القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

اعتزالُ السلطانِ المسلمِ الفاسقِ الظالم، إن كان في مُجالَسَتِه ومخالَطتِه عَوناً له على ظلمِه وفسوقه، وطغيانه

اعتزالُ السلطانِ المسلمِ الفاسقِ الظالم، إن كان في مُجالَسَتِه ومخالَطتِه عَوناً له على ظلمِه وفسوقه، وطغيانه.

عن أبي سعيد، وأبي هريرة، قالا: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ليأتينَّ عليكم أمراءٌ، يقربون شرارَ الناسِ، ويُؤخِّرون الصلاةَ عن مواقِيتها[[١]]، فمن أدركَ ذلك منهم، فلا يَكونَنَّ عِرِّيفاً[[٢]]، ولا شرطيّاً، ولا جابياً، ولا خازِناً"[[٣]].

[١] هؤلاء أمراء مسلمون، إلا إنهم يتصفون بهاتين الصفتين: تأخير الصلاة عن مواقيتها وتقريبهم لشرار الناس؛ كمستشارين ووزراء لهم يولونهم شؤون البلاد والعباد ومع ذلك أمر الشارع باعتزال وظائفهم والعمل عندهم، لما في ذلك من تقوية لهم على باطلهم وفسقهم وظلمهم للعباد.

[٢] العرِّيف: هو القيِّم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم، ويتعرف الأمير منه أحوالهم " النهاية". والجابي: هو الذي يقوم بمهمة جباية وتحصيل الأموال والضرائب من الناس لصالح خزانة الدولة. والخازن: هو الذي يقوم بمهمة حراسة ورعاية خزانة الدولة المالية، وإحصاء ما يدخل إليها وما يخرج منها، ويمثل في زماننا وزير المالية.

[٣] رواه ابن حبان، السلسلة الصحيحة: ٣٦٠.

ولا تعارض هنا بين الأحاديث التي تأمر بالسمع والطاعة للأمير، وبين الأحاديث التي تأمر بالمفاصلة والاعتزال، وبيان ذلك أن الأحاديث التي تأمر بالطاعة للأمير المسلم مشروطة بأن تكون في المعروف، فإذا تبين أن طاعته سوف تؤدي إلى نصرته على الباطل والظلم، أو تقويته على الفساد ومعصية الله، فإنه يتعين حينئذٍ مخالفته وعدم طاعته؛ لأن الثابت المحكم من ديننا أنه لا تجوز طاعة المخلوق في معصية الخالق عز وجل .. وأن التعاون يكون على البر والتقوى، وليس على الإثم والعدوان.

لأجل ذلك نجد كثيراً من السلف وعلماء الأمة رضوان الله عليهم، كانوا يجتنبون العمل عند سلاطين الجور ويفرون من وظائفهم فرار السليم المعافى من الأجرب العليل، وفي المقابل كانوا يعترفون لهم بالخلافة والإمارة على المسلمين، وبوجوب طاعتهم في المعروف.

عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "يليكم عمالٌ من بعدي، يقولون ما يعلمون، ويَعملونَ بما يَعرِفُون، وطاعةُ أولئك طاعة، فتَلبثُون كذلك دهراً، ثم يليكم عمالٌ من بعدي يقولون مالا يَعلمون، ويَعملون مالا يَعرفون، فمن ناصحَهم، ووازَرَهم، وشَدَّ على أعضادِهم، فأولئك قد هلَكوا وأهلَكوا[[٤]]، خالِطُوهم بأجسادِكُم، وزايلوهم بأعمالِكم، واشهدوا على المحسن بأنَّه محسنٌ، وعلى المسيءِ بأنه مسيءٌ"[[٥]].

[٤] أهلَكوا غيرهم من عامة الناس، لأنهم يكونون السبب في إضلالهم نحو حقيقة أولئك الحكام، فيرونهم باطلَ وظلمَ هؤلاء الحكام حقاً وعدلاً .. لأن المسلم وبخاصة إن كان عالماً فإن مجالسته للحاكم الفاسق الظالم تعتبر شهادة حسن سلوك لهذا الحاكم في أعين الناس!

[٥] رواه الطبراني، السلسلة الصحيحة: ٤٥٧.

عن عبادة بن الصمات، عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، قال: "سيليكُم أمراءٌ بعدي يُعرِّفونَكم ما تُنكرون[[٦]]، ويُنكِرون عليكم ما تَعرفون[[٧]]، فمن أدركَ ذلك منكم، فلا طاعةَ لمن عصى الله"[[٨]].

[٦] أي ما تنكرون من الباطل الذي يخالف دينكم.

[٧] من الحق الذي يوافق دينكم.

[٨] رواه الحاكم، السلسلة الصحيحة: ٥٩٠.

عن عبد الله بن مسعود، عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، قال: "سيلي أمورَكم بعدي رجالٌ يُطفِئون السُّنةَ، ويَعملون بالبدعة، ويُؤخِّرون الصلاةَ عن مواقيتها"، فقلت: يا رسولَ الله! إن أدركتُهم كيفَ أفعل؟ قال: "تسألني يا ابنَ أمِّ عبد كيف تفعل؟ لا طاعة لمن عصى الله [[٩]].

[٩] رواه أحمد، وابن ماجه، والطبراني، السلسلة الصحيحة: ٥٩٠.

عن كعب بن عُجْرَةَ، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "اسمعوا، هل سمعتهم أنه سيكون بعدي أمراءٌ فمن دخلَ عليهم فصدَّقَهم بكذبِهم، وأعانهم على ظُلمِهم فليسَ مني ولستُ منه، وليس بواردٍ عليَّ الحوض، ومن لم يَدخُلْ عليهم ولم يُعِنْهُم على ظلمِهم ولم يُصدقهم بكذِبهم هو مني وأنا منه، وهو واردٌ عليَّ الحوض"[[١٠]].

[١٠] صحيح سنن الترمذي: ١٨٤٣.

عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": ألا إنَّها ستكون بعدي أُمراء يظلمون ويَكذبون، فمن صدَّقَهُم بكذبهم، ومالأهم[[١١]] على ظُلمِهم، فليس مني، ولا أنا منه، ومن لم يُصدِّقهم بكذبِهِم، ولم يُمالئهم على ظُلمِهم، فهو مني وأنا منه"[[١٢]].

[١١] أي طاوعهم ووافقهم.

[١٢] أخرجه أحمد، صحيح الترغيب: ٢٢٤٤.

عن عبد الله بن خباب عن أبيه، قال: كنا قُعوداً على بابِ النبيِّ "صلى الله عليه وسلم"، فخرجَ علينا فقال: "اسمعوا". قلنا: سمِعْنا. قال: "اسْمَعوا". قلنا: قد سمِعنا. قال: "اسمعوا". قلنا: سمعنا[[١٣]]. قال: "إنه سيكونُ بعدي أُمراءُ فلا تُصدقوهم بكَذِبهم، ولا تُعينوهم على ظُلمهم، فإنَّ من صدَّقهم بكذبِهم، وأعانهم على ظُلمهم، لم يرِد عليَّ الحوضَ"[[١٤]].

[١٣] تكرار الأمر بالسماع من قبل النبي "صلى الله عليه وسلم" يأتي لشد مزيد من الانتباه، لكي يُفقَه عنه ما يريد تبليغه جيداً، وليبلغ الحاضر الغائب .. ولبيان أهمية وخطورة البيان الذي سيلقيه ـ بعد هذا الأمر ـ على مسامع الحاضرين من أصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

[١٤] أخرجه الطبراني، وابن حبان، صحيح الترغيب: ٢٢٤٥.

عن ابن عباس، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "سيكونُ أمراءُ تَعرفون وتُنكرون، فمن نابذَهم نجا، ومَن اعتزلهم سَلِم، ومن خالَطَهم هلَك"[[١٥]].

[١٥] رواه الطبراني، صحيح الجامع: ٣٦٦١.

وقوله " ومن خالَطَهم هلَك"؛ لأن في خلطته لهم على ما هم عليه من الظلم والفساد يترتب عليه محاذير عدة: منها إقراره لهم على ما هم عليه من ظلم وفساد. ومنها ممالأتهم ومجاملتهم على باطلهم، والسكوت عن بيان الحق فيما قد خالفوا فيه الحق.

ومنها تحسين باطلهم وفسادهم في أعين الناس وبخاصة إن كان المخالِط من ذوي العلم والشرف، فيكون سبباً في ترويج وتحسين الباطل، كما يكون سبباً في إضلال الناس ممن يثقون به وينظرون إليه بعين القدوة والاحترام، كما يكون سبباً في تنفير الناس عن الحق، وصدهم عن الدخول في دين الله أفواجاً أو فراداً وهذه أسباب لو اجتمعت على المرء لا شك أنها تهلكه.

عن أم سلمة "رضي الله عنه" قالت: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ستكون أمراءٌ فتعرفون وتُنكرون، فمن كَرِهَ بَرِئَ، ومَن أنكَرَ سَلِمَ، ولكن مَن رَضِيَ وتابَعَ لم يَبْرَأ[[١٦]]" مسلم.

[١٦] أي لم يبرأ من الوزر والإثم، والمساءلة.

عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "سيكونُ في آخِر الزمانِ شَرِطَةٌ يَغْدون في غَضبِ الله، ويَروحون في سخطِ الله[[١٧]]"[[١٨]].

[١٧] وذلك لأنهم أداة الظلم والبطش في أيدي طواغيت الحكم والظلم، التي بها يظلمون الناس .. ويعتدون على حقوقهم وحرماتهم .. ويفرضون سياساتهم وأنظمتهم وقوانينهم الجائرة .. فالحاكم الظالم يظلم الناس بهم، ويفرض قانونه الباطل بهم .. لذا فقد استحقوا هذا الوعيد الشديد.

[١٨] رواه الطبراني، صحيح الجامع: ٣٦٦٦.

عن ابن عباس، عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، قال: "مَن أَعانَ ظالماً[[١٩]] بباطلٍ ليُدحِضَ بباطلِه حقَّاً، فقد بَرِئ من ذِمَّةِ الله "جل جلاله" وذِمَّةِ رسولِه"[[٢٠]].

[١٩] من ضروب العون للظالم على ظلمه وباطله، إشغال وظائف مؤداها إلى إبطال الحق، وإحقاق الباطل .. وما أكثرها وأكثرهم في زماننا .. يفعلون ذلك ركضاً وراء المال .. وطلب الرزق .. وفاتهم أن الرزق بيد الله، وأن ما عند الله تعالى لا يُطلب بمعصيته.

[٢٠] السلسلة الصحيحة: ١٠٢٠.

عن أبي الأعور السَّلمي، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إيَّاكُم وأبوابِ السلطانِ؛ فإنَّه قد أصبحَ صعباً هُبوطاً[[٢١]]"[[٢٢]].

[٢١] أي ذلاً يُذل صاحبه.

[٢٢] رواه الطبراني، السلسلة الصحيحة: ١٢٥٣.

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من أتى أبوابَ السُّلطانِ افتُتِنَ، وما ازدادَ أحدٌ من السُّلطان قُرباً، إلا ازدادَ من اللهِ بُعداً"[[٢٣]].

[٢٣] رواه أحمد، السلسلة الصحيحة: ١٢٧٢.

عن أبي أمامة الباهلي، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "حوضي كما بين عدَنٍ وعَمَّانَ، فيه أكاويبُ عددُ نجومِ السماء، مَن شَرِبَ منه لم يَظمأ بعدَهُ أبداً، وإن ممَّن يَرِدُهُ عليَّ من أمتي: الشَّعِثَةُ رؤوسُهم، الدَّنِسَةُ ثيابُهم، لا يَنكحونَ المنعَّمَات، ولا يَحضُرونَ السُّدَدَ ـ يعني أبوابَ السلطان ـ الذين يُعطُون كلَّ الذي عليهم، ولا يُعْطَونَ كلَّ الذي لهم"[[٢٤]].

[٢٤] أخرجه الطبراني، صحيح الترغيب: ٣٦١٧.

أقولُ: هذه الأحاديث ـ الآنفة الذكر أعلاه ـ لا يصح أن تُحمَل على السلطان المسلم العادل، الذي يجاهد في سبيل الله، ويحكم بما أنزل الله، ويتقي الله في رعيته، فسلطان هذه صفاته لا شك أن مناصرته، ومناصحته، ومؤازرته واجبة وفيها الخير كلَّ الخير.

فغالب الذين أخطأوا في الأحكام السلطانية .. يكون خطؤهم بسبب إعمالهم لبعض النصوص الشرعية ـ ذات العلاقة بالأحكام السلطانية ـ وإهمالهم لبعضها الآخر .. فلا يُعملِون مجموع النصوص .. ولو أعملوها فلا يُحسنون التوفيق فيما بينها!

أو حملهم لما قيل في السلطان المسلم العدل؛ الذي يحكم بما أنزل الله .. على الحاكم الفاسق الظالم .. وأحياناً على الحاكم الكافر المرتد وكذلك العكس؛ فمنهم من يحمل ما قيل في الحاكم الفاسق الظالم .. على الحاكم المسلم العدل .. وكلا المنهجين والفريقين على باطل وضلال؛ فالفريق الأول يمثل أهل التفريط والإرجاء على ممر عصورهم .. بينما الفريق الآخر يمثل الخوارج الغلاة على ممر عصورهم المختلفة .. والحق وسط بينهما .. نسأل الله تعالى أن يجنبنا مزالق الغلو والإرجاء، وأن يجعلنا من أهل العدل والوسط، والوسطية؛ من غير جنوح إلى إفراط أو تفريط.

وصلى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.