القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

فضلُ رحمةُ الوالِدِ لأولاده، وتقبيلهم، والعطفِ عليهم

عن عائشة "رضي الله عنها"، قالت: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" فقال: أَتُقبِّلُون الصبيانَ؟ فما نقبِّلُهم! فقال النبي "صلى الله عليه وسلم": «أوَأَملِكُ لك أنْ نَزعَ اللهُ من قلبِكَ الرحمة»[[١]]. متفق عليه.

[١] أي ماذا أملك لك.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: قبَّلَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" الحسنَ بن علي "رضي الله عنهما"، وعندهُ الأقرعُ ابن حابِسٍ، فقال الأقرع: إنَّ لي عشرَةً من الولدِ ما قبَّلتُ منهم أحداً، فنظر إليه رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" فقال: «من لا يَرحَم لا يُرحَم». متفق عليه.

وعن أنسٍ "رضي الله عنه": «أخذَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" إبراهيمَ فقبَّلَه وشمَّهُ». البخاري.

وعن عائشة "رضي الله عنها"، قالت: ما رأيتُ أحداً أشبهَ برسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" من فاطمة كرَّمَ اللهُ وجهها؛ كانت إذا دخلت عليه قامَ إليها فأخذَ بيدها وقبَّلَها وأجلَسَها في مجلِسه، وكان إذا دخلَ عليها قامت إليه، فأخذت بيده فقبَّلتهُ وأجلَسَتْهُ في مجلِسِها[[٢]].

[٢] صحيح سنن أبي داود: ٤٣٤٧.

وعن البراء "رضي الله عنه"، قال: دخلتُ مع أبي بكر أوَّل ما قدِمَ المدينة، فإذا عائشةُ ابنتُه مُضْجَعَةً قد أصابتْها حُمَّى، فأتاها أبو بكرٍ، فقال لها: كيف أنت يا بُنيَّة؟ وقبَّلَ خدَّها[[٣]].

[٣] صحيح سنن أبي داود: ٤٣٥١.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال كان رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم"، ليُدلِعُ لِسَانَهُ للحسن بن علي، فيرى الصبيُّ حُمرةَ لِسانِه، فيَبْهَشُ إليه[[٤]].

[٤] أي يُسرع في مدِّ يده إليه.

[٥] السلسلة الصحيحة: ٧٠.

عن أُمِّ خالدٍ بنتِ خالد بن يعيد "رضي الله عنها"، قالت: أتيتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" مع أبي، وعليَّ قميصٌ أصفَرُ، قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": «سنَهْ سَنَهْ» ـ أي حسنةٌ حَسَنةٌ ـ قالت: فذهبتُ ألعَبُ بخاتَمِ النبوَّةِ فزَبَرَني أبي ـ أي زجرني ونهاني ـ قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «دَعْها». البخاري.

وعن أنسِ ابنِ مالك "رضي الله عنه"، قال: إنْ كان النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" ليُخالِطُنا حتى يقولَ لأخٍ لي صغيرٌ: «يا أبا عُمَيْر، ما فعَلَ النُّغَيْرُ»[[٦]]. البخاري.

[٦] يُمازحه، والنُّغير طائر كان يلعب به أبو عُمير!

وعنه قال: «كان ـ أي رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ـ أرحمَ النَّاس بالعيالِ والصِّبيانِ»[[٧]].

[٧] أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي "صلى الله عليه وسلم"، السلسلة الصحيحة: ٢٠٨٩.

وعنه، قال: «كان رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" يمرُّ بالغُلمانِ فيُسلِّمُ عليهم، ويدعو لهم بالبركة»[[٨]].

[٨] رواه ابن عساكر، السلسلة الصحيحة: ١٢٧٨.

وعن بريدة "رضي الله عنه"، قال: خطبنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فأقبَلَ الحسنُ والحسَينُ عليهما قميصان أحمران، يَعثُران ويَقومان، فنزلَ فأخذَهُما فصعَد بهما، ثم قال: «صدق الله {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ}؛ رأيتُ هذين فلم أصبرْ»، ثم أخَذَ في الخُطبةِ[[٩]].

[٩] صحيح سنن أبي داود: ٩٨١.

وعنه، قال: كان النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" يخطُبُ فجاءَ الحسن والحُسين "رضي الله عنهما"، وعليهما قميصان أحمران يَعثُران فيهما، فنزلَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" فقطَعَ كلامَهُ، فحملَهُما، ثمَّ عادَ إلى المنبر، ثم قال: «صدق الله {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ}؛ رأيتُ هذينِ يَعثُرانِ في قميصَيْهِما فلم أصبرْ حتَّى قطعتُ كلامي فحمَلتُهُما»[[١٠]].

[١٠] صحيح سنن النسائي: ١٣٤٠. قلت: تأمَّل لو فعل خطيب من خطباء الجمعة في زماننا مع أطفاله ما فعله النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" مع الحسن والحسين .. فماذا ترى ردة فعل الناس واعتراضاتهم، وصياحاتهم ..؟!! 

وعن شدَّاد بن الهاد الليثي "رضي الله عنه"، قال: خرجَ علينا رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" في إحدى صلاتَي العِشاء، وهو حاملٌ حسناً أو حسيناً، فتقدَّم رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" فوضعَهُ، ثم كبَّرَ للصلاة، فصلَّى، فسجدَ بين ظهراني صلاته سجدةً أطالها، قال أبي: فرفعتُ رأسي، وإذا الصبيُّ على ظهرِ رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" وهو ساجدٌ، فرجعتُ إلى سُجودي، فلما قضى رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم"، قال الناسُ: يا رسولَ الله! إنَّكَ سجدتَ بين ظهراني صلاتِكَ سجدةً أطلتَها! حتى ظننَّا أنه قد حدَث أمرٌ، أو أنه يُوحى إليك، قال: «كلُّ ذلك لم يَكُن؛ ولكنَّ ابني ارتَحَلَني، فكرِهتُ أن أُعَجِّلَهُ حتَّى يَقضِيَ حاجَتَهُ»[[١١]].

[١١] صحيح سنن النسائي: ١٠٩٣. قولهم " حتى ظننَّا أنه قد حدَث أمرٌ"؛ يريدون أنه "صلى الله عليه وسلم" قد قُبِض!

وعن البراء "رضي الله عنه"، قال: رأيتُ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" والحسَنُ ـ صلوات الله عليه ـ على عاتقِه، وهو يقول: «اللهمَّ إنِّي أُحِبُّه فأحِبَّه»[[١٢]].

[١٢] صحيح الأدب المفرد: ٦٣.

وعن يعلى بن مُرَّة "رضي الله عنه"، أنه قال: خرجنا مع النبيِّ "صلى الله عليه وسلم"، ودُعينا إلى طعامٍ فإذا حُسين يلعبُ في الطريق، فأسرَعَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" أمامَ القوم، ثم بسَطَ يديه؛ فجعلَ الغلامُ يفرُّ هاهُنا وهاهُنا، ويُضاحِكُه النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" حتى أخذَه، فجعَلَ إحدى يدَيه في ذقنِه والأُخرى في رأسه، ثم اعتنَقَه، ثمَّ قال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم": «حُسينٌ مني وأنا من حُسين، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حُسيناً، الحُسَينُ سَبطٌ من الأسباط»[[١٣]].

[١٣] صحيح الأدب المفرد: ٢٧٩. قال الشيخ ناصر ـ رحمه الله ـ في التعليق: "سبط من الأسباط"؛ أي أمة من الأمم في الخير، والأسباط في أولاد إبراهيم "عليه السلام" بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل، واحدهم سبط.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: «كنَّا نصلي مع رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" العِشاءَ، فإذا سجدَ وثبَ الحسَنُ والحُسين على ظهرهِ، وإذا رَفَعَ رأسَه أخذَهما بيده من خلفِه أخذاً رفيقاً، فوضعَهُما وضعاً رفيقاً، فإذا عادَ عادا، فلمَّا صلَّى وضعهما على فخِذَيه واحداً ههنا، وواحداً ههنا. قال أبو هريرة "رضي الله عنه": فجِئتُه فقلتُ يا رسولَ الله! ألا أذهب بهما إلى أمِّهما؟ قال: لا، فبَرِقَتْ برقَةً، فقال: الحَقا بأُمِّكُما، فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا إلى أُمِّهما»[[١٤]].

[١٤] أخرجه الحاكم وغيره، السلسلة الصحيحة: ٣٣٢٥. قلت: أين كثيرٌ من مسلمي هذا العصر من هذه الأخلاق العظيمة لنبينا صلوات ربي وسلامه عليه في تعاملهم مع الأطفال؛ حيث ما إن يروا طفلاً يمرح قليلاً في المسجد إلا وتراهم يصرخون في وجهه، ويُطالبونه بالخروج من المسجد هو ومن أتى به .. حتى تكاد ترى كثيراً من مساجد المسلمين ـ وبخاصة منها بعض مساجد الأعاجم كالباكستانيين وغيرهم ـ تخلو من وجود الأولاد، والأطفال .. وذلك بسبب شدة وغلظة القائمين عليها في تعاملهم مع الأطفال .. فيُنشَّأ الطفل بعيداً عن محضن وثقافة وقيم المساجد .. ليشب على الإنحراف، وقيم وثقافة الشوارع الفاسدة .. فيحصل المحظور، ويقع الندم ولات حين مندم!

وعن يوسف بن عبد الله بن سَلاَم "رضي الله عنه"، قال: «سمَّاني رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" يوسف، وأقعدَني على حِجْرِه، ومسَحَ على رأسي»[[١٥]].

[١٥] صحيح الأدب المفرد: ٢٨٢.

وعن قُرَّة بنِ إياسٍ "رضي الله عنه": أن رجلاً كان يأتي النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" ومعه ابنٌ له، فقال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم": «أتُحبُّه؟»، قال: نعم يا رسولَ الله، أحبَّكَ اللهُ كما أُحِبُّه! ففقدهُ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" فقال: «ما فعلَ ابنُ فلان؟»، قالوا: يا رسولَ الله ماتَ! فقال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" لأبيه: «ألا تُحبُّ أن لا تأتيَ باباً من أبوابِ الجنَّة إلا وجدتَهُ ينتَظِرُكَ؟»، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، أله خاصَّةً، أم لكلنا؟ قال: «بل لِكُلِّكُم»[[١٦]].

[١٦] أخرجه أحمد، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب: ٢٠٠٧.

وفي رواية للنسائي، قال: كانَ نبيُّ الله "صلى الله عليه وسلم" إذا جلسَ جلسَ إليه نفرٌ من أصحابه، فيهم رجلٌ له ابنٌ صغيرٌ يأتيهُ من خلفِ ظهرِه فيُقعِدُه بين يديه، فهلَكَ، فامتنعَ الرجلُ أن يحضُرَ الحلَقَة لذِكرِ ابنهِ، فحَزِنَ عليه، ففقدَهُ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم"، فقال: «ماليَ لا أرى فلاناً؟»، قالوا: يا رسولَ الله! بُنَيُّه الذي رأيتَه هلَكَ، فلقيَهُ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" فسألَه عن بُنَيِّهِ؟ فأخبره أنه هلَكَ، فعزَّاهُ عليه، ثم قال: «يا فلان، أيُّما كانَ أحبُّ إليكَ أن تُمتَّعَ به عُمُرَكَ، أوْ لا تأتي غداً إلى بابٍ من أبوابِ الجنَّة إلا وجدتَهُ قد سبقَكَ إليه يَفتَحهُ لك؟»، قال: يا نبيَّ الله! بل يسبِقُني إلى بابِ الجنَّةِ، فيفتَحُها لي لهو أحبُّ إليَّ. قال: «فذاكَ لك».

نسألُ اللهَ تعالى أن يجعلنا ممن يُنصفون أبناءهم، ويُحسنون تربيتهم، وتأديبهم، وتعليمهم في الصغر .. لينصفونا ويبرونا في الكِبَر .. وليكونوا حسنةً من حسناتنا يومَ القيامة، إنه تعالى سميعٌ قريب مجيب، وصلَّى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.