القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

من حقِّ الوالدين على الولدِ أن يبرهما ويُحسِن إليهما، وأن يصلَهما ولا يقطعهما، وأن يتواضعَ لهما ولا يعصيهما في معروفٍ.

قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ[[١]] وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} الإسراء:٢٣-٢٤.

[١] فإذا كان لا يجوز للمرء أن يقول لأبويه )أُفٍّ(؛ وهي أقل العبارات التي تنمُّ التضجر والامتعاض، والكراهية، فكيف بمن يتجرأ على ضربهما وسبهما لأتفه الأسباب .. فهذا لا يسأل عن سوء عاقبته .. والهلكة التي وقع فيها .. في دنياه قبل آخرته؟!     وفي الآونة الأخيرة، انتقلت إلينا عادة سيئة من الغرب الصليبي؛ وهي وضع الوالدين عند الكبر في مراكز العناية بالعجزة بعيداً عن أبنائهما وأحفادهما، هرباً من القيام بواجب الخدمة والرعاية نحوهما، هذا إذا لم يكن طاعة وامتثالاً لأوامر المرأة المدللة!

قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا[[٢]]} النساء:٣٦.

[٢] قرن الله تعالى الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بعبادته وتوحيده؛ وهذا لعِظم فضلهما وحقهما على أبنائهما.

قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك إلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} لقمان:١٤-١٥.

قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} العنكبوت:٨[[٣]].

[٣] في الآية دلالة على أنه ليس للوالدين ـ على عظم حقهما على الولد ـ أن يأمراه بما فيه معصية لله تعالى، فإن فعَلا فليس عليه أن يطيعهما؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في  معصية الخالق.     وكذلك لو أمراه بأن لا يقوم بالواجبات والفرائض الشرعية، كما يفعل كثيرُ من الآباء في هذا الزمان خشية على أبنائهم، وربما لأسباب أخرى واهية ومردودة .. يطلبون منهم عدم حضور الجمعة والجماعات في المساجد .. ولا أن يشهدوا مجالس العلماء ليطلبوا منهم العلم .. فهذا أيضاً لا يجوز له أن يطيعهما في ذلك، وإن غضبا؛ فمراعاة غضب الله أولى .. وتقديم طاعة الله أولى.

وفي الحديث، عن عبد الله بن مسعود "رضي الله عنه"، قال: سألتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم"، قلتُ يا رسولَ الله! أيُّ العملِ أفضل؟ قال: "الصلاةُ على ميقاتها"، قلت: ثم أي؟ قال: "بِرُّ الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهادُ في سبيلِ الله" متفق عليه.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا يُجزئُ ولدٌ والدَهُ إلا أن يجِدَهُ مملوكاً فيشتريَهُ فيُعتِقَهُ" مسلم.

وعن عبد الله بن عمرو "رضي الله عنه"، قال: جاء رجلٌ إلى النبي "صلى الله عليه وسلم" فاستأذنَه في الجهاد، فقال: "أحيٌّ والداك؟" قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد" متفق عليه.

وفي رواية: عن أبي سعيد "رضي الله عنه"، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "ارجع إلى أبوَيكَ فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرَّهما"[[٤]].

[٤] رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، صحيح الجامع الصغير: ٨٩٢. في الحديث: أن الجهاد إذا كان فرضاً كفائياً، قُدِّم بر الوالدين على الجهاد؛ لأن برهما فرض عين، والفرض العين يقدم على الفرض الكفائي، أما إذا تعين الجهاد ووجب النفير، قُدم الجهاد ولا بد. وفيه كذلك، أن الوالدين يُستأذنا في الجهاد التطوعي الكفائي، بخلاف ما إذا كان فرضاً فحينئذٍ لا يشترط إذنهما، والله تعالى أعلم.

وعن عبد الله بن عمرو "رضي الله عنه": أنَّ رجلاً أتى النبي "صلى الله عليه وسلم"، فقال: إني جئتُ أبايُعكَ على الهجرةِ، ولقد تركتُ أبوَيَّ يبكيان! قال: "ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما"[[٥]].

[٥] صحيح سنن النسائي: ٣٨٨١. والحديث يُحمل في حال كانت الهجرة مندوبة، وكان المرء يقدر على إظهار دينه في بلد إقامته، أما إذا تعينت الهجرة، فحينئذٍ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وعنه، قال: أقبَلَ رجلٌ إلى رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: أُبايعك على الهجرةٍ والجهادِ، أبتغي الأجرَ من الله، قال: "فهلْ من والديكَ أحدٌ حيٌّ؟"، قال: نعم؛ بل كلاهما حيٌّ. قال: "فتبتغي الأجرَ من الله؟"، قال: نعم. قال: "فارجعْ إلى والديكَ فأحسِن صُحبتَهُما"[[٦]]مسلم.

[٦] هذا الحديث وأمثاله ينبغي أن يُحمل عندما تكون الهجرة، وكذلك الجهاد فرضاً كفائياً أو سُنة يُندب لها .. أما إذا تعينت الهجرة أو الجهاد في سبيل الله فالفرض المتعلق بحق الخالق مقدم على الفرض المتعلق بحق المخلوق.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، قال: "رَغِمَ أنفُ[[٧]]، ثم رغِمَ أنفُ، ثمَّ رغِمَ أنفُ"، قِيل: من يا رسولَ الله؟ قال: "مَن أدركَ أبوَيه عند الكبر أحدَهما أو كِلَيهما، فلم يدخُل الجنةَ"[[٨]]مسلم.

[٧] أي لصق أنفه في الأرض، كناية عن الذل.

[٨] أي لم يدخل الجنة بخدمتهما وبرهما والإحسان إليهما .. مستغلاً فرصة وجودهما أو وجود أحدهما عنده!

وعن جابر بن سمرة "رضي الله عنه"، قال: صعدَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" المنبرَ فقال: أتاني جبريل "عليه السلام" فقال: يا محمد! من أدرَكَ أحدَ أبويه فمات فدخل النار[[٩]]، فأبعدَهُ الله، قل: آمين، فقلت: أمين .."[[١٠]].

[٩]  أي أنه لم يحسن استغلال وجودهما عنده بالإحسان إليهما وبرهما، فيدخل بذلك الجنة، فهي فرصة قد فوتها .. ولا يفوتها إلا كل غبي خاسر!

[١٠] أخرجه الطبراني صحيح الترغيب: ٢٤٩١. قلت: قد خاب وخسر من اجتمع عليه دعاء جبريل ومحمد "صلى الله عليه وسلم".

وفي رواية من حديث أبي هريرة "رضي الله عنه": "ومن أدرك أبَوَيه أو أحدهما، فلم يبرُّهما فمات، فدخلَ النار، فأبعده الله، قل:آمين. فقلت: "آمين"[[١١]].

[١١] أخرجه ابن حبان، صحيح الترغيب والترهيب: ٢٤٩٢. 

وفي رواية من حديث ابن عباس "رضي الله عنهما": "ومن أدركَ والديهِ أو أحدَهُما فلم يبرَّهما؛ دخلَ النارَ، فأبعدَهُ اللهُ وأسحَقَهُ. قلت: آمين"[[١٢]].

[١٢] أخرجه الطبراني، صحيح الترغيب: ٢٤٩٥.

وعن عبد الله بن عمرو "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "رِضا الله في رِضا الوالِد، وسخَطُ اللهِ في سَخَطِ الوالِد"[[١٣]].

[١٣] أخرجه الترمذي وغيره، صحيح الترغيب: ٢٥٠١. قلت: لفظ الوالد هنا يُحمَل على الوالدين معاً؛ فكل منهما والد باعتباره. ودلَّ الحديث أن مرضاة الوالدين سبب ومدعاة لمرضاة الربِّ "جل جلاله"، وأن سخط الوالدين سبب ومدعاة لسخط الرب "سبحانه وتعالى". 

وفي رواية عنه: "رضا الربِّ تباركَ وتعالى في رضا الوالدين، وسخَطُ الله تباركَ وتعالى في سخَطِ الوالدين"[[١٤]].

[١٤] أخرجه البزار، صحيح الترغيب: ٢٥٠٣. قلت: هذه الرواية تقوي المعنى المشار إليه آنفاً في الرواية السابقة؛ من أن كلمة الوالد، تُطلق أحياناً ويُراد منها الوالدان معاً.