القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

للذِمِّي المعاهد الذي يدخل في ذِمَّةِ وعهدِ وأمان المسلمين أن يُوفَّى له بعهدِه وأمانه

حَقُّ الذِّميِّ المعاهَدِ على المسلمين[[١]].

[١] هذا الحق وكل ما يُدرج تحته من مسائل وأدلة وحقوق فهو يشمل الذمي المعاهد الذي يرتبط مع المسلمين في بلادهم بعهد أو عقد ذمة دائمة أو عهد صلح مؤقت؛ أو من أتى منهم بلاد المسلمين بعقد وعهد استثنائي خاص به ومؤقت، وكذلك من يأتيهم من المسلمين وهم في بلادهم بعهد أو عقد دائم أو مؤقت، وما لهم حينئذٍ على المسلم الوافد إليهم بعهد استثنائي خاص به من حق

وكذلك المواطن المسلم المقيم في بلادهم؛ لارتباطه بعقد اجتماعي مع المجتمع الذي يعيش فيه .. أما كيف تتم صيغة هذا التعاقد أو التعاهد .. والقدر الذي به يتم العقد .. ومن له الحق في إبرامه .. وكيف ومتى ينتهي .. وغير ذلك من المسائل التفصيلية .. فهذا له موضع آخر .

ـ للذِمِّي المعاهد الذي يدخل في ذِمَّةِ وعهدِ وأمان المسلمين أن يُوفَّى له بعهدِه وأمانه، وأن لا يُساءَ إليه في شيء من حرماته وحقوقِه؛ لا في نفسِه، ولا مالِه، ولا عِرضه .. وكذلك من يدخل من المسلمين في عهدهم وأمانهم في بلادهم أن يوفِّي لهم بما عاهدهم وآمنهم عليه، وأن لا يغدر بهم في شيء.

قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} النحل:٩١.

وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} الإسراء:٣٤.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} المائدة:١.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[[٢]] الأنفال:٧٢.

[٢] قال ابن كثير في التفسير: وقوله {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} الآية، يقول تعالى وإن استنصركم هؤلاء الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم؛ لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار، بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس "رضي الله عنه" ا- هـ.

وقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} التوبة:٦.

وقال تعالى: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ . وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} إلى قوله تعالى: {أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} الرعد:٢٠-٢٤.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} المعارج:٣٢.

وقال تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} البقرة:٢٧.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} الرعد:٢٥.

وفي الحديث، عن أبي رافع قال: بعثَتني قريشٌ إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" فلما رأيت رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" أُلقِيَ في قلبي الإسلامُ، فقلت يا رسولَ الله إني والله لا أرجعُ إليهم أبداً فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إني لا أَخِيسُ بالعَهْدِ ولا أَحبِسُ البُرُدَ، ولكن ارجعْ فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن ـ أي الإسلام ـ فارجِعْ". قال: فذهبت ثم أتيت النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" فأسلمتُ[[٣]].

[٣] صحيح سنن أبي داود: ٢٣٩٧.

وقوله " إني لا أَخِيسُ بالعَهْدِ"؛ أي لا أنقضه ولا أسيء له. وقوله " ولا أحبِسُ البُرُدَ"؛ أي لا أحبس الرسل وأمنعهم من العودة إلى مرسليهم وأقوامهم؛ لأن الرسل ـ أيَّاً كان دينهم وكانت انتماءاتهم ـ بالنص والعرف هم في أمانٍ لا يجوز الغدر بهم أو الإساءة إليهم في شيء

وأبو رافع رغم أنه هو الذي اقترح البقاء والمكث عند النبي "صلى الله عليه وسلم" من تلقاء نفسه ومن دون أدنى إكراه، إلا أن النبي "صلى الله عليه وسلم" لم يقبل منه وأمره بأن يرجع إلى من أرسلوه أولاً ثم يرجع ـ حراً مختاراً ـ إن شاء .. ومن دون أن يكون رسولاً .. وذلك حتى لا يُقال أن محمداً ـ حاشاه ـ يحبس الرسل.

وعن حذيفة بن اليمان "رضي الله عنه" قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حُسيل ـ والده ـ قال: فأخذَنا كفارُ قريش، قالوا: إنكم تريدونَ محمداً، فقلنا: ما نريدُه، ما نريدُ إلا المدينَةَ، فأخذوا علينا عهدَ اللهِ وميثاقِه لننصرفنَّ إلى المدينة ولا نقاتِلُ معَهُ، فأتينا رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" فأخبرناه الخبرَ، فقال: "انصرفا؛ نفي لهم بعهدِهم، ونستعينُ اللهَ عليهم"[[٤]] مسلم.

[٤] هذا الحديث من جملة الأدلة الدالة على جواز أن يكون فريق من المسلمين في عهد وأمانٍ مع طرف من المشركين المحاربين، يراعي عهده وأمانه له، وفريق آخر من المسلمين في حربٍ مع نفس هذا الطرف المشرك المحارب لانتفاء وجود العهد والأمان بينهما .. فما يلزم الفريق الأول لا يلزمه .. وما يلزمه لا يلزم الفريق الأول المعاهد

ونحو ذلك موقف الصحابي الجليل أبي بصير ومن معه من المؤمنين من مشركي قريش .. في الوقت الذي كان يوجد صلح وهدنة أمان بين النبي "صلى الله عليه وسلم" ومن معه من المؤمنين في المدينة وبين مشركي قريش .. وكان لكل فريق من الفريقين المؤمنين يلتزم بما يلزمه .. ومن دون أن ينكر النبي "صلى الله عليه وسلم" على الفريق الآخر قتالهم لمشركي قريش؛ لأنهم خارج دائرة الصلح المنعقد .. وخارج سلطانه .. وهذه المسألة على وضوحها، ووضوح الدليل عليها، لا يزال يُثار الشغب حولها من قبل بعض الجهلة!

وعن عمرو بن عبسةَ السَّلمي قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "مَن كان بينَهُ وبينَ قومٍ عهدٌ فلا يَشدُّ عُقدةً، ولا يَحُلُّها حتى ينقضِيَ أمَدُها، أو يَنْبِذَ إليهم على سواء"[[٥]].

[٥] صحيح سنن أبي داود: ٢٣٩٧.

وعن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللهِ "صلى الله عليه وسلم": "إن كُنتُم تُحبون أن يُحبَّكُم اللهُ ورسولهُ فحافظوا على ثلاثِ خِصالٍ: صِدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وحسنِ الجوارِ"[[٦]].

[٦] رواه الخلعي في الفوائد، وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٩٩٨.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانَك"[[٧]].

[٧] أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: ٤٢٣. من فوائد هذا الحديث أن المعاملة لا تكون بالمثل على الإطلاق؛ فما كان محرماً لذاته ـ كالخيانة، والغدر، والسرقة وغيرها ـ لا يجوز اللجوء إليه أو القيام به من قبيل معاملة الطرف الآخر بالمثل، والعدوان عليه بمثل ما اعتدى.

وعن أنس بن مالك قال: ما خطَبنا رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" إلا قال: "لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له"[[٨]].

[٨] أخرجه أحمد، والبزار، والطبراني في الأوسط، صحيح الترغيب والترهيب: ٣٠٠٤.

عن المقداد بن معد يكرب، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "ألا لا يحلُّ ذُو نابٍ من السِّباع، ولا الحمارُ الأهلي، ولا اللقطَةُ من مالِ مُعاهدٍ إلا أن يَستغني عنها"[[٩]].

[٩] صحيح سنن أبي داود: ٣٢٢٩. إذا كانت اللقطة التي تُرمى وتسقط من المعاهد لا يجوز أخذها، وهي لا تحل لمن يلتقطها إلا بإذن صاحبها المعاهد .. فكيف ببقية حرماته الأخرى الأغلظ والأشد لا شك أن مراعاتها أوكد، وأعظم!

وعن سُليمان بن بُرَيدَة، عن أبيه، قال: كان رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" إذا أمَّرَ أميراً على جيشٍ أو سريَّةٍ، أوصاهُ في خاصَّتهِ بتقوى الله "جل جلاله" ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفَرَ بالله، اغزوا ولا تَغُلُّوا، ولا تغدِرُوا، ولا تَمْثُلُوا، ولا تقتلوا وليداً" مسلم.