القرآن الكريم المصحف الإلكتروني إذاعات القرآن صوتيات القرآن البطاقات الإسلامية فهرس الموقع

حَقُّ المسلِمِ على أخِيه المسلم

من حقِّ المسلم على أخيه المسلم، أن يردَّ عليه السلام، ويُشمِّتَهُ[[١]] إذا عطسَ، ويجيبَ دعوتَه إذا دعاه، وأن يعودَهُ إذا مرض، ويتبع جنازتَه إذا مات .. وأن ينصرَه ـ في الحق ـ ويذبَّ عنه وعن عِرضه وحرماته الأذى والعدوان في ظهر الغيب كما في حضرته، وأن ينصح له، ويألم لألمه، ويفرح لفرحه، ويحبَّ له ما يحبُّ لنفسه من خيرٍ.

[١] أي يقول له: "يرحمك الله"، بعد أن يقول العاطس: "الحمد لله"، فإذا لم يحمد الله، لا يشمت، كما سيرد معنا في الحديث.

قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} الحجرات:١٠.

وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} التوبة:٧١.

وقال تعالى: {وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} الحجرات:١٢.

وفي الحديث، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "للمؤمِن على المؤمن ستُّ خِصالٍ: يعودُه إذا مرضَ، ويشهَدُه[[٢]] إذا مات، ويُجيبُه إذا دعاه[[٣]]، ويُسلِّم عليه إذا لقيَه، ويُشمِّتُه إذا عطَسَ، ويَنصحَ[[٤]] له إذا غاب أو شَهِد"[[٥]].

[٢] أي يشهد الصلاة عليه، ويشهد جنازته ودفنه.

[٣] إلى طعام أو وليمة عرس أو عقيقة، ونحو ذلك.

[٤] المراد بالنصح هنا: إرادة الخير له، وإعانته عليه، ودفع الأذى والضرر عنه، في غيبته وحضرته سواء، وقوله: "يعوده"؛ أي يزوره.

[٥] رواه مسلم، والنسائي، وأبو داود.

وعن البراء بن عازِبٍ قال: "أمرَنا رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" بسبعٍ: أمرنا بعيادةِ المريضِ، واتباعِ الجنائزِ، وتَشميتِ العاطِس، وإبرارِ القسَمِ أو المُقْسِمِ، ونصْرِ المظلومِ، وإجابةِ الدَّاعي، وإفشاءِ السَّلامِ .."[[٦]].

[٦] متفق عليه. وقوله " وإبرارِ القسَمِ أو المُقْسِمِ"؛ أي يبر قسم أخيه المسلم ما استطاع ولا يجعله يحنث في يمنه، ما كان قسمه على الخير. وقوله " وإجابةِ الدَّاعي"؛ أي إذا دعاه إلى وليمة وطعام.

وعن أسماء بنت يزيد، قالت: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من ذَبَّ عن عِرضِ أخيه بالغَيبَة[[٧]]، كان حقاً على الله أن يعتِقَهُ من النَّار"[[٨]].

[٧] أي وهو غائب. وقوله: "ذب " أي دفع ورد. فإن قيل لماذا في الغيبَة؟ أقول: لأن رد المسلم عن عِرض أخيه في الغيبة دليل على صدق محبته لأخيه .. وعلى صدق مراعاته لحقه عليه .. وعلى صدق إخلاصه فيما يقوم به لله تعالى وحده .. لأن الانتصار لحرمات الأخ المسلم في غيبته لا مطمع دنيوي من ورائه .. ولأن المسلم عندما تُنتهك حرماته في غيبته .. يكون بحاجة ماسة لمن يذود عنه وعن حرماته .. بخلاف ما إذا كان حاضراً أو شاهداً فإنه قد يذود عن حرماته بنفسه .. وتقل الحاجة للمساعدة!

[٨] رواه أحمد، والطبراني، صحيح الجامع: ٦٢٤٠.

وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "مَن ردَّ عن عِرضِ أخيه، ردَّ اللهُ عن وجهِه النارَ يومَ القيامةِ"[[٩]].

[٩] رواه أحمد، والترمذي، صحيح الجامع: ٦٢٦٢.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخو المؤمِن، يكفُّ عليه ضَيعَتَهُ[[١٠]]، ويحوطُه[[١١]] من ورائه"[[١٢]].

[١٠] أي معاشه، كما في "النهاية"، والمراد: أنه يمنع عن أخيه تلف معاشه وسبب رزقه.

[١١] أي يحفظه في أهله ونفسه وماله عند غيابه.

[١٢] صحيح سنن أبي داود: ٤١١٠.

وعن أبي هريرة، قال: "المؤمنُ مرآةُ أخيه؛ إذا رأى فيه عَيباً أصلَحَهُ"[[١٣]].

[١٣] صحيح الأدب المفرد: ١٧٧.

وعن تميم الداري، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ الدينَ النَّصيحةُ، إنَّ الدينَ النصيحةُ، إنَّ الدينَ النَّصيحةُ"، قالوا: لمن يا رسولَ الله؟ قال: "لله[[١٤]]، وكتابِه[[١٥]]، ورسولِه[[١٦]]، وأئمَّةِ المؤمنين وعامَّتهِم[[١٧]]، وأئِمَّةِ المسلمين وعامَّتِهم"[[١٨]].

[١٤] النصيحة لله تكون: بعبادته وتوحيده وطاعته ظاهراً وباطناً، وأن لا تشرك به شيئاً.

[١٥] والنصيحة لكتاب الله تعالى تكون: بالإيمان به، وبتلاوته وتدبره، والعمل بما جاء فيه، والانتهاء عما نهى عنه.

[١٦] والنصيحة لرسوله "صلى الله عليه وسلم" تكون: بطاعته، واتباعه، والإحتكام إليه، ومحبته، وتوقيره وذبِّ الأذى عن عِرضه، وعن سنته "صلى الله عليه وسلم".

[١٧] النصيحة لأئمة المؤمنين وعامتهم، تكون: بمحبتهم وأن لا يضمر لهم إلا خيراً، وأن لا يرشدهم ويدلهم إلا إلى الخير، وأن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يذود عنهم وعن حرماتهم وأعراضهم بنفسه وماله، وأن يطيع الأئمة المسلمين في المعروف، وما لم يأمروه بمعصية الله؛ فإن أمروه بمعصية الله فلا طاعة لهم عليه.

[١٨] رواه مسلم، والنسائي، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: ٤١٣٥. أقول: من لوازم النصح، وحتى تؤتي النصيحة ثمارها وأُكلها يجب أن تُحاط النصيحة بالعلم بالمنصوح وبما يُنصَح به، وبالتقوى، والعدل الذي يُلزم صاحبه بإنصاف المنصوح من غير توسع ولا غلو أو جفاء .. وكذلك أن تُحاط النصيحة بالإخلاص، والأدب .. بعيداً عن التجريح الشخصي ما أمكن .. فإن ذلك أدعى لقبول النصيحة عند المنصوح .. وأن يُراعى فيها الوقت والمكان المناسبين لإسدال النصيحة .. إذ كثيرون هم الذين لا يُراعون هذه الضوابط والآداب فيُسيئون أكثر مما يُحسنون .. باسم النصيحة والتناصح .. ثم يحسبون أنفسهم أنهم ممن يُحسنون صنعاً!

وعن أنس، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "انصُرْ أخاكَ ظالماً أو مظلوماً"، فقال رجلٌ: يا رسول الله أنصُرهُ مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: "تمنعُه من الظُّلمِ، فَذاكَ نَصرُكَ إيَّاه" متفق عليه[[١٩]].

[١٩] أقول: أما أن تنصر أخاك في الباطل كما تنصره في الحق، كما هو شأن التحزبات والعصبيات الجاهلية المعاصرة، فهذا ما لا يقره الإسلام ولا يرضاه.

وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "المسلمون تتكافأ[[٢٠]] دماؤهم، يسعى بذمَّتهم أدناهم، ويُجيرُ[[٢١]] عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على مَن سواهُم، يَردُّ مُشِدُّهُم[[٢٢]] على مُضعِفهم، ومُتَسَرِّعِهم[[٢٣]] على قاعِدهم، لا يُقتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذُو عهدٍ في عهده"[[٢٤]].

[٢٠] أي تتساوى في الحرمة والقصاص.

[٢١] يحمى ويضم إليه ويجير من كان دمه هدراً بسبب كفره وحربه، أقول: مالم يكن المجار قد أحدث حدثاً يستلزم عليه القصاص والحد، فحينها لا تجوز إجارته، وحمايته من حدود الله، لقوله "صلى الله عليه وسلم": "من آوى محدثاً فعليه لعنة الله والناس أجمعين". ولأنه من التعاون على الإثم والعدوان.

[٢٢] أي قويهم.

[٢٣] وفي رواية: "ومتسريهم"، وهو المجاهد الذي يجاهد في سبيل الله.

[٢٤] صحيح سنن أبي داود: ٢٣٩١.

وعن جابرٍ، أن النبي "صلى الله عليه وسلم" ، قال: "ما من امرئٍ يَخذُلُ امرءاً مسلماً في موطنٍ يُنتقصُ فيه عِرضُه، ويُنتهكُ فيه من حُرمَتِه، إلا خذَلَه اللهُ تعالى في موطنٍ يُحبُّ فيه نصرَتَهُ، وما مِن أحدٍ ينصرُ مُسلماً في موطنٍ يُنتقَصُ فيه من عِرضهِ، ويُنتهكُ فيه من حُرمتِه، إلا نصرَهُ اللهُ في موطنٍ يُحبُّ فيه نصرتَهُ"[[٢٥]].

[٢٥] رواه أحمد، وأبو داود، صحيح الجامع: ٥٦٩٠.

وعن أنس، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "والذي نفسي بيده لا يؤمنُ عبدٌ حتى يُحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِه" متفق عليه[[٢٦]].

[٢٦] وقوله: "لا يؤمن"؛ أي لا يكتمل إيمانه، وفي الحديث دلالة على أن الإيمان يزداد بالطاعات، وينقص بالذنوب والمعاصي.

وعنه مرفوعاً: "مَنْ نصَرَ أخاهُ بالغيبِ نصَرَهُ اللهُ في الدنيا والآخرة"[[٢٧]].

[٢٧] رواه البيهقي في الشعب، وغيره، السلسلة الصحيحة: ١٢١٧.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إذا عطَس أحدُكم فليقلْ: الحمدُ لله على كلِّ حالٍ، وليقل أخوه أو صاحبُه: يرحمُك الله، ويقول هو: يهديكُم الله ويُصلِح بالَكُم"[[٢٨]].

[٢٨] رواه البخاري، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: ٤٢٠٩.

وعن أنس، قال: عطَس رجلان عند النبي "صلى الله عليه وسلم"، فشمَّتَ أحدَهما وتركَ الآخر، قال: فقيل: يا رسول الله! رجلان عطسا فشمَّتَ أحدَهما وتركتَ الآخر؟ فقال: "إن هذا حَمِدَ اللهَ، وإن هذا لم يحمد الله" متفق عليه.