القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

حقُّ الذميّ

حَقُّ الذِّميِّ المعاهَدِ على المسلمين[[١]].

[١] هذا الحق وكل ما يُدرج تحته من مسائل وأدلة وحقوق فهو يشمل الذمي المعاهد الذي يرتبط مع المسلمين في بلادهم بعهد أو عقد ذمة دائمة أو عهد صلح مؤقت؛ أو من أتى منهم بلاد المسلمين بعقد وعهد استثنائي خاص به ومؤقت، وكذلك من يأتيهم من المسلمين وهم في بلادهم بعهد أو عقد دائم أو مؤقت، وما لهم حينئذٍ على المسلم الوافد إليهم بعهد استثنائي خاص به من حق

وكذلك المواطن المسلم المقيم في بلادهم؛ لارتباطه بعقد اجتماعي مع المجتمع الذي يعيش فيه .. أما كيف تتم صيغة هذا التعاقد أو التعاهد .. والقدر الذي به يتم العقد .. ومن له الحق في إبرامه .. وكيف ومتى ينتهي .. وغير ذلك من المسائل التفصيلية .. فهذا له موضع آخر .

ـ للذِمِّي المعاهد الذي يدخل في ذِمَّةِ وعهدِ وأمان المسلمين أن يُوفَّى له بعهدِه وأمانه، وأن لا يُساءَ إليه في شيء من حرماته وحقوقِه؛ لا في نفسِه، ولا مالِه، ولا عِرضه .. وكذلك من يدخل من المسلمين في عهدهم وأمانهم في بلادهم أن يوفِّي لهم بما عاهدهم وآمنهم عليه، وأن لا يغدر بهم في شيء.

قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} النحل:٩١.

وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} الإسراء:٣٤.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} المائدة:١.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[[٢]] الأنفال:٧٢.

[٢] قال ابن كثير في التفسير: وقوله {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} الآية، يقول تعالى وإن استنصركم هؤلاء الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم؛ لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار، بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس "رضي الله عنه" ا- هـ.

وقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} التوبة:٦.

وقال تعالى: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ . وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} إلى قوله تعالى: {أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} الرعد:٢٠-٢٤.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} المعارج:٣٢.

وقال تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} البقرة:٢٧.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} الرعد:٢٥.

وفي الحديث، عن أبي رافع قال: بعثَتني قريشٌ إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" فلما رأيت رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" أُلقِيَ في قلبي الإسلامُ، فقلت يا رسولَ الله إني والله لا أرجعُ إليهم أبداً فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إني لا أَخِيسُ بالعَهْدِ ولا أَحبِسُ البُرُدَ، ولكن ارجعْ فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن ـ أي الإسلام ـ فارجِعْ". قال: فذهبت ثم أتيت النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" فأسلمتُ[[٣]].

[٣] صحيح سنن أبي داود: ٢٣٩٧.

وقوله " إني لا أَخِيسُ بالعَهْدِ"؛ أي لا أنقضه ولا أسيء له. وقوله " ولا أحبِسُ البُرُدَ"؛ أي لا أحبس الرسل وأمنعهم من العودة إلى مرسليهم وأقوامهم؛ لأن الرسل ـ أيَّاً كان دينهم وكانت انتماءاتهم ـ بالنص والعرف هم في أمانٍ لا يجوز الغدر بهم أو الإساءة إليهم في شيء

وأبو رافع رغم أنه هو الذي اقترح البقاء والمكث عند النبي "صلى الله عليه وسلم" من تلقاء نفسه ومن دون أدنى إكراه، إلا أن النبي "صلى الله عليه وسلم" لم يقبل منه وأمره بأن يرجع إلى من أرسلوه أولاً ثم يرجع ـ حراً مختاراً ـ إن شاء .. ومن دون أن يكون رسولاً .. وذلك حتى لا يُقال أن محمداً ـ حاشاه ـ يحبس الرسل.

وعن حذيفة بن اليمان "رضي الله عنه" قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حُسيل ـ والده ـ قال: فأخذَنا كفارُ قريش، قالوا: إنكم تريدونَ محمداً، فقلنا: ما نريدُه، ما نريدُ إلا المدينَةَ، فأخذوا علينا عهدَ اللهِ وميثاقِه لننصرفنَّ إلى المدينة ولا نقاتِلُ معَهُ، فأتينا رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" فأخبرناه الخبرَ، فقال: "انصرفا؛ نفي لهم بعهدِهم، ونستعينُ اللهَ عليهم"[[٤]] مسلم.

[٤] هذا الحديث من جملة الأدلة الدالة على جواز أن يكون فريق من المسلمين في عهد وأمانٍ مع طرف من المشركين المحاربين، يراعي عهده وأمانه له، وفريق آخر من المسلمين في حربٍ مع نفس هذا الطرف المشرك المحارب لانتفاء وجود العهد والأمان بينهما .. فما يلزم الفريق الأول لا يلزمه .. وما يلزمه لا يلزم الفريق الأول المعاهد

ونحو ذلك موقف الصحابي الجليل أبي بصير ومن معه من المؤمنين من مشركي قريش .. في الوقت الذي كان يوجد صلح وهدنة أمان بين النبي "صلى الله عليه وسلم" ومن معه من المؤمنين في المدينة وبين مشركي قريش .. وكان لكل فريق من الفريقين المؤمنين يلتزم بما يلزمه .. ومن دون أن ينكر النبي "صلى الله عليه وسلم" على الفريق الآخر قتالهم لمشركي قريش؛ لأنهم خارج دائرة الصلح المنعقد .. وخارج سلطانه .. وهذه المسألة على وضوحها، ووضوح الدليل عليها، لا يزال يُثار الشغب حولها من قبل بعض الجهلة!

وعن عمرو بن عبسةَ السَّلمي قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "مَن كان بينَهُ وبينَ قومٍ عهدٌ فلا يَشدُّ عُقدةً، ولا يَحُلُّها حتى ينقضِيَ أمَدُها، أو يَنْبِذَ إليهم على سواء"[[٥]].

[٥] صحيح سنن أبي داود: ٢٣٩٧.

وعن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ "صلى الله عليه وسلم": "إن كُنتُم تُحبون أن يُحبَّكُم اللهُ ورسولهُ فحافظوا على ثلاثِ خِصالٍ: صِدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وحسنِ الجوارِ"[[٦]].

[٦] رواه الخلعي في الفوائد، وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٩٩٨.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانَك"[[٧]].

[٧] أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: ٤٢٣. من فوائد هذا الحديث أن المعاملة لا تكون بالمثل على الإطلاق؛ فما كان محرماً لذاته ـ كالخيانة، والغدر، والسرقة وغيرها ـ لا يجوز اللجوء إليه أو القيام به من قبيل معاملة الطرف الآخر بالمثل، والعدوان عليه بمثل ما اعتدى.

وعن أنس بن مالك قال: ما خطَبنا رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" إلا قال: "لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له"[[٨]].

[٨] أخرجه أحمد، والبزار، والطبراني في الأوسط، صحيح الترغيب والترهيب: ٣٠٠٤.

عن المقداد بن معد يكرب، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "ألا لا يحلُّ ذُو نابٍ من السِّباع، ولا الحمارُ الأهلي، ولا اللقطَةُ من مالِ مُعاهدٍ إلا أن يَستغني عنها"[[٩]].

[٩] صحيح سنن أبي داود: ٣٢٢٩. إذا كانت اللقطة التي تُرمى وتسقط من المعاهد لا يجوز أخذها، وهي لا تحل لمن يلتقطها إلا بإذن صاحبها المعاهد .. فكيف ببقية حرماته الأخرى الأغلظ والأشد لا شك أن مراعاتها أوكد، وأعظم!

وعن سُليمان بن بُرَيدَة، عن أبيه، قال: كان رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" إذا أمَّرَ أميراً على جيشٍ أو سريَّةٍ، أوصاهُ في خاصَّتهِ بتقوى الله "جل جلاله" ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفَرَ بالله، اغزوا ولا تَغُلُّوا، ولا تغدِرُوا، ولا تَمْثُلُوا، ولا تقتلوا وليداً" مسلم.

عن عبد الله بن عمر، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إن الغادر يُنصب له لواءٌ يوم القيامة فيُقال: هذه غدرة فلان بن فلان "متفق عليه.

وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال "صلى الله عليه وسلم": "لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يُعرَف به "متفق عليه.

وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لكل غادرٍ لواءٌ عند أسته يوم القيامة" مسلم. وفي رواية: "لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يُرفع له بقدر غدره" مسلم.

وعن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إذا جَمعَ اللهُ الأولين والآخرين يومَ القيامةِ، رُفِعَ لكل غادرٍ لواء، فقيل: هذه غَدْرةُ فلان بن فلان"[[١]].

[١] رواه أحمد، وقال الشيخ شاكر في التخريج ٧/٣١: إسناده صحيح.

وعن عمرو بن الحمق الخزاعي، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "من أمّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً"[[٢]]. وفي رواية: "مَن أمَّن رجلاً على دمه فقتله فإنه يحمل لواء غدرٍ يوم القيامة"[[٣]].

[٢] رواه النسائي وابن ماجه، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٤٤٠.

[٣] السلسلة الصحيحة: ٤٤٠.

وعنه، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إذا اطمأنَّ الرجلُ إلى الرجلِ ثمَّ قتلَهُ بعد ما اطمأنَّ إليه، نُصِبَ له يومَ القيامةِ لواءُ غدرٍ"[[٤]].

[٤] رواه الحاكم، صحيح الجامع: ٣٥٧.

أفاد الحديث: أن أي عملٍ يحمل الرجل على أن يطمئن للرجل أو الطرف الآخر؛ فهو نوع عهد وأمان ـ وإن لم يرافقه تصريح باللسان ـ لا يجوز الغدر به

وعن أبي بكرة قال، قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من قَتل نفساً معاهدة بغير حِلِّها، حرَّم الله عليه الجنَّة أن يشمَّ ريحها"[[٥]].

[٥] صحيح سنن النسائي: ٤٤٢٣.

وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "مَن قتلَ قتيلاً من أهل الذمَّة، لم يجد ريحَ الجنَّة، وإن ريحها ليوجدُ من مسيرةِ أربعين عاماً"[[٦]].

[٦] صحيح سنن النسائي: ٤٤٢٥.

قلت: هذا الحديث ونحوه هو الذي حافظ على من دخل من اليهود والنصارى في ذمة وعهد وأمان المسلمين في ديارهم، ومن دون أن يُمسوا بأذى أو سوء، وعلى مدار مئات السنين .. وإلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة .. والفضل في ذلك كله عائد لتوجيهات وأوامر الحبيب محمد "صلى الله عليه وسلم" .. فله من أمته كل السمع والطاعة .

ومع ذلك نراهم ـ في هذه الأيام ـ يُقابلون هذا النبل والخلق والفضل بالطعن والتهكم بشخص وجناب النبي "صلى الله عليه وسلم" . أهكذا يُقابل المعروف .. وهكذا يكون جزاء الإحسان .. أهكذا يُعامَل من حافظ ـ ويُحافظ ـ عليكم وعلى حقوقكم وحرماتكم وأنتم تعيشون بين أظهر المسلمين في ديارهم؟!!

وعنه، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من قتل معاهداً لم يُرح رائحة الجنة ـ أي لم يشمها ـ وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً" البخاري.

وفي رواية: "من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً" البخاري.

وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من قتل مُعاهِداً في غير كُنْهِهِ حرَّم اللهُ عليه الجنَّةَ"[[٧]].

[٧] صحيح سنن أبي داود: ٢٣٩٨. وقوله " في غير كنهه"؛ قيل: وقته، وقدْرُه، وقيل غايته؛ يعني من قتله في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله ( النهاية ).

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "قالَ اللهُ: ثلاثةٌ أنا خَصمُهُم يومَ القيامة: رجلٌ أعطى بيَ ثمَّ غدَر، ورجلٌ باعَ حُرَّاً ثم أكلَ ثمنَه، ورجلٌ استأجرَ أجيراً فاستوفى مِنْهُ ولم يُعْطِهِ أجرَه" البخاري[[٨]].

[٨] قوله " أعطى بي ثم غدر"؛ أي أشهد الله على عهده وموثقه، وأمَّن الطرف المقابل بأمان الله له، ثم بعد ذلك يغدر به .. فهذا ممن يكون الله تعالى خصمهم يوم القيامة، وأنَّى لعبدٍ أن يُخاصم ربه!

ولو تأملنا الصنفين الأخيرين: الذي يبيع الحر ثم يأكل ثمنه .. والآخر الذي لا يُعطي الأجير أجره .. نجد أن ذنبيهما ـ على اختلافهما ـ يشتركان في صفة واحدة؛ ألا وهي صفة الغدر؛ فالأول يغدر بالحر، والثاني يغدر بالأجير وتعبه وحقه؛ أي أن الأصناف الثلاثة الذين يخاصمهم الله تعالى يوم القيامة رغم اختلاف ذنوبهم وجرائمهم إلا أنهم جميعاً يشتركون في صفة الغدر .. فالغدر سمة الأطراف الثلاثة!

وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "ما نقضَ قومٌ العهدَ قطُّ؛ إلا كان القتلُ بينهم، وما ظهرت الفاحِشة في قومٍ قطُّ إلا سلَّط اللهُ عليهم الموتَ، ولا منعَ قومٌ الزكاةَ؛ إلا حبسَ اللهُ عنهم القَطرَ"[[٩]].

[٩] رواه الحاكم والبيهقي، السلسلة الصحيحة: ١٠٧.

وعن ابن عباس، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال" ما نقضَ قومٌ العهدَ إلا سُلِّطَ عليهم عدوُّهم"[[١٠]].

[١٠] رواه الطبراني، صحيح الجامع: ٣٢٤٠. لذلك قلنا أكثر من مرة ـ وفي أكثر من موضع ـ : يخشى على المجاهدين، وجهادهم من عواقب الغدر ـ إن بدر منهم شيء من ذلك ـ أكثر مما يُخشى عليهم من عدوهم وأسلحته الفتاكة .. فالحذر الحذر!

وعن عبد الله بن عمر، قال: أقبل علينا رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: "يا معشرَ المهاجرين! خمسٌ إذا ابتُليتُم بهنَّ، وأعوذ بالله أن تُدركوهُنَّ ـ منها ـ: ولم يَنقُضوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه، إلا سَلَّطَ اللهُ عليهم عدوَّاً من غيرِهم، فأخَذوا بعضَ ما في أيدِيهم"[[١١]].

[١١] صحيح سنن ابن ماجه: ٣٢٤٦.

وقال "صلى الله عليه وسلم": "لَنْ يَهلكَ الناسُ حتى يَغْدِرُوا"[[١٢]].

[١٢] صحيح سنن أبي داود: ٣٦٥٣.

قال تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} البقرة:٢٧.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَارِ}[[١]] الرعد:٢٥.

[١] قال القرطبي في التفسير: قال سعد بن أبي وقاص: والله الذي لا إله إلا هو إنهم الحرورية ا- هـ. يعني الخوارج، الذين عُرِفوا باستخفافهم ونقضهم للعهود .. ثم يُتبعون ذلك بالفساد في الأرض، والسطو على الحرمات والحقوق، بذريعة انتفاء العهد والأمان!

وقال ابن كثير في التفسير: هذا حال الأشقياء وصفاتهم وذكر ما لهم في الآخرة ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون .. كما ثبت في الحديث: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان " وفي رواية: "وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر". ولهذا قال: {أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} وهي الإبعاد عن الرحمة {وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} وهي سوء العاقبة والمآل.

وقال أبو العالية في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ}، قال هي ست خصال في المنافقين إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يُوصَل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا ا- هـ.

وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدَر، وإذا خاصمَ فجر" متفق عليه.

وفي رواية عند مسلم: "أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خِلَّةٌ منهنَّ كانت فيه خِلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا عاهدَ غدر، وإذا وعَد أخلف، وإذا خاصم فجر"[[٢]].

[٢] قال الخطابي: معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تُفضي به إلى حقيقة النفاق ا- هـ.

التعامل مع من يدخل في ذمة وعهد وأمان المسلمين برفق ورحمة، وعدل، وإحسان، وخُلُقٍ حسن[[١]].

[١] وهذا كله لا يتعارض مع عقيدة الولاء والبراء في الإسلام، كما يتوهم البعض، فكثير من النصوص التي تدعو إلى الشدة والغلظة على الآخرين من غير المسلمين؛ عند التأمل تجد أن المراد منهم المشركين المحاربين، ومواضعها ميادين وساحة الحرب والقتال

ولساحات الحرب والقتال أحكامها وأخلاقها الخاصة، ولساحات العهد والأمان أحكامها وأخلاقها الخاصة بها، لا يخلط بين الساحتين، وبين أحكام وأخلاقيات الساحتين إلا جاهل .. وهذا الخلط ـ الذي يحصل أحياناً ـ بين أحكام الساحتين وما تستدعي كل ساحة من معاملة خاصة بها .. هو السبب الرئيسي وراء ما نشهده من ظلم وسلوكيات خاطئة تحصل أحياناً ـ باسم الإسلام ـ هنا وهناك!

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} المائدة:٨.

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} النحل:٩٠.

وقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ}[[٢]] التوبة:٦.

[٢] فقوله {فَأَجِرْهُ}، يفيد الوجوب .. ومن لوازم الإجارة الحماية .. والاستضافة .. والإحسان .. والمعاملة الحسنة .. وبذل كل خيرٍ يؤلف قلبه على الإسلام .. والإجارة من دون مراعاة هذه الطريقة الحسنة في المعاملة .. لا تؤدي الغرض من وراء سماعه لكلام الله عز وجل.

وفي الحديث، عن أنس بن مالك، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "والذي نفْسِي بيده، لا يَضعُ اللهُ رحمتَه إلا على رحيمٍ". قالوا: كُلُّنا يَرْحَمُ. قال: "ليس برحمة أحدِكم صاحبَهُ؛ يرحمُ النَّاسَ كافَّةً"[[٣]].

[٣] السلسلة الصحيحة: ١٦٧. وقوله "صلى الله عليه وسلم" " يرحم الناس كافَّة"؛ شامل للمسلم وغير المسلم.

وعن جرير بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "مَن لا يرحم الناسَ، لا يرحمهُ اللهُ"[[٤]].

[٤] صحيح الأدب المفرد: ٧١.

عن صفوان بن سليم، عن عِدةٍ ـ وقال البيهقي: ثلاثين ـ من أبناء أصحاب رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" عن آبائهم عن رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "ألا من ظلمَ معاهداً، أو انتقصه، أو كلَّفه فوقَ طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيبِ نفسٍ، فأنا حَجِيجُه يومَ القيامة"[[٥]].

[٥] أخرجه أبو داود، والبيهقي، السلسلة الصحيحة: ٤٤٥.

وفي رواية: "ألا مَن ظلَمَ معاهداً، أو انتقصه حقَّه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسٍ منه، فأنا حجيجه يوم القيامة"[[٦]].

[٦] صحيح الجامع الصغير: ٢٦٥٥.

قلت: هذا الحديث وغيره يُفيد تحريم مُطلق الظلم؛ بما في ذلك غيبته وتناول عِرضه بالكلام البذيئ والسيء .. فالظلم ليس محصوراً فقط على الجانب المادي دون المعنوي؛ بل الجانب المعنوي منه يكون في كثير من الأحيان أشد من الظلم ذي العلاقة بالجانب المادي ..

وكنت قد سمعت لأحد الشيوخ الكبار المعاصرين، وهو يجيب عن سؤال: هل يجوز غيبة الكافر ..؟ فأجاب من فوره، نعم يجوز .. ومن دون أن يُميز بين الكافر المحارب، وما يستحقه من معاملة، والكافر المعاهد وما يستحقه من معاملة مختلفة .. وهذا ـ عما يبدو ـ خطأ شائع، لذا عنيناه بالتنبيه!

وعن العِرباض بن سارِية "رضي الله عنه": أنَّ صاحبَ خيبرَ جاءَ إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، فشَكا إليه بعض ما يلقون، فأمر الناسَ فاجتمعوا، وخطَبهُم، فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "وإن الله لم يُحلََّ لكم أن تدخُلوا بيوتَ أهلِ الكتاب إلا بإذنٍ، ولا ضربَ نسائهم، ولا أكل ثمارِهم إذا أعطوكم الذي عليهم"[[٧]].

[٧] رواه أبو داود، وقال ابن كثير في إرشاد الفقيه ٢/٣٤٣: إسناده صالح، وهو دليل على: أنه يجب على الإمامِ أن يدفع عن الذِّمةِ أذيّةً من جهة المسلمين ا- هـ.

وعن عروة بن الزبير، أن هشاماً بن حكيم بن حزام، وجدَ رجلاً ـ وهو على حمص ـ يُشمِّسُ ناساً من القِبْطِ في أداء الجزية، فقال: ما هذا؟! سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الذينَ يُعذِّبون الناسَ في الدُّنيا"[[٨]].

[٨] صحيح سنن أبي داود: ٢٦٢٥. وقوله " يُشمِّسُ ناساً"؛ أي يجعلهم يقفون في الشمس طويلاً من غير ظِلٍّ من أجل دفع الجزية!

وعن سعيد بن جبير، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا تصَدَّقوا إلا على أهلِ دينِكُم"، فأنزل الله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} إلى قوله {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ} البقرة:٢٧٢. قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "تصدَّقوا على أهلِ الأديان"[[٩]].

[٩] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، السلسلة الصحيحة: ٢٧٦٦. مما يُستفاد من الحديث: جواز مشاركة ومساهمة المسلمين في التبرع والتصدق على الشعوب من غير المسلمين ـ من ذوي الحاجة ـ الذين تنزل بساحتهم البلايا والكوارث الطبيعية.

وعن عبد الله بن عمرو، أنه ذُبحت له شاةٌ، فجعل يقول لغلامِه: أهديتَ لجارنا اليهودي؟ أهديتَ لجارنا اليهودي؟ سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنَّه سيورِّثُه"[[١٠]].

[١٠] صحيح الأدب المفرد: ٧٨.

وعن أنس "رضي الله عنه"، قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخدمُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم"، فمرض فأتاهُ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" يعودُهُ، وقَعدَ عند رأسِهِ، فقال له: "أَسْلِم"، فنظرَ إلى أبيه وهو عندَهُ، فقال: أَطِع أبا القاسِم، فأَسلَمَ، فخرجَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" وهو يقول: "الحمدُ لله الذي أنقَذَهُ من النار"[[١١]] البخاري.

[١١] فيه جواز عيادة مرضى غير المسلمين ما انتفت المنكرات، ورُجي الخير وتأليف قلوبهم إلى الإسلام .. وبخاصة من كان منهم له سابقة معروف أو خدمة للمسلمين، أو لشخص الزائر المسلم.

وعن أبي عثمان النهدي، قال: كتبَ أبو موسى إلى رُهبانٍ يُسلِّم عليه في كتابه، فقيل له: أتُسلِّمَ عليه وهو كافر؟ قال: "إنه كتبَ إليَّ فسلَّمَ عليَّ، فرددتُ عليه"[[١٢]].

[١٢] صحيح الأدب المفرد: ٨٣٧. فيه دليل على جواز رد السلام أو ابتداء السلام كتابة لغير المسلمين، بنفس عبارتهم، من قبيل المقابلة والمعاملة بالمثل .. فيُرد على الطرف المقابل الكافر كتابة بالنفس العبارة التي سلَّم بها أو ابتدأ بها رسالته .. فهذا لا حرج فيه.

وعن ابن عباس قال: ردُّوا السلامَ على من كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً؛ وذلك أن الله يقول: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} النساء:٨٦[[١٣]].

[١٣] صحيح الأدب المفرد: ٨٤٣. فيه أن هذه الآية الكريمة مطلقة؛ فهي تُحمَل على كل من يرمي السلام أو يُحيِّي بتحية معينة، سواء كان مسلماً أم غير مسلم .. يُرد عليه بمثل تحيته وأحسن.

وعنه، قال: "لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، قلت: وفيك، وفرعون قد مات"[[١٤]].

[١٤] صحيح الأدب المفرد: ٨٤٨. وذلك كله من قبيل المقابلة، والمعاملة بالمثل .. فهم ليسوا أفضل منا، ولا أحسنَ منا لبَاقةً وأدباً، ولا أسرعَ منا إلى الشكر وفعل المعروف والخيرات.

ومن حقوق أهل الذمة أن لا يُكرهوا على الدخول في الإسلام وترك دينهم، وأن يُقاتَل عنهم، ومِن ورائِهم، ودون حرماتهم، إن كان عهدهم دائماً من جهة الذمة التي من موجبها دفع الجزية للمسلمين.

قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} البقرة:٢٥٦.

ومن وصَايا النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" لأمراء الجيوش والجند، كما في حديث بُريدَة المتقدم: "وإذا لقيتَ عدوَّك من المشركين فادعهم إلى ثلاثِ خصالٍ ـ أو خِلالٍ ـ منها: فإن هم أبَوا ـ أي الدخول في الإسلام ـ فسَلْهُم الجزيةَ، فإن هم أجابوكَ فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإن هم أبَوا فاستعن بالله وقاتلهم" مسلم.

وقال عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" في وصيته: "وأُوصي الخليفة بعدي بِذمّة الله، وذِمّةِ رسولِه؛ أن يُوفي لهم بعهدِهم، وأن يُقاتِل مِن ورائِهم، ولا يُكلَّفوا إلا طاقَتهم" البخاري.

وعن غُرْفَةَ بنِ الحارثِ الكِنديّ "رضي الله عنه": أنه مرَّ به نصرانيٌّ، فدعاه إلى الإسلام، فتناول النبي "صلى الله عليه وسلم" وذكرَهُ، فرفَعَ غُرفَةُ يدَه فدقَّ أنفَه، فرُفِعَ إلى عمرو بن العاص، فقال عمرو: أعطيناهم العهدَ؟ فقال غُرفَةُ: معاذَ اللهِ أن نكونَ أعطيناهم على أن يُظهروا شتمَ النبيِّ "صلى الله عليه وسلم"، إنما أعطيناهم على أن نُخلّيَ بينهم وبينَ كنائِسهم يقولون فيها ما بَدا لهم، وأن لا نُحمِّلَهم ما لا يُطيقون، وإن أرادهم عدوٌّ قاتلناهم مِن ورائهم، ونُخلّي بينهم وبين أحكامِهم، إلا أن يأتونا راضين بأحكامِنا، فنحكم بينهم بحكم الله وحكم رسولِه، وإن غيَّبوا عنّا لم نَعْرِضْ لهم، فقال له عمرو: صدقت، وكان غرفةُ له صحبةٌ[[١]].

[١] قال ابن كثير في إرشاد الفقيه ٢/٣٤٦: رواه البيهقي بإسنادٍ صحيح. وقال: "ورُويناه من وجه آخر من هذه الطرق، وفيه: "أن غُرَفةَ لما دعاه إلى الإسلام، غَضِبَ وسبَّ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم"، فقتله غُرفةُ .."ا- هـ.

عن كعب بن مالك "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إذا افتتحتم مصرَ فاستوصُوا بالقبطِ خيراً؛ فإنَّ لهم ذِمَّةً ورحماً"[[١]].

[١] أخرجه الحاكم، وغيره، السلسلة الصحيحة: ١٣٧٤.

ورحمهم جاء من جهة صلتهم بمولاة رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وأَمَتِه، وأم ولده إبراهيم "عليه السلام"، الصالحة التقية الطاهرة النقية "مارية القبطية"، هدية مقوقس مصر القبطي إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم". توفيت في المحرم من سنة ست عشرة للهجرة، ودُفِنَت في البقيع، وصلى عليها الفاروق عمر "رضي الله عنه"، وكان بنفسه يحشر الناس لشهود جنازتها رضي الله عنها ..

وقيل أن رحمهم جاء من جهة أن أم إسماعيل منهم، قلت: ولا يمنع أن يكون منهما معاً، من جهة "أم إبراهيم" وأم إسماعيل، فهذا مما يُغلِّظ ويشدد الصلة والرحم، وفي الحديث، عن ابن عباس، قال: لما مات إبراهيم ابن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" صلى رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم"، وقال: "إنَّ له مُرْضِعاً في الجنَّة، ولو عاشَ لكان صِدِّيقاً نبيَّاً، ولو عاشَ لعتَقَتْ أخوالُهُ القِبطُ، وما استُرِقَّ قِبطيٌّ" قال الشيخ ناصر: صحيح دون جملة العتق، صحيح سنن ابن ماجه: ١٢٢٧.

وعن أم سلمة "رضي الله عنها"، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" أوصى عند وفاته فقال: "الله الله في قِبطِ مصر؛ فإنَّكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عُدَّةً وأعواناً في سبيلِ الله"[[٢]].

[٢] أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة: ٣١١٣.