القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

حقُّ الله تعالى على عباده أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً، وهو الغاية التي لأجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب

قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} النساء:٣٦.

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات:٥٦. [١]

[١] نفي بعده أداة استثناء تفيد الحصر والقصر؛ أي لم يخلق الله الجن والإنس لشيءٍ "إلا" لغاية واحدة فقط؛ وهي أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً .. والمراد من العبادة هنا العبادة الشاملة لجميع ما يحبّه الله "جل جلاله" ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة .. والشاملة لجميع المساحة الزمنية التي يعيشها الإنسان، من المهد إلى اللحد، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام:١٦٢-١٦٣.

قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} التوبة:٣١. [٢]

[٢] يُقال في هذه الآية كذلك ما قيل في الآية التي قبلها؛ أي أن الله تعالى لم يأمر العباد بشيء، ولم يلزمهم بشيء، ولا يريد منهم شيئاً إلا شيئاً واحداً فقط، وهو أن يعبدوه سبحانه ولا يشركوا به شيئاً .. طلبٌ سهل لمن سهله الله له .. ومع ذلك فالأقل هم الذين يؤدونه .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} البينة:٥.

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} النور:٥٥. [٣]

[٣] الاستخلاف في الأرض، والتمكين بعد ضعف، واستبدال الخوف بالأمن والأمان .. كل هذا الخير والعطاء والمَن مقابل {يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} ... وعليه فقد خاب وخسر من يطلب النصر والتمكين للأمة عن غير طريق تحقيق التوحيد، والالتزام بالتوحيد .. وما أكثر التجارب المعاصرة التي باءت بالفشل لتنكبها هذا الطريق، وعدم اكتراثها به.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} الأنبياء:٢٥.

قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} العنكبوت:٥٦.

قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} النحل:٣٦.

وفي الحديث، عن معاذ بن جبل، قال: قال النبي "صلى الله عليه وسلم": "يا معاذ أتدري ما حقُّ الله على العباد؟" قال: الله ورسوله أعلم. قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حقهم عليه؟" قال: الله ورسولُه أعلم. قال: "أن لا يعذبهم"[[٤]].

[٤] ومن لا يعذبه يُدخله جنَّته؛ فالمنازل يوم القيامة منزلان لا ثالث لهما: إما عذاب وجحيم، وإما نعيم وجنان.

وعن جابر، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ثنتان موجبتان[[٥]]" قال رجل: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يُشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يُشرك بالله شيئاً دخل النار".

[٥] أي توجبان على صاحبهما ما يستحق من وعد أو وعيد.

وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رجل: يا رسول الله! أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: "أن تدعو مع الله نداً[[٦]] وهو خلقَك" قال: ثم أي؟ قال: "أن تقتلَ ولدَك خشيةَ أن يَطعمَ معك" قال: ثم أي؟ قال: "أن تُزاني حَلِيلَةَ [[٧]]جارِك".

[٦] أي مثيلاً ونظيراً؛ ومن صور ذلك أن تصف مخلوقاً ـ أياً كان شأن هذا المخلوق ـ بصفة هي من صفات وخصوصيات الله تعالى وحده؛ كأن تجعل أمر التشريع والتحليل والتحريم حقاً خالصاً لشخص معين، أو هيئة، أو مجلس .. من دون الله عز وجل .. أو أن تجعل إنساناً معيناً فوق المساءلة والمعاتبة فيما يفعل ويصدر عنه .. بينما الذي لا يُسأل عما يفعل هو الله تعالى وحده .. أو أن تعتقد في مخلوق معين أنه يعلم الغيب .. أو أنه يكشفُ الضر ويجلب النفع من دون الله .. بينما الذي يعلم الغيب .. ويكشف الضر ويجلب النفع هو الله تعالى وحده، كما قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} الأنعام:٥٩. وقال تعالى: {فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ} يونس:٢٠. وقال تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} النمل:٦٥.

[٧] أي زوجة جارك.

وعن أبي هريرة، قال: أتى أعرابي النبيَّ "صلى الله عليه وسلم"، فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: "تعبدُ اللهَ ولا تُشرك به شيئاً، وتقيمُ الصلاةَ المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصومُ رمضانَ"، قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئاً ولا أنقص منه. فلما ولى، قال النبي "صلى الله عليه وسلم": "من سرَّه أن ينظرَ إلى رجلٍ من أهلِ الجنَّةِ، فلينظر إلى هذا" متفق عليه.

وعن أنس، أن النبي "صلى الله عليه وسلم"، ومعاذ رديفه على الرحل، قال: "يا معاذ" قال: لبيك يا رسولَ الله و سعديك، قال: "يا معاذ" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ـ ثلاثاً ـ قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، صِدقاً من قلبه[[٨]]، إلا حرمه الله على النار". قال: يا رسول الله! أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟ قال: "إذاً يتَّكلوا[[٩]]". فأخبرهم بها معاذ عند موته تأثماً[[١٠]].

[٨] من مستلزمات الصدق أن لا يأتي بما ينافي شهادة التوحيد وينقضها بقولٍ أو فعلٍ أو اعتقاد.

[٩] أي يتكلوا على شهادة التوحيد، ويتركوا العمل؛ فيهلكوا.

[١٠] أي خشية أن يقع في إثم كتمان العلم، والحديث متفق عليه.

وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من شهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبدُه ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله ورسولُه، وابنُ أَمَتِه وكلمته ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه، والجنة والنار حق، أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان من العمل[[١١]]".

[١١] أي على ما أسلف من عمل؛ ما لم يكن هذا العمل ـ فعله أو تركه ـ كفراً وشركاً، والحديث متفق عليه.

وعن معاذ، قال: قلت يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار. قال: "لقد سألت عن أمر عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبدُ الله ولا تُشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت". ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصومُ جُنَّةٌ، والصدقةُ تُطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار[[١٢]]، وصلاة الرجل في جوف الليل". ثم قال: "ألا أدلك برأس الأمر وعموده، وذروة سنامه؟" قلت بلى يا رسول الله، قال: "رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاة[[١٣]]، وذروةُ سَنامه الجهاد". ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟" قلت: بلى يا نبيَّ الله! فأخذ بلسانه فقال: "كُفَّ عليك هذا[[١٤]]". فقلت يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: "ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يُكِبُّ الناسَ في النارِ على وجوههم، أو على مناخرهم، إلاحصائدُ ألسنتهم[[١٥]]".

[١٢] أي تمحو الخطيئة، وتزيل آثارها، كما يفعل الماء بالنار.

[١٣] وبناء بلا عمود و أساس لا يقوم ولا يتماسك؛ لذلك فقد صح عن النبي "صلى الله عليه وسلم" أن تارك الصلاة كافر.

[١٤] أي احفظ عليك لسانك من أن ينطق إلا بحق أو صدق، وجنبه قول الزور، والغيبة والنميمة.

[١٥] رواه أحمد والترمذي، وابن ماجه، مشكاة المصابيح:٢٩.

وعن أبي الدرداء قال: أوصاني خليلي[[١٦]]: "أن لا تُشرِك بالله شيئاً وإن قُطِّعتَ أو حُرِّقت[[١٧]]، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمداً، فمن تركها متعمداً فقد برئت منه الذمة، ولا تشرب الخمر؛ فإنها مفتاحُ كلِّ شرٍّ"[[١٨]].

[١٦] فيه جواز خلة الأدنى للأعلى، بينما خلة الأعلى للأدنى فهي ممتنعة ومنتفية إلا بنص كثبوت خلة الله تعالى لنبييه إبراهيم ومحمد عليهما وعلى جميع الأنبياء والرسل أفضل الصلاة والسلام، وعليه يجوز للعبد أن يقول: محمد "صلى الله عليه وسلم" خليلي .. لكن لا يجوز أن يقول أنا خليل محمد "صلى الله عليه وسلم"؛ فالخلة من الصحابة للنبي "صلى الله عليه وسلم" ثابتة، بينما خلة النبي "صلى الله عليه وسلم" لأصحابه ولمن هم دونهم من المؤمنين منتفية، وإنما الثابت الصحبة والمحبة والأخوة والموالاة، فقد صح عن النبي "صلى الله عليه وسلم" أنه قال: "ولو كنت متخذاً خليلاً من أمتي لاتخذت أبا بكرٍ، ولكن أخوة الإسلام ومودته" البخاري.

[١٧] فيه أن الأخذ بالعزيمة أولى من الأخذ بالرخصة، إذا كان الإكراه على الكفر والشرك.

[١٨] رواه ابن ماجه، والبيهقي، صحيح الترغيب والترهيب:٥٦٦.

وعن أنسٍ، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجَد حلاوةَ الإيمان: أن يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحبه إلا لله، وأن يَكره أن يعودَ في الكفرِ بعد أن أنقذه الله منه كما يَكرهُ أن يُقذَفَ في النار" متفق عليه.

وعن ابن عباس، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "أوثقُ عُرى الإيمان: الموالاةُ في الله، والمعاداةُ في الله، والحبُّ في الله، والبُغضُ في الله"[[١٩]].

[١٩] أخرجه الطبراني وغيره، صحيح الجامع الصغير:٢٥٣٩.