القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

بَعضُ ما قِيلَ في فَضلِ القرون الثَّلاثةِ الأولى مِنَ البِعْثَةِ، وما لها من حَقٍّ على ما بعدَها من القرون والسِّنين

عن عمران بنِ حُصَينٍ "رضي الله عنه" قال: قالَ رَسُولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «خَيرُ أُمَتِي قَرْني، ثُمَّ الذِينَ يَلونَهُم، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُم، ثُمَّ إنَّ بَعدَكُم قَوماً يَشهَدُونَ وَلا يُستَشهَدونَ، وَيَخُونون ولا يُؤتَمَنونَ، ويَنذُرُون ولا يَفُونَ، ويَظهَرُ فيِهم السِّمَنُ»[[١]] متفق عليه.

[١] قوله «خَيرُ أُمَتِي قَرْني، ثُمَّ الذِينَ يَلونَهُم، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُم»؛ أي خير أمتي الصحابة، ثم التابعين لهم، ثم تابعي التابعين. والخيرية يُراد منها خيرية الدين، والعلم، والفهم، والاستقامة. والقَرْن يُطلق على كل مائة عام، وقيل هو الذي يشمل عمر جيل من الأجيال.

وقوله «يَشهَدُونَ وَلا يُستَشهَدونَ»؛ أي يُعطون الشهادة لخفة ذمتهم وقلة أمانتهم من دون أن تُطلب منهم، ومن دون أن يتحروا المواضع التي ينبغي أن تُعطى فيها الشهادة، من المواضع التي ينبغي أن يُمسك فيها عن الشهادة! وقوله: «ويَظهَرُ فيِهم السِّمَنُ»؛ أي يطلبون أنواع وألوان الأطعمة، فتظهر فيهم السُّمنَةُ والبدانة.

وعن عبد الله بن مسعود، أنَّ رَسُولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" قال: «خَيرُ النَّاسِ قَرنِي، ثُمَّ الَّذينَ يَلونَهُم، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُم، ثُمَّ يَجِيءُ قَومٌ تَسبِقُ شِهَادَةُ أَحَدِهِم يَمينَهُ، ويَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»[[٢]] متفق عليه.

[٢] قوله «تَسبِقُ شِهَادَةُ أَحَدِهِم يَمينَهُ، ويَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»؛ أي لخفة ورقة دينه لا يُبالي أن يُسرع في إعطاء الأيمان قبلاً أم الشهادة قبل الأيمان .. وبحسب ما يُطلب منه .. ويُدفَع له .. حيث أننا في زمان يوجد فيه من يحترف ويعمل على أبواب المحاكم الوضعية كشاهد زور .. يبيع شهادته لمن يطلبها ويحتاجها

ومن لوازم الشهادة ـ كما هو معلوم ـ أن يُقسم بالأيمان المغلظة بعد أن يضع يده على القرآن الكريم أنه فيما يقول لمن الصادقين العارفين .. ويكون الثمن أو الأجر بحسب نوع وأهمية وخطورة القضية التي سيشهد عليها .. وهذا كله يأتي مصداقاً لقوله "صلى الله عليه وسلم" أعلاه.

وعن أبي هريرة قال: قالَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «خيرُ أمَّتِي القرن الذي بُعِثْتُ فيهم، ثمَّ الذين يَلُونَهم ـ واللهُ أعلَم أذَكَرَ الثَّالِثَ أم لا ـ ثمَّ يَخْلُفُ قومٌ يُحبونَ السَّمانَةَ، يَشْهَدُون قبلَ أن يُسْتَشْهَدُوا» مسلم.

وعن عائشةَ قالت: سألَ رجلٌ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم": أيُّ الناسِ خيرٌ؟ قال: «القَرْنُ الذي أنا فيه، ثُمَّ الثاني، ثمَّ الثالِثُ» مسلم.

وعن عمر بن الخطاب، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: «خيرُ النَّاسِ قَرنِي الذي أنا منهم، ثمَّ الذين يَلُونَهُم، ثمَّ الذين يَلُونَهُم، ثم يَنْشَأُ أقوامٌ يَفْشُوا فِيهم السِّمَنُ، يَشهَدُون ولا يُسْتَشْهَدُون، ولهم لَغَطٌ في أسواقِهم»[[٣]].

[٣] أخرجه البزار في "البحر الزخار"، السلسلة الصحيحة: ٣٤٣١. وقوله «ولهم لَغَطٌ في أسواقِهم»؛ أي لهم صخَبٌ، فأصواتهم مختلطة ومرتفعة في أسواقهم، بحيث لا يُفهم معناها.

عن جابر بن سمرة، قال: خطَبَنا عمرُ بن الخطاب بالجابِيَةِ، فقال: إن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قامَ فينا مقامي فيكم، فقال: «احفظُوني في أصحابي، ثم الذين يَلُونَهُم، ثم الذين يلونَهُم، ثم يَفْشُوا الكَذِبَ، حتى يَشهَدَ الرجلُ، وما يُسْتَشْهدُ، ويَحْلِفَ وما يُسْتَحْلَفُ»[[٤]].

[٤] أخرجه ابن ماجه وغيره، السلسلة الصحيحة: ١١١٦. الجابية: موضع؛ وهو الحوض الذي يُجبى فيه الماء. وقوله «احفظُوني في أصحابي»؛ أي احفظوا وأدوا واعرفوا حقي عليكم، بمراعاة حق أصحابي عليكم، فمن راعى وأدى حقهم عليه، فقد حفظ حقي عليه، ومن فرَّط بحق أصحابي عليه فقد فرَّط بحقي ولم يحفظ حقي عليه .. ثم تكون هذه المراعاة بالترتيب للذين يلون الصحابة من التابعين .. ثم الذين يلون التابعين من تابعي التابعين .. ثم بعد ذلك يفشو الكذب .. والغدر .. وتُفقد الأمانة .. حتى يُقال في بني فلان رجل أمين!

وقوله «ويَحْلِفَ وما يُسْتَحْلَفُ»؛ أي يُسرع في حلف الأيمان المغلَّظة كاذباً من دون أن يُطلب منه أن يحلف ليُصدَّق فيما يزعم ويقول!

وعن عمر "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «أكرموا أصحابي، فإنَّهم خيارُكم، ثمَّ الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم، ثم يَظْهَرُ الكَذِبُ حتى إنَّ الرجلَ ليحْلِفُ ولا يُسْتَحْلَفُ، ويَشْهَدُ ولا يُسْتَشْهَدُ»[[٥]].

[٥] رواه النسائي، وأحمد، والحاكم، وصححه الشيخ ناصر في تحقيقه لمشكاة المصابيح: ٦٠٠٣.

وعن عبد الله بن بِسر قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «طُوْبَى لِمَنْ رآني، وطُوبى لِمَن رأَى مَن رآني، ولِمَن رأى مَن رأى مَن رآني وآمَنَ بِيَ»[[٦]].

[٦] أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: ١٢٥٤.

وعن واثِلَة بنِ الأَسْقَع، قال: قالَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «لا تَزالُونَ بخيرٍ مادامَ فيكُم من رآني وصاحبني، واللهِ لا تزالون بخيرٍ مادامَ فيكم من رَأى من رآني وصاحَبَ من صاحَبَنِي، والله لا تزالون بخيرٍ مادامَ فيكُم مَنْ رأى مَنْ رأى مَن رآني، وصاحَبَ مَن صَاحَبَ مَن صاحَبَنِي»[[٧]].

[٧] أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف، السلسلة الصحيحة: ٣٢٨٣. قوله «لا تَزالُونَ بخيرٍ»؛ أي في دينكم .. لوجود العلماء القريبين من عهد النبوة الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. ويُصلحون إذا ما فسد الناس .. ثم بعد القرن الثالث؛ وهو قرن تابعي التابعين .. يفشو الكذب .. وتفشو البدع والأهواء .. لغياب من يقوم بواجب الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من العلماء كما كان في القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخير.

قلت: مجموع هذه الأحاديث وغيرها هي التي تُلزمنا بأن نقول: بأن السلف الصالح هم الأحكم والأسلم علماً وفهماً ومنهجاً واعتقاداً من الخلَف .. وليس كما يقول بعض أهل الرأي والبدع بأن السلف أسلم لكن الخلَف أحكم .. ساء ما يقولون.

كما أن هذه الأحاديث تُلزمنا بأن نقدم فهم وقول السلف الصالح بحسب ترتيب تواجدهم في القرون الثلاثة الأولى؛ فنقدم فهم وقول من عاش من العلماء في القرن الأول على فهم وقول من عاش في القرن الثاني، ومن عاش في القرن الثاني على من عاش في القرن الثالث، ومن عاش في القرن الثالث على من جاء بعدهم من الخلف والمتأخرين

وهذا كله في حال غياب النص من الكتاب أو السنة الذي يمكننا من ترجيح قول أو فهم على آخر .. أما في حال وجود النص الصحيح الصريح .. حينئذٍ لا يجوز الالتفات أو العدول عنه إلى قولٍ آخر أياً كان صاحب هذا القول .. وكانت مكانته .. سواء كان من السلف أم من الخلف.

وعن ابن عباس، قال: قال رسُولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «تَسْمَعُونَ ويُسْمَعُ مِنْكُم، ويُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُم»[[٨]].

[٨] صحيح سنن أبي داود: ٣١٠٧.

قلت: دلَّ هذا الحديث على جملة من المعاني والدلالات، منها: أن العلم يُؤخذ بالسند، وبالسند الصحيح المتصل بالنبي "صلى الله عليه وسلم". ومنها: أن السند يثبت بالسمع المباشر من المتحدَّثِ إليه إلى المتحدِّث.

ومنها: أنَّ الصحابة "رضي الله عنهم" هم حلقة الوصل الأولى بين النبي "صلى الله عليه وسلم" وبين الأجيال التالية بعدهم؛ فإذا فُقدت هذه الحلقة أو تم تجريحها وإسقاطها ـ كما يفعل دعاة الهدم من الشيعة الروافض ـ فقدت الأمة صلتها بالنبي "صلى الله عليه وسلم"، وصلتها بالعلم الصحيح.

ومنها: ثبوت عدالة الصحابة والتابعين لهم من القرن أو الجيل الثاني ممن عاصر الصحابة ولم ير النبيَّ "صلى الله عليه وسلم"، بشهادة النبي "صلى الله عليه وسلم" لهم بأنهم يَسمعون، ويُسمِعون من بعدهم .. فهذه الشهادة بمثابة إجازة من النبي "صلى الله عليه وسلم" لهم بأن ينقلوا العلم لمن بعدهم، وأنهم أمناء وعدول فيما ينقلونه بالسند عن نبيهم صلوات الله وسلامه عليه.

وصلى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.