى هيشات الناس، وتعدي بعضهم على بعض؛ فإن رأى شيئاً من ذلك تعين عليه نصرة المظلوم ودفع الظالم، وإلا فليعتزل؛ فلا يستشرف الجلوس في الطرقات ..!

عن أبي ذر قال: قال النبي "صلى الله عليه وسلم": "عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن"[[١]] رواه مسلم.

[١] النخاعة: هي البزقة التي تخرج من الفم.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "تميط الأذى عن الطريق صدقة" متفق عليه.

وعن عائشة، قالت: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل؛ فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل، وسبح، واستغفر الله، وعزل حجراً عن طريق الناس، أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر عدد الستين والثلاثمائة فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار" رواه مسلم.

وعن أبي برزة الأسلمي، قال: قلت: يا رسول الله مرني بعمل أعمله، قال: "أمط الأذى عن الطريق، فإنه لك صدقة"[[٢]].

[٢] رواه البخاري في الأدب المفرد، وابن نصر في الصلاة، وأحمد وغيرهم، السلسلة الصحيحة: ١٥٥٨.

وعنه، قال: قلت يا رسول الله دلني على عمل أنتفع به؟ قال: "نح الأذى عن طريق المسلمين"[[٣]].

[٣] رواه أبو بكر ابن أبي شيبة في الأدب، السلسلة الصحيحة: ٢٣٧٣.

وعن أبي ذر، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك الرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة"[[٤]].

[٤] أخرجه الترمذي، والبخاري في الأدب المفرد، وابن حبان، السلسلة الصحيحة: ٥٧٢. "وبصرك الرجل الرديء البصر"؛ أي إرشادك لضعيف البصر ومساعدتك له على تجاوز الطريق أو قضاء حاجته .. فلك بذلك صدقة.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين" رواه مسلم.

وفي رواية: "مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة".

وفي رواية: "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له، فغفر له" رواه مسلم.

وعن أبي الدرداء، عن النبي "صلى الله عليه وسلم": "من أخرج من طريق المسلمين شيئاً يؤذيهم، كتب الله له به حسنة؛ ومن كتب له عنده حسنة، أدخله الله بها الجنة"[[٥]].

[٥] رواه الطبراني في الأوسط، السلسلة الصحيحة: ٢٣٠٦. قلت: رغم هذا الترغيب، وهذا الأجر العظيم لمن يميط الأذى عن طريق الناس، كثير هم ـ في زماننا ـ الذين يترفعون عن إزالة أوساخهم من الطريق بل ومن أمام بيوتهم .. ويزدرون من يمتهن هذا العمل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وعن أبي هريرة، عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أنه قال: "نزع رجل ـ لم يعمل خيراً قط ـ غصن شوك عن الطريق؛ إما كان في شجرة فقطعه وألقاه، وإما كان موضوعاً فأماطه، فشكر الله له بها فأدخله الجنة"[[٦]].

[٦] صحيح سنن أبي داود: ٤٣٦٧. قوله "صلى الله عليه وسلم": "لم يعمل خيراً قط"؛ أي لم يعمل خيراً زائداً عن التوحيد؛ لأن الشرك لا تنفع معه الحسنات مهما عظمت، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} الزمر:٦٥. وقال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الأنعام:٨٨.

إماطة الأذى عن الطريق، شعبة من شعب الإيمان[[١]].

[١] أعجب لأمة إماطة الأذى عن الطريق في دينها عبادة، وصدقة، وشعبة من شعب الإيمان .. ثم مع ذلك تجد طرقهم .. وشوارع مدنهم مليئة بالأوساخ، والأذى!!

عن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم": "الإيمان بضع وسبعون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"[[٢]] متفق عليه.

[٢] الحديث فيه أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان يتفاضل؛ بعضه يفضل ويعلو بعض؛ أفضله وأرفعه شهادة التوحيد، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق.

فيمن يتغوط في طريق الناس أو ظلهم[[١]]، أو يؤذيهم في طرقهم بأي نوع من أنواع الأذى.

[١] وهو المكان الذي يستظل به الناس في متنزهاتهم، وطرقهم، وأسفارهم، كالأشجار ونحوها من الأشياء التي تكون مظنة استراحة للناس.

عن أبي هريرة، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "اتقوا اللاعنين[[٢]]"، قالوا: وما اللاعنين؟ قال: "الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم" رواه مسلم.

[٢] أي الأمرين أو المكانين الباعثين على اللعن، واللذين يجلبان ويسببان اللعن لصاحبهما من قبل الناس!

وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل"[[٣]].

[٣] صحيح سنن أبي داود: ٢١. الموارد: أي موارد المياه التي ينتفع الناس بها لأنفسهم ومواشيهم.

وعن أبي ذر، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "من آذى المسلمين في طرقهم، وجبت عليه لعنتهم"[[٤]].

[٤] رواه الطبراني وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٢٩٤. قلت: والأذى المراد في الحديث، والموجب اللعن لصاحبه .. يشمل جميع أنواع الأذى؛ كل ما يؤذي الناس في طرقهم.

وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "من سل سخيمته على طريق عامر من طرق المسلمين، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"[[٥]].

[٥] صححه الحاكم في المستدرك ١/١٨٦، ووافقه الذهبي. قال الشيخ ناصر في الإرواء ١/١٠١: له شاهدان يقوى بهما. والسخيمة: الغائط أو الخراء.

وعن جابر بن عبد الله، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا تنزلوا على جواد الطرق، ولا تقضوا عليها الحاجات"[[٦]].

[٦] رواه أبو بكر بن أبي شيبة في الأدب وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٤٣٣.

"لا تنزلوا على جواد الطرق"؛ أي لا تقيلوا، ولا تحطوا متاعكم وحوائجكم ورحالكم في وسط الطرق، وبخاصة منها الطرق الرئيسية التي يحتاجها الناس في حركتهم وتنقلاتهم وقضاء حوائجهم .. فهذا مما يؤذي الناس، وهو اعتداء على حق عام لا حق لفرد أو مجموعة أفراد أن يتجرأوا عليه.

أقول: والنهي يشمل كذلك أصحاب السيارات والشاحنات في زماننا الذين لا يبالون أن يوقفوا سياراتهم في أي مكان يجدونه ويكون مريحاً لهم، وإن أدى صنيعهم إلى اختناق المرور، وإغلاق الشوارع .. وعرقلة السير وحركة العباد، وما أكثر من يفعل ذلك في زماننا .. ثم يحسب أنه ممن يحسنون صنعاً!!

ونقول لدعاة حفظ البيئة في بلاد الغرب وغيرهم: هذه التوجيهات النبوية الشريفة حول البيئة، والحفاظ على جمالها ونظافتها، وطهارتها .. قد أمر النبي "صلى الله عليه وسلم" بها أمته قبل أكثر من أربعة عشر قرناً .. يوم أن كانت الأرض ومن عليها لا يراعون حقاً لإنسان فضلاً عن أن يراعوا حقاً لبيئة أو حيوان .. فأين أنتم منها .. ثم لماذا لم تحظ منكم على كلمة إنصاف؟!

وعن معاذ بن أنس الجهني، قال: غزوت مع نبي الله "صلى الله عليه وسلم" غزوة كذا وكذا، فضيق الناس المنازل، وقطعوا الطريق، فبعث نبي الله "صلى الله عليه وسلم" منادياً ينادي في الناس: "أن من ضيق منزلاً، أو قطع طريقاً، فلا جهاد له"[[٧]].

[٧] صحيح سنن أبي داود: ٢٦٢٩.

النهي عن الصلاة في قارعة الطريق[[١]].

[١] لما في ذلك من أذى للناس، ولمصالحهم، وحركتهم.

وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "لا تصلوا على جواد الطريق، ولا تنزلوا عليها ..."[[٢]].

[٢] قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/٢١٣: رواه أبو داود وغيره باختصار كثير، ورواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. قلت: وهذا بخلاف ما عليه كثير من المسلمين في هذا الزمان؛ حيث اعتادوا ـ إذا ما ضاقت بهم مساجدهم ـ أن يفرشوا الحصر وسجاجيد الصلاة على الطريق خارج المسجد، فيفترشوا الطريق فيقطعوا بذلك على الناس حركتهم وسيرهم، وهذا لا يجوز.

وعنه، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إياكم والتعريس على جواد الطريق، والصلاة عليها؛ فإنها مأوى الحيات والسباع، وقضاء الحاجة عليها؛ فإنها الملاعن"[[٣]].

[٣] قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه ابن ماجه، ورواته ثقات. والتعريس: النزول للاستراحة بعد سفر.

وعن سيار بن المعرور قال: سمعت عمر "رضي الله عنه" يخطب ويقول: إن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" بنى هذا المسجد ونحن معه المهاجرون والأنصار، فإذا اشتد الزحام فليسجد الرجل منكم على ظهر أخيه، ورأى قوماً يصلون في الطريق، فقال: "صلوا في المسجد"[[٤]].

[٤] أخرجه أحمد في المسند ٢١٧، وقال أحمد شاكر في التخريج: إسناده صحيح.

ليس للنساء أن يتوسطن الطريق[[١]].

[١] وهذا ليس من قبيل الاستخفاف بهن وبحقوقهن ـ كما يصور الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ـ وإنما لكي لا تؤذي ولا تؤذى؛ فمن توسطت الطريق ـ وبخاصة الطريق الذي يعرف بازدحام الناس ـ زاحمت الرجال، ودافعتهم ودافعوها، وارتطمت بهم، وارتطموا بها .. وهذا فيه من الأذى ما فيه لها ولغيرها من الناس .. لذا من السلامة ودفع الأذى أن يعتزلن وسط الطريق ويلتزمن أطرافه وحوافه ما أمكن.

عن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم": "ليس للنساء وسط الطريق"[[٢]].

[٢] رواه المخلص في الفوائد، وابن حبان في صحيحه، وابن عدي، وغيرهم، السلسلة الصحيحة: ٨٥٦.

وعن أبي أسيد الأنصاري، أنه سمع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وهو خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "استأخرن؛ فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق؛ عليكن بحافات الطريق". فكانت المرأة تلتصق بالجدار؛ حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به[[٣]].

[٣] صحيح سنن أبي داود: ٤٣٩٢. "تحققن الطريق"؛ أي تتوسطن الطريق، فتمشين في وسطه.

عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إذا مر رجال بقوم فسلم رجل عن الذين مروا على الجالسين، ورد من هؤلاء واحد؛ أجزأ عن هؤلاء وعن هؤلاء"[[١]].

[١] أخرجه أبو نعيم في الحلية، السلسلة الصحيحة: ١٤١٢. "أجزأ عن هؤلاء وعن هؤلاء"؛ أي إذا سلم واحد من المارين فرد واحد من الجالسين؛ فكل واحد منهما يجزئ ويسقط الفرض عن فريقه، ويبقى سلام الآخرين مندوباً لمن شاء أن يسلم.

وعن زيد بن أسلم، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "يسلّم الراكب على الماشي، وإذا سلم من القوم أحد أجزأ عنهم"[[٢]].

[٢] أخرجه مالك، السلسلة الصحيحة: ١١٤٨.

وعن عبد الرحمن بن شبل، قال: سمعت النبي "صلى الله عليه وسلم" يقول: "يسلّم الراكب على الراجل، والراجل على الجالس، والأقل على الأكثر، فمن أجاب السلام كان له، ومن لم يجب فلا شيء عليه"[[٣]].

[٣] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ١١٤٧. والراجل: الماشي.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "يسلّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير"[[٤]] متفق عليه.

[٤] قوله "صلى الله عليه وسلم" "والقليل على الكثير"؛ هذا إذا استويا في الوصف؛ فكان كلا الفريقين ماشيين أو راكبين، أما إن اختلفا في الوصف، فالحكم ما تقدم بيانه في الأحاديث الآنفة الذكر أعلاه؛ فالراكب يسلم على الماشي، وإن كان الراكب أكثر من الماشي، وكذلك الماشي يسلم على القاعد وإن كان الماشي أكثر من القاعد، والله تعالى أعلم.

عن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"[[١]] متفق عليه.

[١] أقول: هذا إذا كنت تتحرك يا عبد الله إلى الصلاة؛ وهي أعظم وأحب عمل إلى الله تعالى ينهض ويتحرك إليه الإنسان .. ومع ذلك فالنبي "صلى الله عليه وسلم" يقول: "عليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا"؛ حتى لو فاتتك الصلاة أو بعض الركعات مع الجماعة .. والنهي عن السرعة هنا يشمل الماشي والراكب سواء .

وإذا كان هذا الذي ينبغي التزامه وأنت تتحرك نحو الصلاة .. فمن باب أولى أن تجتنب السرعة وأنت تتحرك نحو أعمال وأهداف أخرى هي أقل شأناً من الصلاة .. وبخاصة إن كنت تمتطي سيارة الإسراع فيها فوق القدر المسموح به يترتب عليه حوادث مؤلمة، وزهق الأنفس البريئة، وكسر للعظام والحديد معاً.

ومما ينبغي مراعاته والإشارة إليه هنا: ما يشهده زماننا المعاصر من تطور هائل في حركة وشبكة ووسائل المرور: من سيارات، وشاحنات، وقطارات، وغيرها من وسائل النقل والمرور .. والتي لا يمكن أن تتحرك بسلامة وسلاسة من دون أن تحاط بجملة من القوانين والأنظمة تنظم حركة المرور والمشاة، وسرعة السيارات، ومتى تقف ومتى تتحرك، وزنة حمولتها ونحو ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

وعليه فإننا نقول: من حق الطريق أن يلتزم الناس الراكب منهم والماشي بقواعد وقوانين وأنظمة المرور المستحدثة التي تنظم حركة المرور والمشاة معاً .. فهذه القوانين من جهة هي إدارية تنظيمية لا تتعارض مع شرائع ومبادئ وقيم الإسلام .. ومن جهة أخرى الالتزام بها يترتب عليه تحقيق مصلحة راجحة تعم جميع الناس .. ودفع مضرة راجحة ظاهرة، ومحققة في حال لم يتم الالتزام بها .. وما كان كذلك فالنقل والعقل يلزمان بالتزامها، ويؤثمان من يخالفها، والله تعالى أعلم.

ـ كم ينبغي أن تكون سعة الطريق[[٢]].

[٢] لأن من الناس من تطاوعه نفسه الأمارة بالسوء على أن يمد بنيانه ليدخل في الطريق، فيضيق على الناس طريقهم؛ فيظلم حق الطريق، وحقوق المارة على الطريق.

عن أبي هريرة، أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إذا اختلفتم في الطريق؛ جعل عرضه سبع أذرع" رواه مسلم.

وعنه، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "اجعلوا الطريق سبعة أذرع"[[٣]].

[٣] صحيح سنن ابن ماجه: ١٨٩٣.

وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع"[[٤]].

[٤] صحيح سنن ابن ماجه: ١٨٩٤.

وعنه، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من بنى إلى جنب الطريق فليترك للطريق سبعة أذرع، ومن بنى بناءً فليدعم على حائط جاره، ولا تتخالفوا، ولا تناجشوا، ولا تستقبلوا السوق"[[٥]].

[٥] رواه ابن جرير الطبري في مسند ابن عباس، وقال محمود محمد شاكر في التخريج ٢/٧٧٤: صحيح سنده.

"النجش" نوع من أنواع الغش والخداع في البيع. "ولا تناجشوا"؛ أي لا يغش ولا يخدع بعضكم بعضاً، فيزيد أحدكم في سعر الشيء أكثر مما يستحق، ويزين ثمنه ويمدحه، لا لحاجة إليه أو ليشتريه، وإنما ليوقع غيره في شرائه، كما يحصل أحياناً في المزاد العلني؛ فيتفق صاحب السلعة مع شخص على أن يزيد في ثمن السلعة لا لكي يشتريها لنفسه، وإنما لكي يوقع غيره بأن يزيد عليه، أو يشتريها بثمن مرتفع.

ونحو ذلك الذي يضع على السلعة سعراً مضاعفاً، ثم يضع أسفل هذا السعر سعراً جديداً آخر مضاعفاً لكنه أقل من الأول موحياً بتنزيل السعر وتخفيضه أقل مما تستحقه السلعة أساساً، ليجرئ الناس على الشراء، وما أكثر التجار الذين يفعلون ذلك في زماننا. وقوله "صلى الله عليه وسلم": "ولا تستقبلوا السوق"؛ أي لا تجعلوا مداخل بيوتكم مستقبلة السوق، فتتأذون بالسوق، ويتأذى السوق بكم.

وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.