القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

من شُروطِ صِحَّةِ العبادةِ وقبولها أن تكون خالصةً لوجهِ الله تعالى؛ فإن شابها الرياءُ بطُلَت ورُدَّت

قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً[[١]] وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[[٢]]} الكهف:١١٠.

[١] العمل الصالح هو العمل الموافق للسنة.

[٢] هو إخلاص العمل والعبادة لله "جل جلاله" وحده. ومنه قال أهل العلم ـ وقولهم حق ـ : أن أي عبادة أو عمل يُتعبد به إلى الله تعالى، يجب أن يُتوفر فيه شرطان لينال القبول عند الله، أولهما: أن يكون موافقاً للسنة، والثاني: أن يكون خالصاً لله تعالى وحده؛ فإن اختل شرط منهما بطُل العمل، ورُدّ على صاحبه.

وقال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} الكهف:٧.

قوله تعالى: {أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}؛ أي أيهم أصوب وأخلص عملاً.

وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} الملك:٢.

أي أيُّكم أصوبُ وأخلَصُ عملاً.

وفي الحديث، عن أبي أمامة الباهلي، قال: جاء رجلُ إلى النبي "صلى الله عليه وسلم" فقال: أرأيتَ رجلاً غزا يَلتمِسُ الأجرَ والذِّكرَ [[٣]] ما لَه؟ فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "لا شيءَ له"، ثم قال: "إن الله لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان له خالصاً وابتُغِيَ به وجهه"[[٤]].

[٣] أي السمعة والشهرة، وأن يتكلم عنه الناس.

[٤] رواه أبو داود، والنسائي، صحيح سنن النسائي: ٢٩٤٣.

وعن أبي هريرة، قال:قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إن أوَّلَ الناسِ يُقضَى عليه يوم القيامة رجلُ استُشهد؛ فأُتي به فعرَّفَهُ نعمتَه فعرَفَها، فقال: ما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدتُ. قال: كذبتَ؛ ولكنك قاتلتَ لأن يُقال: جريء، فقد قِيل، ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقِي في النار. ورجلٌ تعلَّم العلمَ وعلَّمَه، وقرأ القرآنَ، فأُتي به فعرَّفه نِعمَه فعرفَها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآن. قال: كذبتَ، ولكنك تعلمتَ العلمَ ليُقال إنك عالم، وقرأتَ القرآن ليُقال هو قارئ، فقد قِيل، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجههِ حتى أُلقِي في النار. ورجلٌ وسَّعَ اللهُ عليه وأعطاه من أصناف المالِ كُلِّهِ، فأُتي به فعرَّفه نعمَه فعرَفَها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن يُنفقَ فيها إلا أنفقتُ فيها لك. قال: كذَبتَ، ولكنك فعلتَ ليُقال: هو جواد؛ فقد قِيل، ثم أُمر به فسُحِب على وجهه ثم أُلقي في النار" مسلم.

وعن محمود بن لبيد، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إن أخوفَ ما أخافُ عليكم الشركَ الأصغر". قالوا: وما الشركُ الأصغرُ يا رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم"؟ قال: "الرياء؛ يقول الله "جل جلاله" إذا جزى الناسَ بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تُراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء"[[٥]].

[٥] رواه أحمد، وغيره، صحيح الترغيب والترهيب: ٢٩.

وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "قال الله "جل جلاله": أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عملَ لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشركَ"[[٦]].

[٦] رواه ابن ماجه وغيره، صحيح الترغيب: ٣١.

وعن أبي سعيد بن أبي فضالة، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة؛ ليوم لا ريب فيه، نادى مُنادٍ: من كان أشركَ في عمله لله أحداً، فليطلُب ثوابَه من عنده، فإن اللهَ أغنى الشركاءِ عن الشرك"[[٧]].

[٧] رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، صحيح الترغيب: ٣٠.

وعن الضحَّاك بن قيس قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ الله يقول: أنا خيرُ شريكٍ؛ فمن أشرك بي أحداً فهو لشريكي. يا أيها الناس! أخلصوا الأعمالَ لله؛ فإن الله "جل جلاله" لا يقبلُ من العملِ إلا ما خَلُصَ له، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم، وليس لله منه شيء، ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم، فإنه لوجوهكم، وليس لله منه شيء"[[٨]].

[٨] السلسلة الصحيحة: ٢٧٦٤.

وعن أبي موسى الأشعري قال: خطبنا رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" ذات يوم فقال: "أيها الناسُ! اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيبِ النَّملِ". فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتَّقيه وهو أخفى من دبيبِ النمل يا رسولَ الله! قال: "قولوا: اللهم إنَّا نعوذُ بك من أن نُشركَ بك شيئاً نعلمُه، ونستغفركَ لما لا نعلمه"[[٩]].

[٩] رواه أحمد، والطبراني، صحيح الترغيب: ٣٣.

فليحذر كلُّ امرئٍ لنفسه ودينه، وليراقِب نيَّتَه، ليُصلِح عَقدَها، فمناطُ الأمر كله على النيات؛ إذا صلحت صلح العمل، وإذا فسدت فسد العمل، كما في الحديث، عن عمر ابن الخطّاب "رضي الله عنه" قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امرئٍ ما نَوَى، فمَن كانت هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورسولِه فهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورسوُلِه، ومن كانت هِجرَتُهُ لِدُنيا يُصِيبُها، أو امرأةٍ يتَزَوَّجُها، فهِجْرَتُه إلى ما هاجَرَ إليه" متفق عليه.

نسألُ الله "جل وعلا" الإخلاصَ في القولِ والعَمل، وأن لا يكِلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وأن يجنبنا الشِّرك ما كبر منه وما صغر، وما ظهر منه وما بطن، وأن يجعلنا من عباده الموحدين المخلصين .. وصلى اللهُ على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.