القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

بَعْضُ مَا قِيلَ فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ "رَضِيَ اللهُ عَنْهُ"، وَمَا لَهُ مِنْ حَقٍّ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَان

بَعض ما قِيل في فَضل أبي بكرٍ الصِّدِّيق "رضي الله عنه"، ومَا له مِن حَقٍّ، واسمه: عبدُ اللهِ بنُ عُثمان[[١]].

[١] لُقِّبَ بالصِّدِّيق؛ لسرعة إيمانه وتصديقه للنبي "صلى الله عليه وسلم" في كل ما يُخبر به عن ربه يوم أن كذبته قريش. وبالعَتِيق؛ لعِتقه من النار.

قال تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} التوبة:٤٠[[٢]].

[٢] قوله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ}؛ هما بالإجماع واتفاق جميع المفسرين: محمد رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، وأبو بكر الصِّدِّيق "رضي الله عنه" .. وبالتالي فمن يطعن بعدالة الصِّدّيق وحسن صحبته لرسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" .. فهو يطعن ويرد هذه الآية الكريمة .. ومن يطعن بآيات الله تعالى، ويردها .. أو يكذب بها .. فهو كافر مرتد.

عن أبي بَكْرٍ "رضي الله عنه" قال: قُلتُ للنبيِّ "صلى الله عليه وسلم" وأنا في الغارِ: لو أنَّ أحدَهم نظَرَ تحتَ قدَمَيه لأبصَرَنا، فقال: «ما ظَنُّكَ يا أبا بكرٍ باثنَينِ اللهُ ثالِثُهُما» متفق عليه.

وعن ابن عُمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" قال لأبي بَكرٍ: «أنتَ صاحِبي على الحَوْضِ، وصاحِبي في الغَارِ»[[٣]].

[٣] أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حَسَنٌ غَريبٌ صحيح. ومعنى الحديث: أي كما أنك صاحبي في الغار فأنت يوم القيامة صاحبي على الحوض.

وعن أبي سعيد الخُدْرِي، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: «إنَّ مِن أمَنِّ الناسِ عليَّ في صُحْبَتِه ومالِه أبَا بكرٍ، ولو كُنْتُ مُتخِذاً خليلاً غيرَ ربِّي لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ، ولكن أُخوة الإسلامِ ومَوَدَّته، لا يَبقيَنَّ في المسجدِ بابٌ إلا سُدَّ إلا بابَ أبي بكر» متفق عليه.

وعن ابن عبَّاس، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: «لو كنتُ متخذاً من أمتي خليلاً، لاتخَذتُ أبا بكرٍ، ولكن أخي وصاحبي» البخاري.

وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: «لو كنتُ متخذاً خَليلاً لاتخذْتُ أبا بكرٍ خَلِيلاً، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتَّخَذَ اللهُ صاحِبَكُم خليلاً»[[٤]] مسلم.

[٤] الخلَّة: أعلى درجات المحبة وأكملها؛ وهي مقطوعة من الأعلى نحو الأدنى إلا بنص، فخلة الله لعباده مقطوعة إلا لعبدين من عباده: إبراهيم، ومحمد عليهما الصلاة والسلام، لورود النص، وكذلك خلة النبيّ لأصحابه مقطوعة بالنص كما تقدم أعلاه، وهذا بخلاف خلة الأدنى للأعلى فمسموح بها، كخلة الصحابة وغيرهم من المسلمين لمحمد "صلى الله عليه وسلم"، فالمسلم له أن يقول محمد "صلى الله عليه وسلم" خليلي، ولكن ليس له أن يقول: أنا خليل محمد "صلى الله عليه وسلم".

ومن الأخطاء الشائعة على ألسنة بعض الخطباء المعاصرين أنه يُخاطب المصلين أمامه ـ وفيهم من لا يُصلي إلا الجمعة فقط ـ بعبارة: يا أحباب محمد "صلى الله عليه وسلم" .. وكأنه اطَّلع الغيب وعلم أن محمداً "صلى الله عليه وسلم" يحبه، ويحب من أمامه من المصلين .. فضمان مثل هذا النوع من المحبة لأعيانٍ من الناس كالقطع لهم بالجنة .. وضمانها لهم .. وهذا لا يجوز؛ لأنه من التألِّي بغير علم.

وعن عائشة، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: «ما نَفَعَنا مالُ أحدٍ، ما نَفَعَنا مالُ أبي بكرٍ»[[٥]].

[٥] أخرجه ابن راهويه في المسند، وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٧١٧.

وعن ابن عباس، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: «ما أحدٌ أعظَمَ عندي يَداً من أبي بكرٍ "رضي الله عنه"، واسَاني بنَفْسِه ومالِه، وأنكَحَني ابنَتَهُ»[[٦]].

[٦] أخرجه الطبراني، وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٢١٤.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «ما لأحَدٍ عِندَنا يَدٌ إلاَّ وَقَد كافَيناهُ، ما خَلا أبَا بكرٍ، فإنَّ لَهُ عِندنا يَداً يُكَافِيهِ اللهُ بها يَومَ القيامَةِ، وما نَفَعَني مالُ أحَدٍ قَطُّ ما نَفَعَني مالُ أبي بكر، ولو كُنتُ مُتّخِذاً خَليلاً لاتخذتُ أبا بكر خَليلاً، ألا وإن صاحِبَكم خَليلُ الله»[[٧]].

[٧] صحيح سنن الترمذي: ٢٨٩٤. أقول: بذل القليل في سبيل الله في وقت العسر والشدة والحاجة، يوازي ـ من حيث الأجر ـ بذل الكثير الكثير في وقت السِّعة والرخاء والاستغناء، ومنه تعلم معنى حديث النبي "صلى الله عليه وسلم": «سَبَقَ دِرْهَمٌ مائةَ ألفِ دِرْهَم» صحيح سنن النسائي: ٢٣٦٧.

وعن عائشة: أن أبا بكر دخلَ على رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: «أنتَ عَتِيقُ اللهِ من النَّارِ» فيومئذٍ سُمّي عَتيقاًَ[[٨]].

[٨] صحيح سنن الترمذي: ٢٩٠٥.

وعن عمر بن الخطاب، قال: أمرَنا رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" أن نتصدَّقَ، ووافقَ ذلك عندي مالاً، فقلتُ: اليومَ أسبِقُ أبا بكرٍ إن سبقتَهُ يوماً، قال: فجئتُ بنصفِ مالي. فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": «ما أبقيتَ لأهلِك؟» قلتُ: مِثلَهُ. وأتى أبو بكرٍ بكلِّ ما عندَه. فقال: «يا أبَا بكرٍ ما أبْقَيْتَ لأهلِكَ؟» فقال: أبقيتُ لهم اللهَ ورسولَهُ. قلت: لا أسبِقُه إلى شيءٍ أبَدَاً[[٩]].

[٩] صحيح سنن الترمذي: ٢٩٠٢.

وعن أبي هريرة، قال: قالَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «مَنْ أصبَحَ مِنكُم اليومَ صائماً؟» قال أبو بكرٍ: أنا، قال: «فمَن اتَّبَعَ منكُم اليومَ جنازَةً؟» قال أبو بكرٍ: أنا، قال: «فمَن أطعَمَ منكُم اليومَ مِسْكِيناً؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمَن عادَ مِنكم اليومَ مريضاً؟» قال أبو بكرٍ: أنا، فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «ما اجتَمَعْنَ في امرِئٍ إلا دخَلَ الجنَّةَ» مسلم.

وعن جُبَير بن مُطْعِم، قال: أتتِ امرأةٌ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" فكلَّمَتْهُ في شيءٍ، فأمَرَها أن ترجِعَ إليه، قالت: يا رسولَ الله! أرأيتَ إن جِئتُ ولم أجِدْكَ؟ كأنها تُريدُ الموتَ. قال: «إن لم تجدِيني فأتي أبا بَكر ٍ»[[١٠]] متفق عليه.

[١٠] رد المرأة إلى أبي بكرٍ لينظر في أمرها وحاجتها بعد وفاة النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" .. وكذلك أمر النبي "صلى الله عليه وسلم" لأبي بكر ـ دون غيره ـ بأن يصلي بالناس من بعده .. إمارة على الاستخلاف، وارتضائه خليفة لرسول الله "صلى الله عليه وسلم" .. فالصلاة أعظم ركن في الدين بعد التوحيد .. فمن يستخلفه النبي "صلى الله عليه وسلم" على دين الناس من باب أولى أن يستخلفه ويرتضيه خليفة لهم في شؤون دنياهم .. وهذا المعنى سيأتي تأكيده في عبارات ترقى إلى درجة التصريح، كما هو مبين في الأحاديث التالية أعلاه.

وعن عائِشَةَ أُمِّ المؤمنين، أنَّ رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" قال في مرضه: «مُرُوا أبا بكرٍ يُصلِّي بالنَّاسِ»، قُلتُ: إنَّ أبا بكرٍ إذا قامَ في مَقامِكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكاء، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ، فقال: «مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ بالنَّاسِ». فقلتُ لِحَفْصَةَ: قُولي إنَّ أبا بكرٍ إذا قامَ في مَقامِكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكاء، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ، ففَعَلَتْ حفصَةُ، فقالَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «إنَّكُنَّ لأنتُنَّ صَواحِبُ يوسُف، مُرُوا أبا بكرٍ فليُصلِّ للناسِ». فقالت حَفْصَةُ لِعائشةَ: ما كُنتُ لأُصيبَ مِنكِ خيراً[[١١]]. متفق عليه.

[١١] مما حمل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على أن تعتذر وتتعلل لأبي بكر، إضافة إلى شدة بكائه الذي قد يمنعه من أن يسمع صوته لمن خلفه من المصلين .. أن تدفع الحرج عن أبيها؛ لأن الصحابة لم يعتادوا على أن يروا إماماً لهم في مسجد رسول الله "صلى الله عليه وسلم" غير رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" .. فالموقف شديد عليهم وعلى الإمام معاً .. لذا قد ثبت أن النبي "صلى الله عليه وسلم" كان أحياناً في مرضه الأخير يُصلي بجوار أبي بكر وهو كإمامٍ للناس .. وعندما يريد أبو بكر أن يتأخر إلى الوراء يشير إليه النبي "صلى الله عليه وسلم" أن مكانك .. ليقرر إمامته من بعده .. وأنه الإمام المرتضى .. وليهوِّن على نفوس أصحابه رضي الله عنهم أجمعين رؤية إمامٍ لهم غير النبي "صلى الله عليه وسلم" .. والقبول به كإمام لهم من بعده.

وعن عبدِ الله بن زُمعَة، قال: لمَّا استُعِزَّ برسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، وأنا عِندَهُ في نفَرٍ من المسلمين، دعاهُ بِلالٌ إلى الصَّلاةِ، فقال: مُروا من يُصلي للناس، فخرج عبدُ الله بن زمعة، فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائِباً، فقلت: يا عمر، قُمْ فَصَلِّ بالناس، فتقدَّم فَكَبَّر، فلما سمِعَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" صَوتَهُ، وكان عمرُ رجلاً مُجَهّراً؛ قال: «فأين أبو بكر؟ يأبى اللهُ ذلك والمسلمون، يأبى اللهُ ذلك والمسلمون»، فبعث إلى أبي بكرٍ فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس[[١٢]].

[١٢] صحيح سنن أبي داود: ٣٨٩٥. وقوله «استُعِزَّ»؛ أي اشتدَّ به المرض، وأشرَف على الموت «النهاية». وقوله «مجهَّراً»؛ أي جهورياً فيُسمَع صوته عن بُعد. قلت: وإعادة الصحابة للصلاة ثانية .. لغياب أبي بكر عن الإمامة .. دلّ على بطلان الأولى؛ لأن الفرض لا يُعاد مرتين .. كما دل على تأكيد خلافة أبي بكر "رضي الله عنه" لرسول الله "صلى الله عليه وسلم" في الإمامة الخاصة والعامة سواء.

وفي رواية عنه، قال: لما سمِعَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" صوتَ عمر ـ قال ابن زُمعة ـ: خرَجَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" حتى أطلَعَ رأسَهُ من حُجْرَتِه، ثم قال: «لا، لا، لا، لِيُصلِّ للناس ابنُ أبي قُحَافة» قال ذلك مُغْضَبَاً[[١٣]].

[١٣] صحيح سنن أبي داود: ٣٨٩٦.

وعن عائشة، قالت: قال لي رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" في مرَضِه: «ادعِي لي أبا بكرٍ أبَاكِ، وأخاكِ، حتى أكتُبَ كِتاباً؛ فإني أخافُ أن يَتمنَّى مُتَمَنٍّ، ويقولُ قائلٌ: أنا أولى؛ ويأبى اللهُ والمؤمنونَ إلا أبا بكرٍ» مسلم.

وعنها، قالت: لما ثَقُلَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" قال لعبدِ الرحمن بن أبي بكرٍ: «ائتني بكَتِفٍ أو لوحٍ حتى أكتبَ لأبي بكرٍ كتاباً لا يُختلَفُ عليه»، فلما ذهبَ عبد الرحمن ليقوم، قال "صلى الله عليه وسلم": «أبى اللهُ والمؤمنون أن يُختلَفَ عليك يا أبا بكرٍ»[[١٤]].

[١٤] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٦٩٠. هذا الحديث والأحاديث التي قبله ذات العلاقة بموضوع الاستخلاف والإمامة، تحملنا على القول: بأن خلافة أبي بكرٍ الصديق "رضي الله عنه" كانت بالنص، وبأمرٍ صريح من النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" .. يعلو درجة التلميح أو الإشارة كما يقول بذلك بعض الكتاب!

وقال عمر "رضي الله عنه" لأبي بكرٍ "رضي الله عنه": «بل نُبايُعكَ أنتَ؛ فأنتَ سيِّدُنا، وخيْرُنَا، وأحبُّنَا إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"» البخاري.