القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

الخاتمة

هذه الحقوق جاء بها الإسلام قبل أكثر من ألفٍ وأربعمائة عام؛ يوم أن كانت الأرض غابةً مليئة بالوحوش الآدمية يأكل ويستعبد فيها القوي الضعيف .. لا حقوق ولا حرمة للضعفاء من بني البشر أمام سطوة وشهوة ورغبات القوي .. ولا قانون ولا قيم ولا مبادئ تنظم حياتهم .. ويرجعون إليها .. سوى قيمة الشهوة .. وكيف يلبون نداءاتها وطغيانها .. وأنَّى لها أن ترتوي مع غياب القيم الأخلاقية التي تُبصّر الإنسان بعيوبه، وعيوب ما يصنع!

جاء الإسلام بهذه الحقوق والقيم .. يوم أن كانت الوثنية ـ بكل ما تعني الوثنية من معنى ـ هي الضاربة والمتمكنة في الأرض .. الخروج عليها .. وإنكارها .. كان بمثابة ضرب من الجنون والتهور .. والخروج عن المألوف والقانون الذي أجمع عليه الوثنيون المشركون!

جاء الإسلام بهذه الحقوق والقيم .. يوم أن كان الحديث ـ مجرد الحديث ـ عن الحقوق وقيم العدل .. والحق .. والرحمة .. عُرضة للتهكم والسخرية والاستهزاء .. ومدعاة لاستعداء الطواغيت الظالمين المتنفذين في الأرض!

جاء الإسلام بهذه الحقوق والقيم .. فكانت بمثابة الروح التي أحيت في الإنسان معاني الخير، والحق، والعدل، والرحمة فطهرته من أدران الشرِّ والكفر والفجور، والظلم .. كما يُطهر ويغسل ماء المطر الدَّرَنَ من على وجه الأرض فأعادته إلى فطرته السليمة التي فُطر عليها .. وذكرته بمكامن الخير في نفسه .. وبالغاية من وجوده في هذه الحياة.

والبشرية المعاصرة رغم كل ما تدَّعيه من تطور وصلت إليه في مجال العلوم الإنسانية .. وحقوق الإنسان .. فهي لا تزال ـ ولن تزال ـ تقتات وتغترف من تلك الحقوق والقيم التي جاء بها الإسلام ـ قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام ـ سواء اعترفت بذلك أم لم تعترف .. وسواء ردت الفضل في ذلك إلى الإسلام أم لم ترد .. والمنكرون الجاحدون لهذه الحقيقة الساطعة هم الأكثرية ـ وللأسف ـ من أولئك الباحثين الحقوقيين المتحاملين!

والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه .. والذي ينبغي أن يقف عنده بتأمل وإجلال وإكبار كل منصف وعاقل .. أليس كل هذا الذي تقدم ذكره يدل على أن النبي الأمي محمد "صلى الله عليه وسلم" ـ الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ـ الذي جاء بهذه الحقوق والقيم النبيلة .. هو رسولُ الله .. وأن ما جاء به إنما هو وحي من عند الله تعالى .. وليس من عند نفسه؟!

البشرية المعاصرة بكل مؤسساتها الأممية والمحلية .. وما أوتيت من قوة نفوذ ووسائل .. لكي تعمم أو تفرض حقاً من الحقوق .. أو قانوناً من القوانين الإنسانية .. فهي تحتاج إلى عشرات السنين .. لكي تُقنع به الناس .. أو تفرضه على الناس .. إضافة إلى ذلك فهي تحتاج إلى زرع آلاف الكاميرات الخفية منها والمعلنة في كل مدخل ومخرَج، وكل زاوية من زوايا الطرق والأزقة .. لتراقب مدى التزام الناس بهذه القيم أو القوانين الأخلاقية

ومع ذلك تجد غير الملتزمين بتلك القوانين أو القيم، والمتفلِّتين منها ـ رغم رسميتها واعتمادها لدى الهيئات والمنظمات الرسمية العالمية ـ أكثر بكثير ممن يلتزمون بها .. بينما النبي محمد "صلى الله عليه وسلم" .. وهو النبي الأمي الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة .. ولا يملك شيئاً من تلك الوسائل التي تملكها الهيئات والمؤسسات الإنسانية المعاصرة .. استطاع ـ بإذن الله ـ خلال ثلاثة وعشرين عاماً أن يُغير مجرى الإنسانية والتاريخ من على وجه الأرض في مجال الحقوق بعامة، وحقوق الإنسان بخاصة .. وفي مجال الالتزام بتلك الحقوق والقيم .. وأن يجعل مئات الملايين من البشر يلتزمون في أنفسهم وضمائرهم تلك القيم والحقوق .. قبل أن يلتزموها في واقع حياتهم .. وفي حياتهم العملية!

ألا يدل ذلك ـ عندك أيها القارئ المنصف ـ على أن هذا النبي الأمِّي .. هو رسول الله بحق .. وأن ما صنعه للبشرية على مستوى الحقوق والقيم الإنسانية النبيلة .. في تلك الفترة الوجيزة من السنوات .. لا يمكن أن يحصل إلا من نبيٍّ مُوفَّق ومسدَّدٍ بوحي من الله تعالى؟!

وإلى هؤلاء الذين لا يزالون يعيشون الشَّكَّ والتَّرددَ ـ من الأُمم الأوربية ـ بصدقِ نبوَّةِ محمدٍ "صلى الله عليه وسلم" .. على الأقل .. ألا يستحق منكم هذا النبي العظيم .. الاحترام والتقدير والإجلال ـ لما قدَّمه لكم وللإنسانية جمعاء من قيم أخلاقية حضارية راقية .. كنتم وغيركم غافلين عنها دهراً طويلاً .. وإلى الساعة لا تزال البشرية تقتات منها وتغترف ـ وأن تقولوا لسفهائكم المستهزئين .. كُفُّوا استهزاءَكم وسفَهَكُم .. وجهلَكُم .. أنتم مُخطئون، بل ومجرمون باستهزائكم من هذا الإنسان العظيم؟!

صدق الله العظيم: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} الحج:٤٦.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.