القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

التعامل مع من يدخل في ذمة وعهد وأمان المسلمين برفق ورحمة، وعدل، وإحسان، وخُلُقٍ حسن

التعامل مع من يدخل في ذمة وعهد وأمان المسلمين برفق ورحمة، وعدل، وإحسان، وخُلُقٍ حسن[[١]].

[١] وهذا كله لا يتعارض مع عقيدة الولاء والبراء في الإسلام، كما يتوهم البعض، فكثير من النصوص التي تدعو إلى الشدة والغلظة على الآخرين من غير المسلمين؛ عند التأمل تجد أن المراد منهم المشركين المحاربين، ومواضعها ميادين وساحة الحرب والقتال

ولساحات الحرب والقتال أحكامها وأخلاقها الخاصة، ولساحات العهد والأمان أحكامها وأخلاقها الخاصة بها، لا يخلط بين الساحتين، وبين أحكام وأخلاقيات الساحتين إلا جاهل .. وهذا الخلط ـ الذي يحصل أحياناً ـ بين أحكام الساحتين وما تستدعي كل ساحة من معاملة خاصة بها .. هو السبب الرئيسي وراء ما نشهده من ظلم وسلوكيات خاطئة تحصل أحياناً ـ باسم الإسلام ـ هنا وهناك!

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} المائدة:٨.

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} النحل:٩٠.

وقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ}[[٢]] التوبة:٦.

[٢] فقوله {فَأَجِرْهُ}، يفيد الوجوب .. ومن لوازم الإجارة الحماية .. والاستضافة .. والإحسان .. والمعاملة الحسنة .. وبذل كل خيرٍ يؤلف قلبه على الإسلام .. والإجارة من دون مراعاة هذه الطريقة الحسنة في المعاملة .. لا تؤدي الغرض من وراء سماعه لكلام الله عز وجل.

وفي الحديث، عن أنس بن مالك، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "والذي نفْسِي بيده، لا يَضعُ اللهُ رحمتَه إلا على رحيمٍ". قالوا: كُلُّنا يَرْحَمُ. قال: "ليس برحمة أحدِكم صاحبَهُ؛ يرحمُ النَّاسَ كافَّةً"[[٣]].

[٣] السلسلة الصحيحة: ١٦٧. وقوله "صلى الله عليه وسلم" " يرحم الناس كافَّة"؛ شامل للمسلم وغير المسلم.

وعن جرير بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "مَن لا يرحم الناسَ، لا يرحمهُ اللهُ"[[٤]].

[٤] صحيح الأدب المفرد: ٧١.

عن صفوان بن سليم، عن عِدةٍ ـ وقال البيهقي: ثلاثين ـ من أبناء أصحاب رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" عن آبائهم عن رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "ألا من ظلمَ معاهداً، أو انتقصه، أو كلَّفه فوقَ طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيبِ نفسٍ، فأنا حَجِيجُه يومَ القيامة"[[٥]].

[٥] أخرجه أبو داود، والبيهقي، السلسلة الصحيحة: ٤٤٥.

وفي رواية: "ألا مَن ظلَمَ معاهداً، أو انتقصه حقَّه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسٍ منه، فأنا حجيجه يوم القيامة"[[٦]].

[٦] صحيح الجامع الصغير: ٢٦٥٥.

قلت: هذا الحديث وغيره يُفيد تحريم مُطلق الظلم؛ بما في ذلك غيبته وتناول عِرضه بالكلام البذيئ والسيء .. فالظلم ليس محصوراً فقط على الجانب المادي دون المعنوي؛ بل الجانب المعنوي منه يكون في كثير من الأحيان أشد من الظلم ذي العلاقة بالجانب المادي ..

وكنت قد سمعت لأحد الشيوخ الكبار المعاصرين، وهو يجيب عن سؤال: هل يجوز غيبة الكافر ..؟ فأجاب من فوره، نعم يجوز .. ومن دون أن يُميز بين الكافر المحارب، وما يستحقه من معاملة، والكافر المعاهد وما يستحقه من معاملة مختلفة .. وهذا ـ عما يبدو ـ خطأ شائع، لذا عنيناه بالتنبيه!

وعن العِرباض بن سارِية "رضي الله عنه": أنَّ صاحبَ خيبرَ جاءَ إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، فشَكا إليه بعض ما يلقون، فأمر الناسَ فاجتمعوا، وخطَبهُم، فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "وإن الله لم يُحلََّ لكم أن تدخُلوا بيوتَ أهلِ الكتاب إلا بإذنٍ، ولا ضربَ نسائهم، ولا أكل ثمارِهم إذا أعطوكم الذي عليهم"[[٧]].

[٧] رواه أبو داود، وقال ابن كثير في إرشاد الفقيه ٢/٣٤٣: إسناده صالح، وهو دليل على: أنه يجب على الإمامِ أن يدفع عن الذِّمةِ أذيّةً من جهة المسلمين ا- هـ.

وعن عروة بن الزبير، أن هشاماً بن حكيم بن حزام، وجدَ رجلاً ـ وهو على حمص ـ يُشمِّسُ ناساً من القِبْطِ في أداء الجزية، فقال: ما هذا؟! سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الذينَ يُعذِّبون الناسَ في الدُّنيا"[[٨]].

[٨] صحيح سنن أبي داود: ٢٦٢٥. وقوله " يُشمِّسُ ناساً"؛ أي يجعلهم يقفون في الشمس طويلاً من غير ظِلٍّ من أجل دفع الجزية!

وعن سعيد بن جبير، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا تصَدَّقوا إلا على أهلِ دينِكُم"، فأنزل الله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} إلى قوله {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ} البقرة:٢٧٢. قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "تصدَّقوا على أهلِ الأديان"[[٩]].

[٩] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، السلسلة الصحيحة: ٢٧٦٦. مما يُستفاد من الحديث: جواز مشاركة ومساهمة المسلمين في التبرع والتصدق على الشعوب من غير المسلمين ـ من ذوي الحاجة ـ الذين تنزل بساحتهم البلايا والكوارث الطبيعية.

وعن عبد الله بن عمرو، أنه ذُبحت له شاةٌ، فجعل يقول لغلامِه: أهديتَ لجارنا اليهودي؟ أهديتَ لجارنا اليهودي؟ سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنَّه سيورِّثُه"[[١٠]].

[١٠] صحيح الأدب المفرد: ٧٨.

وعن أنس "رضي الله عنه"، قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخدمُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم"، فمرض فأتاهُ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" يعودُهُ، وقَعدَ عند رأسِهِ، فقال له: "أَسْلِم"، فنظرَ إلى أبيه وهو عندَهُ، فقال: أَطِع أبا القاسِم، فأَسلَمَ، فخرجَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" وهو يقول: "الحمدُ لله الذي أنقَذَهُ من النار"[[١١]] البخاري.

[١١] فيه جواز عيادة مرضى غير المسلمين ما انتفت المنكرات، ورُجي الخير وتأليف قلوبهم إلى الإسلام .. وبخاصة من كان منهم له سابقة معروف أو خدمة للمسلمين، أو لشخص الزائر المسلم.

وعن أبي عثمان النهدي، قال: كتبَ أبو موسى إلى رُهبانٍ يُسلِّم عليه في كتابه، فقيل له: أتُسلِّمَ عليه وهو كافر؟ قال: "إنه كتبَ إليَّ فسلَّمَ عليَّ، فرددتُ عليه"[[١٢]].

[١٢] صحيح الأدب المفرد: ٨٣٧. فيه دليل على جواز رد السلام أو ابتداء السلام كتابة لغير المسلمين، بنفس عبارتهم، من قبيل المقابلة والمعاملة بالمثل .. فيُرد على الطرف المقابل الكافر كتابة بالنفس العبارة التي سلَّم بها أو ابتدأ بها رسالته .. فهذا لا حرج فيه.

وعن ابن عباس قال: ردُّوا السلامَ على من كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً؛ وذلك أن الله يقول: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} النساء:٨٦[[١٣]].

[١٣] صحيح الأدب المفرد: ٨٤٣. فيه أن هذه الآية الكريمة مطلقة؛ فهي تُحمَل على كل من يرمي السلام أو يُحيِّي بتحية معينة، سواء كان مسلماً أم غير مسلم .. يُرد عليه بمثل تحيته وأحسن.

وعنه، قال: "لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، قلت: وفيك، وفرعون قد مات"[[١٤]].

[١٤] صحيح الأدب المفرد: ٨٤٨. وذلك كله من قبيل المقابلة، والمعاملة بالمثل .. فهم ليسوا أفضل منا، ولا أحسنَ منا لبَاقةً وأدباً، ولا أسرعَ منا إلى الشكر وفعل المعروف والخيرات.