القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

من انتقص شيئاً من قَدْر الرسول صلى الله وعليه وسلم، أو شتمَه، أو استهزأ به، أو قلَّل من شأنه، أو قال كلاماً بحقه على وجه التهكم والسخرية .

مذهب عامة أهل العلم، شاتم النبي صلى الله عليه وسلم يُقتل حداً وكفراً، فإن تاب وصدق في توبته نفعته توبته، وسقط عنه حكم الكفر، وبقي الحد قصاصاً وحداً من حدود الله ـ لا بد منه ـ حصانة للنبي صلى الله عليه وسلم ولحرماته، وحقاً من حقوقه .. وهذا الحد حق لكل نبي من أنبياء الله "جل جلاله"؛ فمن تَعرَّض لنبي من أنبياء الله "جل جلاله" بالطعن والسب أو الاستهزاء فحكمه كحم من يتعرض لنبينا صلى الله عليه وسلم بشيءٍ من ذلك.

قال ابن تيمية في كتابه العظيم " الصارم المسلول على شاتم الرسول ": هذا نصٌ في أن الاستهزاء بالله، وبآياته وبرسوله كفر، فالسبُّ المقصود بطريق الأولى، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقَّص رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، جاداً أو هازلاً فقد كفر ا- هـ.

قال ابن تيمية في الصارم: "والحكم في سبِّ سائرِ الأنبياء كالحكم في سبِّ نبينا؛ فمن سبَّ نبياً مُسمَّى باسمه من الأنبياء المعروفين المذكورين في القرآن أو موصوفاً بالنبوة، مثل أن يُذكر في حديث أن نبياً فعل كذا أو قال كذا، فيسب ذلك القائل أو الفاعل، مع العلم بأنه نبي، وإن لم يعلم من هو، أو يسب نوع الأنبياء على الإطلاق، فالحكم في هذا كما تقدم؛ لأن الإيمان بهم واجبٌ عموماً، وواجبٌ الإيمان خصوصاً بمن قصَّه اللهُ علينا في كتابه، وسبهم كفر وردة إن كان من مسلم، ومحاربة إن كان من ذِمِّي " ا- هـ.

فإن قيل: قد صح أن هناك من شتم النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وتعرض له بأنواع من الأذى .. فعفا عن بعضهم وقتل البعض الآخر، فإذا كان القتل حداً من حدود الله فكيف يعفو عنهم؟

الجواب: أن للرسول صلى الله عليه وسلم الحق في أن يتنازل عن حق من حقوقه الخاصة فيعفو عمن يشاء ممن قد تاب وكان صادقاً في توبته، أو لعلمه بسلامة باطنه وقصده، أو لمصلحة راجحة يراها صلى الله عليه وسلم .. ولا يعفو عمَّن يشاء .. لكن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من مخول من الأمة أن يعفو عن حق هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم؟! قطعاً لا أحد يجرؤ أن يدعي هذا الحق، لذلك كان الصحابة والسلف "رضي الله عنهم" لا يرون للمسيء بحق النبي المتطاول عليه وعلى عِرضه سوى القتل، حتى وإن تاب. .

قال تعالى: { وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ } التوبة:١٢.

وقال تعالى: { قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } التوبة:٦٦.

وفي الحديث، عن ابن عباس، أن أعمى كانت له أمُّ ولد، تشتمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وتقعُ فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرُها فلا تنزجر. قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمُه، فأخذ المغوَلَ فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفلٌ، فلطَّخت ما هناكَ بالدم، فلما أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمع الناسَ فقال: "أُنشدُ اللهَ رجلاً فعلَ ما فعل، لي عليه حق إلا قام"، فقام الأعمى يتخطَّى الناسَ، وهو يتزلزل حتى قعد بين يدَي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا اشهدوا أن دمَها هَدْرٌ".

[٣] رواه أبو داود، والنسائي، صحيح سنن أبي داود: ٣٦٦٥. " دمها هدر"؛ أي لا قِود ولا قصاص، ولا ديّة على قاتلها.

وعن أبي برزة الأسلمي، قال: أغلظ رجلٌ لأبي بكر "رضي الله عنه"، فقلت: أقتلُه: فانتهرَني، وقال: ليس هذا الحد لإحدٍ بعد الرسولِ صلى الله عليه وسلم.

[٤] صحيح سنن النسائي: ٣٧٩٠. وقوله " بعد الرسولِ صلى الله عليه وسلم"؛ أي من غير الأنبياء.