القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

الشِّركُ يُحبطُ العملَ ويَمنع صاحِبَه من الانتفاعِ من عمَلِه يومَ القيامة

قال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} الزمر:٦٥.

وقال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الأنعام:٨٨.

وقال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} المائدة:٥.

وقال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} الفرقان:٢٣.

وفي الحديث، عن عائشة "رضي الله عنها"، قالت: قلت يا رسول الله ابن جَدْعَان كان في الجاهلية يَصلُ الرحمَ، ويُطعِمُ المسكين، فهل ذلك نافِعُهُ؟ قال: "لا ينفعه؛ إنه لم يقل يوماً: ربِّ اغفر لي خطيئتي يومَ الدين" "صلى الله عليه وسلم" مسلم.

وعن أنس بنِ مالكٍ قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مؤمناً حَسَنةً؛ يُعطِي بها في الدُّنيا، ويَجزِي بها في الآخِرَةِ، وأمَّا الكافِرُ فيُطْعَمُ بحسناتِ ما عَمِلَ بها للهِ في الدُّنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخِرةِ لم تَكُنْ لهُ حسنَةٌ يُجْزَى بها" مسلم.

وعن أبي هريرة، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا يَجتَمِعُ الإيمانُ والكُفرُ في قلبِ امرئٍ"[[١]].

[١] أخرجه ابن وهب في الجامع، السلسلة الصحيحة: ١٠٥٠. قلت: دل الحديث على استحالة اجتماع الإيمان النافع ـ الذي ينفع صاحبه يوم القيامة ـ والكفر في قلب امرئٍ واحد، فالقول بإمكانية اجتماعهما في قلب واحد كالقول بإمكانية اجتماع الشيء وضده في آنٍ معاً، وهذا مخالف للنقل والعقل، وعليه فإن وجود الإيمان النافع في القلب يلزم منه بالضرورة انتفاء الكفر، والعكس كذلك؛ إذا حلَّ الكفر في القلب انتفى الإيمان مباشرة، فوجود أحدهما يلزم منه انتفاء الآخر ولا بد .. لكن الذي يمكن قوله هنا: أن الإيمان النافع يمكن أن يجتمع مع الشرك الأصغر أو الكفر الأصغر أو الكفر دون كفر في قلب واحد، ومثاله المؤمنون الموحدون العصاة الذي يقترفون بعض الذنوب والكبائر التي هي دون الكفر أو الشرك الأكبر .. فأمثال هؤلاء إيمانهم ينفعهم يوم القيامة، بالنص والإجماع، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا الخوارج الذين يكفِّرون بكبائر الذنوب التي هي دون الكفر الأكبر .. وشذوذهم هذا باطل لا يؤبه له، ولا يُلتفت إليه، لمخالفته للنص والإجماع.

فإن قيل: كيف نوفق بين ما تقدم تقريره بعدم إمكانية اجتماع الإيمان والكفر في قلبٍ واحد، وبين قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} يوسف:١٠٦. فظاهر الآية أنهم آمنوا بالله وهم مشركون، فاجتمع في قلب أحدهم إيمانٌ وشِرك ..؟

أقول: هؤلاء آمنوا أو صدقوا بالربوبية وأشركوا بالألوهية؛ آمنوا بأن الله "جل جلاله" هو الخالق، لكن لم يؤمنوا بأن الله "جل جلاله" هو المعبود بحق في الأرض وفي السماء، لا شريك له في ألوهيته، كما قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون} العنكبوت:٦١.

وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} لقمان:٢٥.

فهؤلاء آمنوا بأن الله "جل وعلا" هو الخالق، لكنهم في العبادة عبدوا آلهة أخرى أو أشركوها في العبادة مع الله .. وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} الزمر:٣.

لذلك لما أرادوا أن يجمعوا بين النقيضين؛ بين الإيمان بالربوبية والشرك في الألوهية في آن واحد، قال تعالى عنهم: {فَأَنَّى يُؤْفَكُون}. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ}. إذ كيف يؤمنون بالربوبية ثم يُشركون في الألوهية فهذا صنيع وخلق المكذبين الذين لا يعلمون أن الإيمان بالربوبية من لوازمه الإيمان بالألوهية. وإيمان كهذا الإيمان لا ينفع صاحبه يوم القيامة، كما لا يجوز أن يُسمى صاحبه مؤمناً؛ لأن الشرك في الألوهية وفي العبادة يُحبطه ويُبطله .. ويبطل غيره من الأعمال .. ونحن حديثنا أعلاه عن استحالة اجتماع الإيمان النافع ـ الذي يُسمى صاحبه مؤمناً ـ مع الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر في قلب امرئٍ واحد، فتنبه لهذا!