القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

الصبر على الولاة المسلمين وإن بدرت منهم بعض المظالم

الصبر[[١]] على الولاة المسلمين، وإن بدرت منهم بعض المظالم، ما لم ترقَ تلك المظالم إلى درجة الكفر البواح.

[١] المراد بالصبر؛ الصبر الإيجابي وهو عدم الخروج عن الطاعة في المعروف، وهذا لا يتعارض مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يجب أن تقوم به الرعية وبخاصة العلماء منهم نحو السلطان أو الحاكم المسلم الذي تبدر منه بعض المظالم والمخالفات.

عن ابن عباس، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من رأى من أميرِه شيئاً يَكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارَقَ الجماعة شِبراً فماتَ إلا ماتَ ميتةً جاهليَّةً" متفق عليه.

وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال لنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّكم سترونَ بعدي أثرةً[[٢]] وأموراً[[٣]] تُنكرونها". قالوا: فما تأمرُنا يا رسولَ الله؟ قال: "أدُّوا إليهم حقَّهم وسَلُوا الله حقَّكُم[[٤]]" البخاري.

[٢] أراد أنه يستأثر عليكم، فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء."النهاية".

[٣] أموراً تخالف ما تعرفونه من دينكم.

[٤] أي لا تقابلوا ظلمهم بظلم، ولا السيئة بالسيئة؛ فإن ظلموكم في حقوقكم عليهم فلا تظلموهم في حقوقهم عليكم .. وهذا لا يعني مطلقاً عدم إنكار المنكر والظلم.

وعن نافع، قال: لما خلعَ أهلُ المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشَمَه وولدَه، فقال: إني سمعتُ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" يقول: "يُنصَبُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامة"، وإنَّا قد بايعنا هذا الرجلَ على بيعِ اللهِ ورسولِه، وإني لا أعلمُ غدراً أعظمُ من أن يُبايَعَ رجلٌ على بيعِ اللهِ ورسولِه ثم يُنصَبُ له القتال، وإني لا أعلمُ أحداً منكم خلعَهُ ولا بايعَ في هذا الأمرِ إلا كانت الفيصلُ بيني وبينَهُ[[٥]].

[٥] رواه البخاري. قال ابن حجر في "الفتح": وفي هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جارَ في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق ا- هـ.

وعن حُذيفة بن اليمان، قال له النبي "صلى الله عليه وسلم": "تسمعُ وتطيعُ للأميرِ، وإن ضُرِبَ ظهركَ وأُخِذ مالك، فاسمعْ وأطِعْ [[٦]]" مسلم.

[٦] أي فاسمع وأطع السمع والطاعة اللتين تمنعانك من الخروج عن الطاعة العامة .. ومفارقة الجماعة .. ولكن لا تمنعانك من السعي لدفع الظلم عنك .. أو لتحصيل حقوقك .. هذا الفهم للنص هو ما يقتضيه النظر إلى مجموع النصوص ذات العلاقة بالموضوع.

وعن سلمة بن يزيد الجعفي، أنه سأل رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: يا نبيَّ الله أرأيتَ إن قامت علينا أمراءٌ يسألونَ حقَّهم، ويمنعونا حقَّنا، فما تأمُرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله الثالثة، فجذبه الاشعث بن قيس[[٧]]، فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا[[٨]] وعليكم ما حُمِّلتُم" مسلم.

[٧] لما رأى من إعراض النبي "صلى الله عليه وسلم"؛ خشية أن يكون في السؤال ما يكرهه النبي "صلى الله عليه وسلم".

[٨] أي من واجبات ومسؤوليات ومهام .. وكل منكما ـ الراعي والرعية ـ سيسأل يوم القيامة عما استرعاه الله واستأمنه عليه .. هل أدى الأمانة وما يجب عليه على الوجه المطلوب شرعاً أم لا؟

وعن عوف بن مالك الأشجعي، عن رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، قال: "ألا مَن وليَّ عليه والٍ فَرآهُ يأتي شيئاً من معصيةِ الله[[٩]]، فليَكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يداً من طاعة" مسلم.

[٩] المراد بالمعصية هنا؛ المعصية التي هي دون الكفر البواح.

ومن حديث النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" لحذيفة بن اليمان، قال: "تكونُ هِدنَةٌ على دخنٍ[[١٠]]، ثم تكونُ دعاةُ ضلالة، قال: فإن رأيتَ يومئذٍ خليفةً في الأرض فالزمه، وإن نهكَ جِسمَكَ وأخذَ مالَك[[١١]]، فإن لم ترَه فاهرُب في الأرض[[١٢]]؛ ولو أن تموت وأنت عاضٌّ بجِذلِ شجرةٍ"[[١٣]].

[١٠] أي على فساد واختلاف، تشبيهاً بدخان الحطب الرَّطْب لما بينهم من الفساد الباطن تحت الصلاح الظاهر، وجاء تفسيره في الحديث أنه لا ترجعُ قلوب قومٍ على ما كانت عليه؛ أي لا يصفو بعضها لبعض ولا يَنصَعُ حبها . " النهاية".

[١١] أي الزم طاعته الطاعة العامة، وفي المعروف، وفيما قد أصاب فيه .. بحيث لا تخرج من مطلق الطاعة العامة .. وإن نهك جسمك ضرباً وأخذ مالك ظلماً لرجحان المصلحة في ذلك .. لكن هذا لا يمنعك شرعاً من أن تسعى في رفع الظلم عنك وفي تحصيل حقوقك بالوسائل التي لا تؤدي بك إلى الخروج عن الجماعة وعن مطلق الطاعة .. فهي طاعة إيجابية مرشَّدة .. وكذلك هي معارضة إيجابية عزيزة واعية.

[١٢] أي لأن تهرب في الأرض، وتموت غريباً وأنت عاضٌّ بجذل شجرة خير لك من أن تكثر سواد الفرق والجماعات الضالة المبتدعة وما أكثرها في زماننا .. وهذا الهروب والاعتزال ـ هو الخيار الأخير ـ ينبغي أن يُحمل في حال انعدمت جميع السبل التي تمكن من الإصلاح واستئناف حياة إسلامية .. أو حال حصول عجز المرء عن القيام بواجب الإصلاح وواجب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. أو أن يُكثر سواد الطائفة المنصورة المجاهدة الظاهرة بالحق .. هذا ما يقتضيه مبدأ العمل بمجموع النصوص ذات العلاقة بالموضوع والتوفيق فيما بينها.

[١٣] رواه أبو دود، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٧٩١.

وعن عبادة بن الصامت، عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، قال: "اسمعْ وأطِعْ في عُسْرِكَ ويُسْرِك، ومَنشطِك ومَكرهِك[[١٤]]، وأثرَةٍ عليك وإن أكلوا مالَك وضَربوا ظهرَك"[[١٥]].

[١٤] أي كما تُطيعه وأنت في نشاطك وقوتك، وعلو همتك، تُطيعه كذلك وأنت في فتورك وكسلك، وخمولك وميلك للدعة والاسترخاء والسكون .. وقوله: "وأثرة عليك"؛ أي في حال حرمك ما تستحق من العطايا والمنح، وخص بذلك غيرك ممن لا يستحقون ذلك.

[١٥] رواه أحمد، وابن حبان، وابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: ١٠٢٦.

وعن أبي ذر، قال: أتاني رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، وأنا في مسجد المدينة، فضربني برجله، وقال: "ألا أراكَ نائماً فيه؟"، فقلت: يا رسولَ الله غلبني عيني. قال: "كيف تصنع إذا أُخرِجتَ منه؟". فقلت: إني أرضى الشامَ؛ الأرضَ المقدسَة المباركَة[[١٦]]، قال: "كيف تصنع إذا أُخرجتَ منه؟" قال: ما أصنع، أضربُ بسيفي يا رسولَ الله، قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ألا أدلُّك على خيرٍ من ذلك، وأقرب رُشداً ـ قالها مرتين ـ تَسمَع وتُطِيعُ وتُسَاقُ كيفَ سَاقوكَ"[[١٧]].

[١٦] أي يتوجه نحو الشام؛ الأرض المقدسة المباركة، وذلك لكثرة ما أثنى النبي "صلى الله عليه وسلم" على الشام وأهله، وشجع الهجرة إليها، والشام تشمل كل من سورية وفلسطين والأردن، ولبنان.

[١٧] رواه أحمد، وابن حبان، وابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: ١٠٧٤.

عن وائل بن حجر قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" ورجلٌ سأله فقال: أرأيتَ إن كان علينا أمراء يمنعونا حقَّنا، ويسألونا حقَّهم؟ فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "اسمعوا وأطيعُوا؛ فإنَّما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتُم [[١٨]]" مسلم.

[١٨] قلت: هذا الصبر المشار إليه في الأحاديث أعلاه لا يتعارض ولا يمنع من القيام بواجب نصح السلاطين، وبالصدع بالحق عند الظالمين منهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر .. فهذا شيء وهو أمر محمود شرعاً .. والخروج عن الجماعة والطاعة العامة شيء آخر وهو أمر مذموم ومنهي عنه .. كما بيناه وسنبينه لاحقاً إن شاء الله.