English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

فضلُ العالمِ الذي يُعلِّمُ الناسَ الخيرَ، وما لَهُ من كرامات وأجرٍ وثوابٍ عندَ اللهِ "سبحانه وتعالى"

قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فصلت:٣٣.

وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} فاطر:٢٨[[١]].

[١] دلَّت الآية الكريمة على أن الخشية من الله تعالى تكون على قدر العلم؛ فإن ازداد العلم ازدادت الخشية مباشرة، وإن نقص أو ضعف العلم نقصت وضعفت الخشية .. فالخشية والعلم كل منهما لازم وملزوم للآخر.

وقال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} آل عمران:١٨[[٢]].

[٢] تضمَّنت الآية الكريمة أجل وأعظم شهادة من أجل وأعظم شاهد، على أجل وأعظم مشهود وهو التوحيد .. وفي الآية دلالة على فضل العلماء حيث أن الله تعالى قرن شهادتهم ـ دون غيرهم من الناس ـ بشهادته وشهادة ملائكته على التوحيد، وأنه لا مألوه ولا معبود بحق إلا الله تعالى .

كما دلَّ مفهوم المخالفة أن من لا يشهد بهذه الشهادة .. أو يشهد بما يُناقضها من الشرك .. أنه ليس من العلماء مهما اتسع صيته .. أو تزيَّ بزي العلماء .. فقوله تعالى {وَأُولُو الْعِلْمِ} عام وشامل لجميع أهل العلم في جميع عصورهم وأزمانهم وإلى يوم القيامة، لا يخرج منهم عالم موحد معتبر.

وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} الزمر:٩.

وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} المجادلة:١١[[٣]].

[٣] قال ابن جرير في التفسير: وقوله: {يَرْفَعِ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالّذِينَ أُوتُوا العِلْم دَرَجاتٍ} يرفع الله الذين أوتوا العلم من أهل الإيمان على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم بفضل علمهم درجات، إذا عملوا بما أمروا به، قال قتادة: إن بالعلم لأهله فضلاً، وإن له على أهله حقاً، وللحقّ عليك أيها العالم فضل، والله معطى كلَّ ذي فضلٍ فضلَه ا- هـ.

عن معاذ، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "فضلُ العالِم على العابِد، كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ"[[٤]].

[٤] صحيح الجامع: ٤٢١٢.

وعن أبي الدرداء، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إن العالِمَ ليستغفرُ له مَن في السماواتِ ومَن في الأرض، حتى الحِيتان في الماءِ، وفضلُ العالمِ على العابد كفضلِ القمرِ على سائرِ الكواكب، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثوا ديناراً ولا دِرهماً، إنما ورَّثوا العِلْمَ، فمَن أخذَهُ أخذَ بحظٍّ وافرٍ"[[٥]].

[٥] رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، صحيح الترغيب: ٧٠. وقوله "صلى الله عليه وسلم": "العلماء ورثةُ الأنبياءِ"؛ أي ورثة الأنبياء في علمهم، وأخلاقهم، وإخلاصهم، وجهادهم، وعبادتهم، وصدعهم بالحق، وصبرهم على أذى المخالفين .. فالإرث المورَّث شامل لكل هذه المعاني الآنفة الذكر.

وعن جابر قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "مُعَلِّمُ الخيرِ يَسْتَغْفِرُ له كُلُّ شيءٍ حتى الحيتانُ في البحارِ"[[٦]].

[٦] أخرجه الطبراني في الأوسط، السلسلة الصحيحة: ٣٠٢٤.

قلت: كون كل شيء يُصلي على العالم الذي يُعلم الناس الخير ويستغفر له؛ حتى النملة في جحرها، والحيتان في أعماق البحار .. فإن ذلك يُضفي شعوراً عظيماً، ومعانٍ نبيلة راقية، منها: أن هذا الوجود وما فيه ومن فيه يشترك في وحدة الهدف والغاية؛ ألا وهو عبادة الخالق "جل جلاله" .. فهذه المخلوقات على اختلاف أجناسها وأشكالها وأسمائها .. وطبائعها .. إلا أن الجميع متجانسون متآلفون في تحديد الهدف والغاية من وجودهم.

ومنها: أن المؤمن مهما اشتدت عليه الغربة .. فله من حوله ما يؤنسه؛ إذ كل ما حوله يُشاركه توحيد الخالق "جل جلاله" والتسبيح بحمده، فهم إخوان له في الدين والعقيدة والتوحيد.

ومنها: أن هذا الشعور فيه أنس وتخفيف عن العالم الذي يُعلِّم الناس الخير .. عندما تنزل بساحته البلايا والشدائد .. فكأن لسان كل من حوله؛ بل كل مخلوقات هذا الوجود .. تقول له: اصبر .. لا تجزع .. لا يثنيك عن الحق والصدع به وحشة وغربة الطريق .. وشدة ما تعاني من أذى الظالمين .. أنت لست بمفردك .. نحن معك .. ومنذ كذا وكذا ونحن ندعو لك ونصلي عليك .. ونسأل الله لك الرحمة والثبات، وأنت لا تدري.

ومنها: أنه يحمل العالم على الإخلاص .. والتجرد لله .. وعدم التماس الأجر على الدعوة من الناس .. حتى لا يفسد عليه هذا العطاء الرباني .. وهذا التضامن والتكافل من جميع المخلوقات.

ومنها: أن هذا التضامن والتكافل والاهتمام من قبل جميع المخلوقات بالعالم الذي يُعلم الناس الخير فهو من قبيل رد الجميل، ومقابلة المعروف بمعروف؛ فالعالم الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويُعلم الناس الخير .. ينعكس ذلك بالخير والرزق والبركة على الأرض وجميع من فيها؛ فكما أن معاصي الإنسان مصدر شؤم وأذى للأرض وجميع من فيها، فكذلك لو دخلوا في الطاعة واستقاموا على الطريقة فإن ذلك ينعكس بالخير على الأرض وجميع من فيها

كما قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً} الجن:١٦.

وقال تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} هود:٥٢.

وقال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} نوح:١٠-١٢.

وقال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} الإسراء:١٦.

وهذا الدمار والهلاك الذي ينزل بالقرية الظالمة ينعكس على الإنسان والدواب وكل شيء في القرية .. فتكون معاصي بني آدم مصدر شؤم للجميع.

ومنها: أن النمل وهي في جحورها، والحيتان وهي في أعماق البحار أكثر وفاءً للعالِم وأكثر تقديراً لمعروفه .. من كثير من الناس؛ إذ كثير من الناس يستكثرون كلمة إنصاف بحق من علمهم الخير .. وكان سبباً في هدايتهم .. حتى مجرد دعاء أو استغفار أو كلمة رحمه الله يستكثرونها عليه .. بل وكثير منهم لا يتورع عن شتمه ولعنه لأدنى هفوة أو زلة يرونها منه .. وفي كثير من الأحيان بلا زلة ولا هفوة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وعن أبي أمامة الباهِلي، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "فضلُ العالمِ على العابد، كفضلي على أَدناكُم. إنَّ اللهَ وملائكتَهُ وأهلَ السماوات والأرض حتى النَّملَة في جُحرها، وحتى الحوتَ، ليصلون على معلِّمي الناسِ الخيرَ"[[٧]].

[٧] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وهو أيضاً في صحيح الجامع: ١٨٣٨.

وعن عثمان بن عفَّان، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أفضلُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ" البخاري.

وعن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "خيارُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعَلَّمَه"[[٨]].

[٨] صحيح سنن ابن ماجه: ١٧٠. قلت: بهذا يُعرف خيار الناس وأفضلهم؛ بتعلم القرآن وتعليمه، والدعوة إلى الله .. وإلى توحيده .. وليس بجمع المال .. والتنافس على الدنيا وزينتها!