القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

من حقِّ النبي محمد "صلى الله عليه وسلم" على الناس أن يؤمنوا به ويصدقوه فيما أخبَرَ عن ربِّه، وأن يطيعوه ولا يعصوا له أمراً، وأن يحتكموا إليه، وأن لا يقدموا بين يديه بقولٍ، أو فهم أو فعل ينمُّ عن الاعتراض أو المخالفة لحكمه وأمره وسنَّته

الاحتكام إلى النبي "صلى الله عليه وسلم" بعد وفاته، يكون بالاحتكام إلى سنته الثابتة الصحيحة؛ وهي كل ما صح عنه من قول، أو فعل، أو إقرار. وبناءً عليه فالتعقيب على سنته وردها كمن يرد سنَّته ويُعقّب عليه في حياته وحضرته.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} النساء:٥٩[[٢]].

[٢] أفادت الآية أموراً منها: وجوب طاعة الله ورسوله، وأن طاعة النبي من طاعة الله، وأن الرد إلى الله ورسوله يكون بالرد إلى كتاب الله وسنة نبيه بعد وفاة النبي، وأن السنة محفوظة كما في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:٩). ومن لوازم صحة الإيمان رد النزاعات إلى الكتاب والسنة.

وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور:٦٣[[٣]].

[٣] أي وقوع الفتنة بمعنى الشرك أو الزيغ، كما بيّن الإمام أحمد في تفسيره للآية؛ لأن مخالفته قد يؤدي إلى الكفر والضلال.

وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} النساء:٦٥[[٤]].

[٤] قال ابن القيم: أقسم سبحانه بنفسه على أن الخلق لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم، ويزول عنهم الحرج، ويقبلوا حكمه برضى وتسليم.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} الحجرات:١-٢[[٥]].

[٥] قال ابن تيمية في تفسير الآية: المراد خشية أن تحبط أعمالكم، وأن رفع الصوت فوق صوت النبي والجهر له قد يكون سبباً في ذلك لأن فيه احتمال الأذى والاستخفاف الذي قد يؤدي إلى الكفر، فتُحبط الأعمال.

وفي الحديث، عن أبي هريرة، عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، أنه قال: "والذي نفسُ محمدٍ بيده لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموتُ ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار" مسلم. [[٦]]

[٦] السماع المقصود في الحديث والذي تقوم به الحجة على السامع: هو السماع الذي يدفع الجهل عند السامع، ويحقق عنده العلم بحقيقة النبي "صلى الله عليه وسلم" وحقيقة دعوته، ويكفيه من ذلك أن يسمع بلغة يفهمها العبارة التالية: "أن محمداً رسولُ الله تعالى إلى العالمين، وهو خاتم الأنبياء والرسل، أرسله الله تعالى بشهادة التوحيد لا إله إلا الله، مبشراً بالوعد والجنان والجزاء الحسن لمن يؤمن ويدخل في الطاعة لله ولرسوله، ومنذراً بالوعيد الأليم لمن يكذب ويعرض ويكفر ..".

وعن علي "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا يؤمنُ عبدٌ حتى يؤمنَ بأربعٍ: يَشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموتِ والبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدَرِ"[[٧]].

[٧] رواه الترمذي، وابن ماجه، قال الشيخ ناصر: سنده صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، المشكاة: ١٠٤.

عن المقدام بن معد يكرب الكندي، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "يُوشِكُ الرجلُ مُتكئاً على أريكَته يُحَدَّثُ بحديثٍ من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتابُ الله "جل جلاله"، فما وجدنا فيه من حلالٍ استحلَلْناه، وما وجدنا فيه من حرامٍ حرَّمناه، ألا وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" مثل ما حرَّم الله"[[٨]].

[٨] صحيح سنن ابن ماجه: ١٢. أفاد الحديث أموراً منها: أن الأحكام الشرعية تؤخذ من كتاب الله وسنة النبي، وأن من رد السنة فقد رد حجة القرآن، وأن من أنكر السنة فهو في حكم الكافر.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "كلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قيل: ومن يأبى يا رسولَ الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" البخاري.

وعن ابن عمر، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا تمنعوا إماءَ الله أن يصلين في المسجد". فقال ابنٌ له: إنا لنمنعهنَّ فقال: فغضب غضباً شديداً، وقال: أحدث عن رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" وتقول إنا لنمنعهنّ؟! [[٩]]

[٩] صحيح سنن ابن ماجه: ١٦.

وعن أبي سلمة أن أبا هريرة، قال لرجل: يا ابن أخي، إذا حدثتُكَ عن رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" حديثاً فلا تضرب له الأمثال. [[١٠]]

[١٠] صحيح سنن ابن ماجه: ٢٠.

وعن جابر، أن عمر بن الخطاب، أتى رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" بنسخةٍ من التوراة، فقال: يا رسولَ الله! هذه نسخة من التوراة، فسكت، فجعل يقرأ ووجه النبِّي "صلى الله عليه وسلم" يتغير، فقال أبو بكر: ثكلتك الثواكل! ما ترى ما بوجه رسول الله "صلى الله عليه وسلم"؟! [[١١]] فنظر عمر إلى وجهِ رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: أعوذُ بالله من غضب اللهِ وغضب رسوله، رضينا بالله رباً، وبالإسلامِ ديناً، وبمحمدٍ نبياً. فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "والذي نفسُ محمدٍ بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل [[١٢]]، ولو كان حيَّاً وأدركَ نبوتي لاتّبعني"[[١٣]].

[١١] (حاشية في الأصل تشرح سبب تعبير أبي بكر وغضب عمر وعلاقته بخطورة اتباع غير النبي).

[١٢] (توضيح في الأصل يبيّن أن من يتبع غير النبي ويتخلى عن تعاليمه لا يكون له حظ في الإسلام).

[١٣] رواه الدارمي، مشكاة المصابيح: ١٩٤، وانظر صحيح الجامع الصغير: ٥٣٠٨.

وعن جابر، قال: لما استوى رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم"، يوم الجمعة، قال: "اجلسوا"، فسمع ذلك ابن مسعود، فجلسَ على بابِ المسجد[[١٤]]، فرآه رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: "تعالَ يا عبدَ الله بنَ مسعود"[[١٥]].

[١٤] فعل ذلك لشدة حرصه "رضي الله عنه" على امتثال أمر الرسول "صلى الله عليه وسلم" بأسرع ما يمكن؛ ويدل الحديث على قدسية أمر الرسول في نفوس أصحابه وانقيادهم له.

[١٥] صحيح سنن أبي داود: ٩٦٦.