English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

حقُّ العالِمِ

قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ[[١]] لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} التوبة:١٢٢.

[١] أي الطائفة التي تنفر لطلب العلم .. تعلم الطائفة التي نفرت للغزو والجهاد إذا ما رجعوا إليهم .. مما قد فاتهم من العلم بسبب غزوهم وأسفارهم وبعدهم عن مجالس العلم .. وفي الآية دليل على أن الغزاة والمجاهدين لا يلزم بالضرورة أن يكونوا دائماً أفقه من غيرهم؛ ممن أقعدهم طلب العلم عن الجهاد .. كما يظن البعض!

وقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ[[٢]] يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} آل عمران:١٠٤.

[٢] المراد من الأمة أي العلماء العالمين بجوانب الخير والمنكر؛ وإلا فجاهل الشيء كفاقده .. لا يُحسن أن يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر .. وليس كما يدعي بعض المعاصرين من دعاة التحزب ـ محملين النص مالا يحتمل من المعاني والأفهام ـ أَنَّ المراد من الأمة الوارد ذكرها في الآية الكريمة أعلاه؛ أي الأحزاب السياسية، ورتبوا على فهمهم الخاطئ هذا قولهم بوجوب تشكيل الأحزاب السياسة ـ مهما كثر تعدادها ـ في الأمة الواحدة .

فهذا فهم شاذ غريب لم يسبقهم إليه سلف ولا خلف معتبر؛ فإن الأحزاب السياسية ـ كما نعاصرها ونشاهدها ـ تضم الرعاع، والجاهل والعالم، وغير ذلك من طبقات الناس .. وبالتالي لا يصح أن يقال للجاهل بجوانب الخير والشر، عليك بأن تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فإن فاقد الشيء لا يعطيه!

عن أنس، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "طلبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلمٍ"[[٣]].

[٣] رواه ابن ماجه وغيره، صحيح الترغيب: ٧٠. قوله "صلى الله عليه وسلم": "على كل مسلمٍ"؛ يشمل المسلمة كذلك، فطلب العلم كما يجب على الرجال يجب على النساء كذلك .. فأيما خطاب تكليفي يرد في الشريعة فهو يعني الذكور والإناث سواء، ما لم ترد قرينة في نفس النص أو في نص آخر يخصص الخطاب بالذكور دون الإناث، أو بالإناث دون الذكور .. والمراد بطلب العلم في الحديث العلم الشرعي: قال الله، قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم"، قال الصحابة.

وعن صفوان بن عَسَّال المرادي، قال: أتيتُ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" وهو في المسجدِ متَّكئٌ على بُردَةٍ له أحمر، فقلت له: يا رسولَ الله! إني جِئتُ أطلبُ العِلمَ، فقال: "مَرحباً بطالبِ العِلم، إنَّ طالبَ العِلم تحفُّهُ الملائكةُ وتظلُّه بأجنحتها، ثم يَركَبُ بعضُهم بعضاً حتى يبلغوا السماءَ الدنيا من محبتَّهم لما يطلب"[[٤]].

[٤] رواه أحمد، والطبراني، وابن حبان، صحيح الترغيب: ٧١. وقوله "صلى الله عليه وسلم": "تحفُّهُ"؛ أي تحوطه وتحدقُ به.

وعن أبي الدرداء، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "من سلَك طريقاً يَلتمِسُ فيه علماً، سهَّلَ اللهُ له طريقاً إلى الجنة، وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتها لطالِبِ العِلم رِضاً بما يصنع"[[٥]].

[٥] رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، صحيح الترغيب: ٧٠.

وعن عبد الله بن مسعود، قال: منهومان لا يشبعان: صاحِبُ العِلم، وصاحِبُ الدنيا، ولا يستويان؛ أما صاحبُ العلم فيزداد رضى للرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان. ثم قرأ: {كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} العلق:٦-٧. قال: وقال الآخر: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} فاطر:٢٨[[٦]].

[٦] رواه الدارمي بسندٍ صحيح عن عون، ولم يسمع من ابن مسعود، فهو منقطع. قاله الشيخ ناصر في المشكاة: ٢٦١.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من يُرِد اللهُ به خيراً، يُفقِّههُ في الدين" متفق عليه.

وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "فضلُ العلمِ خيرٌ مِن فضلِ العبادة، وخيرُ دينكم الورَعُ"[[٧]].

[٧] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: ٦٨. قلت: مما يدخل في معنى العبادة طلبِ العلم .. والمراد في الحديث هنا أن فضل عبادة طلب العلم خير من عبادة التنفل في الصلاة والعبادات الأخرى.

وعن أنس قال: قالَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من خَرجَ في طلبِ العلم فهو في سبيلِ الله حتى يرجعَ"[[٨]].

[٨] رواه الترمذي، وقال حديث حسن، صحيح الترغيب: ٨٨. وقوله "صلى الله عليه وسلم" " فهو في سبيلِ الله"؛ أي هو في جهادٍ، وله أجر من يخرج للجهاد في سبيل الله حتى يرجع.

وعن أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها؛ إلا ذكرَ الله وما والاه[[٩]]، وعالماً ومتعلماً"[[١٠]].

[٩] أي وما والاه من الطاعات والأعمال الصالحة، وكل ما يدخل في معنى ومسمى العبادة .. فهو مستثنى من اللعن.

[١٠] رواه الترمذي، وابن ماجه، والبيهقي، وقال الترمذي: حديث حسن، صحيح الترغيب: ٧٤. والحديث فيه أن الناس إما عالم أو متعلم إذ لا يجوز أن يكونوا إلا كذلك.

قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فصلت:٣٣.

وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} فاطر:٢٨[[١]].

[١] دلَّت الآية الكريمة على أن الخشية من الله تعالى تكون على قدر العلم؛ فإن ازداد العلم ازدادت الخشية مباشرة، وإن نقص أو ضعف العلم نقصت وضعفت الخشية .. فالخشية والعلم كل منهما لازم وملزوم للآخر.

وقال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} آل عمران:١٨[[٢]].

[٢] تضمَّنت الآية الكريمة أجل وأعظم شهادة من أجل وأعظم شاهد، على أجل وأعظم مشهود وهو التوحيد .. وفي الآية دلالة على فضل العلماء حيث أن الله تعالى قرن شهادتهم ـ دون غيرهم من الناس ـ بشهادته وشهادة ملائكته على التوحيد، وأنه لا مألوه ولا معبود بحق إلا الله تعالى .

كما دلَّ مفهوم المخالفة أن من لا يشهد بهذه الشهادة .. أو يشهد بما يُناقضها من الشرك .. أنه ليس من العلماء مهما اتسع صيته .. أو تزيَّ بزي العلماء .. فقوله تعالى {وَأُولُو الْعِلْمِ} عام وشامل لجميع أهل العلم في جميع عصورهم وأزمانهم وإلى يوم القيامة، لا يخرج منهم عالم موحد معتبر.

وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} الزمر:٩.

وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} المجادلة:١١[[٣]].

[٣] قال ابن جرير في التفسير: وقوله: {يَرْفَعِ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالّذِينَ أُوتُوا العِلْم دَرَجاتٍ} يرفع الله الذين أوتوا العلم من أهل الإيمان على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم بفضل علمهم درجات، إذا عملوا بما أمروا به، قال قتادة: إن بالعلم لأهله فضلاً، وإن له على أهله حقاً، وللحقّ عليك أيها العالم فضل، والله معطى كلَّ ذي فضلٍ فضلَه ا- هـ.

عن معاذ، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "فضلُ العالِم على العابِد، كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ"[[٤]].

[٤] صحيح الجامع: ٤٢١٢.

وعن أبي الدرداء، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إن العالِمَ ليستغفرُ له مَن في السماواتِ ومَن في الأرض، حتى الحِيتان في الماءِ، وفضلُ العالمِ على العابد كفضلِ القمرِ على سائرِ الكواكب، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثوا ديناراً ولا دِرهماً، إنما ورَّثوا العِلْمَ، فمَن أخذَهُ أخذَ بحظٍّ وافرٍ"[[٥]].

[٥] رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، صحيح الترغيب: ٧٠. وقوله "صلى الله عليه وسلم": "العلماء ورثةُ الأنبياءِ"؛ أي ورثة الأنبياء في علمهم، وأخلاقهم، وإخلاصهم، وجهادهم، وعبادتهم، وصدعهم بالحق، وصبرهم على أذى المخالفين .. فالإرث المورَّث شامل لكل هذه المعاني الآنفة الذكر.

وعن جابر قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "مُعَلِّمُ الخيرِ يَسْتَغْفِرُ له كُلُّ شيءٍ حتى الحيتانُ في البحارِ"[[٦]].

[٦] أخرجه الطبراني في الأوسط، السلسلة الصحيحة: ٣٠٢٤.

قلت: كون كل شيء يُصلي على العالم الذي يُعلم الناس الخير ويستغفر له؛ حتى النملة في جحرها، والحيتان في أعماق البحار .. فإن ذلك يُضفي شعوراً عظيماً، ومعانٍ نبيلة راقية، منها: أن هذا الوجود وما فيه ومن فيه يشترك في وحدة الهدف والغاية؛ ألا وهو عبادة الخالق "جل جلاله" .. فهذه المخلوقات على اختلاف أجناسها وأشكالها وأسمائها .. وطبائعها .. إلا أن الجميع متجانسون متآلفون في تحديد الهدف والغاية من وجودهم.

ومنها: أن المؤمن مهما اشتدت عليه الغربة .. فله من حوله ما يؤنسه؛ إذ كل ما حوله يُشاركه توحيد الخالق "جل جلاله" والتسبيح بحمده، فهم إخوان له في الدين والعقيدة والتوحيد.

ومنها: أن هذا الشعور فيه أنس وتخفيف عن العالم الذي يُعلِّم الناس الخير .. عندما تنزل بساحته البلايا والشدائد .. فكأن لسان كل من حوله؛ بل كل مخلوقات هذا الوجود .. تقول له: اصبر .. لا تجزع .. لا يثنيك عن الحق والصدع به وحشة وغربة الطريق .. وشدة ما تعاني من أذى الظالمين .. أنت لست بمفردك .. نحن معك .. ومنذ كذا وكذا ونحن ندعو لك ونصلي عليك .. ونسأل الله لك الرحمة والثبات، وأنت لا تدري.

ومنها: أنه يحمل العالم على الإخلاص .. والتجرد لله .. وعدم التماس الأجر على الدعوة من الناس .. حتى لا يفسد عليه هذا العطاء الرباني .. وهذا التضامن والتكافل من جميع المخلوقات.

ومنها: أن هذا التضامن والتكافل والاهتمام من قبل جميع المخلوقات بالعالم الذي يُعلم الناس الخير فهو من قبيل رد الجميل، ومقابلة المعروف بمعروف؛ فالعالم الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويُعلم الناس الخير .. ينعكس ذلك بالخير والرزق والبركة على الأرض وجميع من فيها؛ فكما أن معاصي الإنسان مصدر شؤم وأذى للأرض وجميع من فيها، فكذلك لو دخلوا في الطاعة واستقاموا على الطريقة فإن ذلك ينعكس بالخير على الأرض وجميع من فيها

كما قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً} الجن:١٦.

وقال تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} هود:٥٢.

وقال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} نوح:١٠-١٢.

وقال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} الإسراء:١٦.

وهذا الدمار والهلاك الذي ينزل بالقرية الظالمة ينعكس على الإنسان والدواب وكل شيء في القرية .. فتكون معاصي بني آدم مصدر شؤم للجميع.

ومنها: أن النمل وهي في جحورها، والحيتان وهي في أعماق البحار أكثر وفاءً للعالِم وأكثر تقديراً لمعروفه .. من كثير من الناس؛ إذ كثير من الناس يستكثرون كلمة إنصاف بحق من علمهم الخير .. وكان سبباً في هدايتهم .. حتى مجرد دعاء أو استغفار أو كلمة رحمه الله يستكثرونها عليه .. بل وكثير منهم لا يتورع عن شتمه ولعنه لأدنى هفوة أو زلة يرونها منه .. وفي كثير من الأحيان بلا زلة ولا هفوة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وعن أبي أمامة الباهِلي، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "فضلُ العالمِ على العابد، كفضلي على أَدناكُم. إنَّ اللهَ وملائكتَهُ وأهلَ السماوات والأرض حتى النَّملَة في جُحرها، وحتى الحوتَ، ليصلون على معلِّمي الناسِ الخيرَ"[[٧]].

[٧] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وهو أيضاً في صحيح الجامع: ١٨٣٨.

وعن عثمان بن عفَّان، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أفضلُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ" البخاري.

وعن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "خيارُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعَلَّمَه"[[٨]].

[٨] صحيح سنن ابن ماجه: ١٧٠. قلت: بهذا يُعرف خيار الناس وأفضلهم؛ بتعلم القرآن وتعليمه، والدعوة إلى الله .. وإلى توحيده .. وليس بجمع المال .. والتنافس على الدنيا وزينتها!

وعن أبي أمامة الباهلي، عن النبي "صلى الله عليه وسلم": "مَن غدا إلى المسجدِ لا يريدُ إلا أن يتعلم خيراً أو يُعلِّمَه، كان له كأجرِ حاجٍّ تامَّاً حَجَّتُه"[[١]].

[١] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: ٨٢.

وعن أنس بن مالك، عن رسول اللهِ "صلى الله عليه وسلم"، أنه قال: "أيُّما داعٍ دعَا إلى ضلالةٍ فاتُّبِعَ، فإن له مثلَ أوزارِ من اتَّبعَه ولا ينقصُ مَن أوزارهم شيئاً، وأيُّما داعٍ دعا إلى الهُدى فاتُّبِعَ فإنَّ له مثلَ أجورِ مَن اتَّبعَه ولا ينقصُ من أجورِهم شيئاً"[[٢]].

[٢] صحيح سنن ابن ماجه: ١٧٦.

وعنه، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ مِن الناسِ مفاتيحُ للخير مغاليقُ للشرِّ. وإنَّ من الناس مفاتيحُ للشرِّ مغاليقُ للخير، فطوبى لمن جعلَ اللهُ مفاتيحَ الخيرِ على يَدَيه، وويلٌ لمن جعلَ اللهُ مفاتيحَ الشرِّ على يدَيه"[[٣]].

[٣] صحيح سنن ابن ماجه: ١٩٤.

وعن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزنيُّ، حدثني أبي، عن جدي، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "من أحيا سُنَّةً من سُنَّتي فَعَمِلَ بها الناسُ، كان له مثلَ أجرِ مَن عملَ بها لا ينقصُ من أجورهم شيئاً، ومَن ابتدَع بدعةً فعُمِل بها، كان عليه أوزارَ من عَملَ بها لا يَنقصُ من أوزارِ من عملَ بها شيئاً"[[٤]].

[٤] صحيح سنن ابن ماجه: ١٧٣.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ ممَّا يَلحقُ المؤمنَ مِن عملِه وحسناتِه بعد موتِه، علماً علَّمَه ونشرَه"[[٥]].

[٥] رواه ابن ماجه، وغيره، صحيح الترغيب: ٧٤.

وعنه قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إذا ماتَ ابنُ آدم انقطعَ عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له" مسلم.

وعن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "مَن عَلَّمَ علماً فله أجرُ مَن عمِلَ به، لا ينقصُ من أجرِ العامل ِشيءٌ"[[٦]].

[٦] صحيح سنن ابن ماجه: ١٩٦.

وعن أبي قتادة قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "خير ما يُخلِّفُ الرجلُ من بعده ثلاثٌ: ولدٌ صالحٌ يدعو له، وصدقةٌ تجري يبلغُه أجرُها، وعِلمٌ يُعمَلُ به من بعده"[[٧]].

[٧] رواه ابن ماجه، صحيح الترغيب: ٧٩.

وعن جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "مَن سنَّ في الإسلام سنَّةً حسَنةً[[٨]]، فعُمِلَ بها بعدَهُ، كُتِبَ له مثلُ أجرِ من عملَ بها ولا ينقصُ من أجورِهم شيءٌ، ومَن سنَّ في الإسلامِ سنةً سيئةً، فعُمِلَ بها بعدَهُ، كُتِبَ عليه مثلُ وزرِ مَن عملَ بها، ولا ينقصُ مِن أوزارِهم شيءٌ" مسلم.

[٨] أي كان سبباً في إظهار خيرٍ ـ كالصدقة ونحوها ـ فتابعه الناسُ على فعل هذا الخير .. فله مثل أجرهم .. ومن دون أن ينقص من أجورهم شيء .. ومن كان سبباً في إظهار سيئة فتابعه الناس على فعلها .. فله مثل أوزارهم من دون أن ينقص من أوزارهم شيء.

قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} النحل:٤٣.

وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[[١]]} النساء:٨٣.

[١] أي لَعَلِمَهُ الذين يسألون عن حقيقة الأمر ـ ممن تسرعوا في إشاعة أخبار المجاهدين وما أصابهم من دون تثبت ـ من النبي "صلى الله عليه وسلم"، ومن أولي الأمر من كبار أصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

وقال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} التوبة:١٢٢.

وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[[٢]] يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} آل عمران:٧.

[٢] قال ابن كثير في التفسير: وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله، وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به، وكذا قال الربيع بن أنس ا- هـ.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[[٣]]} النساء:٥٩.

[٣] من أولي الأمر العلماء .. وطاعتهم تكون مرشَّدة؛ فيما ليس فيه معصية لله.

عن جابر، قال: خرجنا في سفرٍ، فأصابَ رجلاً منَّا حجرٌ فشجَّه في رأسِه، ثم احتلمَ، فسألَ أصحابَه، فقال: هل تجدون لي رخصةً في التيمُّمِ؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً وأنتَ تقدرُ على الماء، فاغتسل فماتَ! فلما قدِمنا على النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" أُخبِرَ بذلك، فقال: "قتَلوهُ قتَلَهمُ الله، ألا سألوا إذْ لم يعلَموا، فإنما شِفَاءُ العيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمَّم ويعصِب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده"[[٤]].

[٤] صحيح سنن أبي داود: ٣٢٥. والمراد بالعَي؛ أي الجهل.

وعن ابن عباس مرفوعاً: "البَركَةُ مع أكابِركُم"[[٥]].

[٥] أخرجه ابن حبان وغيره، السلسلة الصحيحة: ١٧٧٨. قلت: وفي الحديث حضٌّ على التزام غرز الأكابر من العلماء العاملين الموحدين .. وإن صغرت أعمارهم .. وعدم الالتفات عنهم إلى الأصاغر من أهل الأهواء والبدع .. والضلال .. وإن كبرت أعمارهم .. فإن الخير والبركة مع الأكابر ـ وليس الكبار في السن لكونهم كباراً في السن ـ وفي التزام غرزهم.

فيمن يطلب العلمَ ـ مما يُبتغى به وجه الله تعالى ـ لغير الله "عز وجل" ابتغاءَ عَرَضٍ من الدنيا، أو للمماراةِ والمباهاة، أو حتى يَصرفَ إليه وجوه الناس، أو لكي يُقال عنه عالم، أو لأي غرَضٍ آخر من أغراض الدنيا!

قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} الكهف:١١٠.

عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من تعلَّمَ عِلماً مما يُبتغَى به وجهُ الله، لا يتعلَّمهُ إلا ليُصيبَ به عَرَضاً من الدنيا، لم يجدْ عَرْفَ الجنَّة يومَ القيامة". يعني ريحها[[١]].

[١] رواه الترمذي، وأحمد، وابن ماجه، وأبو داود، صحيح سنن أبي داود: ٣١٠٥. وانظر صحيح الجامع: ٦١٥٩.

وعن جابر، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا تعلَّموا العِلمَ لِتُباهوا به العُلماء، أو تماروا به السُّفهاء، ولا تخيَّروا به المجالسَ[[٢]]، فمن فعلَ ذلك فالنَّارُ النار"[[٣]].

[٢] أي تقصدون من علمكم أن تتصدروا المجالس العامة؛ كمجالس السلاطين، والوجاهات ونحوها.

[٣] رواه ابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، صحيح الترغيب: ١٠٢.

وعن كعب بن مالك، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "من ابتغى العِلْمَ ليُباهي به العلماءَ، أو يماري به السُّفهاء[[٤]]، أو تُقبل أفئدةُ الناس إليه، فإلى النار"[[٥]].

[٤] أي ليجادلوا به ضعفاء العقول لغرض الغلبة، والانتصار للنفس.

[٥] رواه الحاكم والبيهقي، صحيح الجامع: ٥٩٣٠.

وعن ابن عمر، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "من طلبَ العلمَ ليُباهي به العلماءَ، ويُماري به السفهاءَ، أو ليَصرَف وجوهَ الناسِ إليه، فهو في النار"[[٦]].

[٦] رواه ابن ماجه، صحيح الترغيب: ١٠٤.

ومما جاء في الحديث الذي يرويه أبو هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم": "ورجلٌ تعلَّمَ العلمَ وعلَّمَه، وقرأَ القُرآن، فأتي به فعرَّفه نِعمَه، فعَرَفها قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيكَ القرآن، قال: كذَبْتَ، ولكنَّك تعلمت ليُقَالَ: عالِمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليُقال: هو قارئٌ، فقد قِيل، ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقي في النار" مسلم.

وعن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "يَظهرُ الإسلامُ حتى تختلِفَ التُّجارُ في البحرِ، وحتى تخوضُ الخيلُ في سبيلِ الله، ثم يَظهر قومٌ يقرؤون القرآن، يقولون: من أقرأُ منَّا؟ من أفقهُ منَّا[[٧]]؟"، ثم قال لأصحابه: "هل في أولئكَ من خيرٍ؟" قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: "أولئك منكم من هذه الأمة، وأولئكَ هم وقودُ النار"[[٨]].

[٧] كأنهم يريدون المباهاة والتحدي!!

[٨] رواه الطبراني، والبزار، صحيح الترغيب: ١٣١.

وعن ابن عباس، عن رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "ليأتيَنَّ على الناس زمانٌ يتعلمونَ فيه القرآنَ؛ يتعلمونه ويقرؤونه، ثم يقولون: قد قرأنا وعَلِمْنا، فمن ذا الذي هو خيرٌ منَّا؟! فهل في أولئِكَ من خير؟". قالوا: يا رسولَ الله مَن أولئك؟ قال: "أولئك منكم، وأولئك هم وقودُ النار"[[٩]].

[٩] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: ١٣٣.

وعن عُبادة بن الصامت، قال: عَلَّمتُ ناساً من أهلِ الصُّفَّةِ الكتابَ والقُرآن، فأهدَى إليَّ رجلٌ منهم قَوسَاً. فقلت: ليست بمالٍ، وأرمي عنها في سبيلِ الله "عز وجل"، لآتينَّ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" فلأسألَنَّه فأتيتُه، فقلتُ: يا رسولَ الله! رجلٌ أهدَى إليَّ قَوسَاً مِمَّن كنتُ أُعَلِّمُه الكتابَ والقرآنَ، وليسَت بمالٍ، وأرمي عنها في سبيل الله، قال: "إن كنتَ تحبُّ أن تُطوَّقَ طَوقاً مِن نارٍ، فاقبلها" فقلت: ما ترى فيها يا رسولَ الله؟ فقال: "جَمرَةٌ بين كتفيك تقلَّدتَها أو تَعلَّقتها[[١٠]]"[[١١]].

[١٠] هذا فيمن يقبل هدية تعينه على الجهاد في سبيل الله .. فكيف بمن لا يُعلم الناسَ القرآن إلا بعد راتب يُصرَف له .. كما هو حال كثير من أئمة المساجد في هذا الزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

[١١] صحيح سنن أبي داود: ٢٩١٥.

وعن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" يقول: "تعَلَّموا القرآنَ، وسَلُوا الله به الجنَّة قبلَ أن يتعلَّمَهُ قومٌ يسألونَ به الدنيا؛ فإنَّ القرآن يتعلَّمهُ ثلاثةٌ: رجلٌ يُباهي به، ورجلٌ يستأكلُ به، ورجلٌ يَقرأهُ لله"[[١٢]].

[١٢] رواه ابن نصر في قيام الليل، وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٥٨.

وعن عمران بن حُصين قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "مَن قرأَ القرآنَ فليسأل الله به؛ فإنه سيجيءُ أقوامٌ يقرؤون القرآنَ يسألون به الناسَ"[[١٣]].

[١٣] أخرجه الترمذي وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٥٧.

وعن ابن مسعود "رضي الله عنه"، قال: كيف أنتم إذا لبستكُم فتنةٌ يَهرَمُ فيها الكبيرُ، ويَربُوا فيها الصغيرُ، ويَتَّخِذُها الناسُ سُنَّةً، إذا تُرِكَ منها شيءٌ، قيل: تُرِكَت السُّنَّة؟! قالوا: ومتى ذاكَ؟ قال: إذا ذهبَ علماؤكم، وكَثُرَت قُرَّاؤكم، وقَلَّت فقهاؤكم، وكَثُرَت أُمراؤكم، وقَلَّت أُمناؤكم، والتُمِست الدنيا بعملِ الآخرة، وتُفِقِّه لغيرِ الدين"[[١٤]].

[١٤] رواه الدارمي بإسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن، والحاكم وغيرهما، قاله الشيخ ناصر في " قيام رمضان"، ص٤.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} الصف:٢-٣.

عن أسامة بن زيد، قال: سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "يُجَاءُ برجلٍ يومَ القيامةِ فيُطرَحُ في النار، فتندلقُ أقتابُه، فيطحنُ فيها كما يَطحنُ الحمارُ برحاه، فيطيفُ بهِ أهلُ النار، فيقولون: أي فلان، ألستَ كنتَ تأمرُ بالمعروف وتَنهى عن المنكر؟ فيقول: إنِّي كنتُ آمرُ بالمعروفِ ولا أفعلُه، وأنهى عن المنكرِ وأفعَلُه!" البخاري.

وعنه، قال: سمعت النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" يقول: "مَررتُ ليلة أُسرِي بي بأقوامٍ تُقرَضُ شِفاهُهم بمقاريضَ من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خُطباءُ أمَّتِكَ الذين يقولونَ ما لا يفعلون" متفق عليه.

وعن أبي برزَةَ الأسلمي، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "لا تَزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامة حتى يُسألَ عن عمره فِيمَ أفناه، وعن علمهِ فيمَ فعلَ فيه، وعن مالِه من أين اكتسبَهُ وفيم أنفَقَه؟ وعن جِسمِه فيمَ أبلاه"[[١]].

[١] رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، صحيح الترغيب: ١٢٢.

وعنه، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "مثلُ الذي يُعَلِّمُ الناسَ الخيرَ وينسى نفسَهُ، مثلُ الفَتِيلَةِ تُضيءُ للناسِ وتحرقُ نفسَها"[[٢]].

[٢] رواه البزار، صحيح الترغيب: ١٢٦.

وكان أبو الدرداء "رضي الله عنه" يقول: إنَّما أخشى من ربي يومَ القيامة أن يدعوني على رؤوسِ الخلائق، فيقول لي: يا عُويمر! فأقول: لبيك ربِّ. فيقول: ما عملتَ فيما علِمتَ؟[[٣]].

[٣] رواه البيهقي، وغيره، صحيح الترغيب: ١٢٥.

وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إن أخوفَ ما أخافُ على أُمتي كلُّ منافقٍ عليمِ اللسان"[[٤]].

[٤] رواه الطبراني، صحيح الجامع: ٢٣٩.

يشتد الإثم والحرج على العالم إذا كان هذا العلم الذي يكتمه لا يعلمه أحد سواه .. أو وجد غيره ممن يعلمه لكن لا يحققون الكفاية .. وكان الناسُ بحاجة إليه.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} البقرة:١٧٤-١٧٥.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} البقرة:١٥٩-١٦٠.

عن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "ما من رجلٍ يحفظُ علماً فيَكتُمَهُ، إلا أُتِيَ به يومَ القيامة مُلجَمَاً بلجامٍ من النَّار"[[٢]].

[٢] صحيح سنن ابن ماجه: ٢١٠.

وعنه، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من سُئِلَ عن عِلمٍ يَعلَمُه فكَتَمَهُ، أُلِجمَ يومَ القيامة بلجامٍ من نار"[[٣]].

[٣] صحيح سنن ابن ماجه: ٢١٣.

وعن ابن مسعود، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أيُّما رجلٍ آتاهُ اللهُ عِلماً فكتمَهُ، ألجمَهُ اللهُ يومَ القيامةِ بلجامٍ من نار"[[٤]].

[٤] رواه الطبراني، صحيح الجامع: ٢٧١٤.

وعن أبي هريرة، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "مثَلُ الذي يتعلّمُ العِلمَ ثم لا يُحدِّثُ به، كمثلِ الذي يَكنزُ الكنزَ ثم لا يُنفِقُ منه"[[٥]].

[٥] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: ١١٨. قلت: كما أن للكنز والمال زكاة؛ وزكاته أن تنفق منه في أوجه الخير، كذلك العلم فله زكاة؛ وزكاته أن تحدث به الناس، وتنشره بين الناس .. فكل نعمة يمن الله بها على عبده لها زكاتها .. وزكاتها ينبغي أن تكون من جنسها.

وعن ابن عمر، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "عِلمٌ لا يُقالُ به ككنزٍ لا يُنفَقُ منه"[[٦]].

[٦] رواه ابن عساكر، صحيح الجامع: ٤٠٢٣.

عن صفوان بن عسال المرادي، قال: أتيتُ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" وهو في المسجدِ متكئٌ على بُردةٍ له أحمرَ، فقلتُ له: يا رسولَ الله! إني جئتُ أطلبُ العلمَ. فقال: "مرحباً بطالبِ العلم"[[١]].

[١] سبق تخريج الحديث.

وعن أبي سعيد الخدري، عن رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "سيأتيكُم أقوامٌ يَطلبون العلمَ، فإذا رأيتموهُم فقولوا لهم: مرحباً بوصية رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، وأقنُوهم"[[٢]]. أي وعلِّموهم.

[٢] صحيح سنن ابن ماجه: ٢٠١.

وعن أبي رفاعة، قال: انتهيتُ إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" وهو يخطبُ، فقلتُ يا رسولَ الله! رجل غريبٌ جاءَ يسأل عن دينِه، لا يدري ما دينَهُ؟ فأقبلَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم"، وترَك خُطبتَهُ حتى انتهى إليَّ، فأُتي بكرسيٍّ خِلْتُ قوائِمَه حديداً، فقعدَ عليه رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "فجعلَ يُعلِّمني مما علَّمه الله، ثم أتى خُطبتَهُ فأتمَّها"[[٣]].

[٣] صحيح سنن النسائي: ٤٩٧٠. أين كثير من دعاة ومشايخ هذا الزمان من النبي "صلى الله عليه وسلم" ومن سنته .. وتواضعه الجم لطالب العلم .. الذين يحتجبون عن طلبة العلم، ومساكينهم متذرعين بضيق الوقت وسعة الأشغال ـ وما يحملهم على ذلك إلا الكبر والترفع على الخلق ـ وكأن أوقاتهم أغلى من أوقات النبي "صلى الله عليه وسلم"، وأشغالهم أكثر من أشغاله "صلى الله عليه وسلم"!

كما يجبُ على العالم أن يُراعي الأهم فالأهم في تعليمه الناس شؤون دينهم، وأهم العلوم وأجلها التي ينبغي أن يُعطيها اهتمامَه علم التوحيد .. فالتوحيد هو الأساس الذي يُبنى عليه .. إذْ من دونه لا يتماسك بنيان، ولا يُقبَل عمل .. لذا كان النبي "صلى الله عليه وسلم" لا يقبل من الناس عملاً إلا بعد أن يُجيبوه أولاً إلى التوحيد.

عن ابن عباسٍ، أن رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" لما بعَث مُعاذاً على اليمن، قال: "إنَّك تَقدُمُ على قومٍ أهلَ كتابٍ، فليكُن أوَّلَ ما تدعوهُم إليه عبادَةُ اللهِ"[[١]] فإذا عرَفُوا الله[[٢]]، فأخبرهُم أنَّ الله قد فرَضَ عليهم خمس صلواتٍ في يومِهم وليلَتِهم، فإذا فعلُوا فأخبرهُم أنَّ اللهَ فرضَ عليهم زكاةً من أموالهم وتُردُّ على فُقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوَقَّ[[٣]] كرائِمَ أموالِ الناس[[٤]]" متفق عليه.

[١] أي وجوب عبادة الله تعالى، وإفراده "سبحانه وتعالى" بالعبادة من دون خلقه.

[٢] أي عرفوا الله بصفاته التي وصف بها نفسه، وعرفوا حقه عليهم؛ فوحدوه ولم يشركوا به شيئاً.

[٣] أي احذر واجتنب.

[٤] أي أعز وأفضل أموالهم.

عن جندب بن عبد الله، قال: كنا معَ النبي "صلى الله عليه وسلم" ونحن فتيانٌ، فتعلَّمنا الإيمان قبل أن نتعلَّمَ القُرآنَ، ثم تعلمنا القرآنَ فازدَدْنا به إيماناً[[٥]].

[٥] صحيح سنن ابن ماجه: ١٧٠. قوله "تعلمنا الإيمان"؛ أي تعلمنا التوحيد .. لأن أي علم أو عمل لا يتقدمه التوحيد ولا يُبنى على أساس التوحيد فهو لا يُقبل، لقوله تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الأنعام:٨٨. والأثر فيه دليل على القاعدة السنية التي تقول: أن الإيمان يزيد وينقص.

كما ينبغي للعالم أن يتخوَّلَ الناسَ في النُّصح حتى لا يُمِلّهُم[[١]]، ويراعي الزمانَ والمكان المناسبين للوعظِ والتبيلغ.

[١] مما ابتليت به الأمة في هذا الزمان، كثرة الوعاظ والخطباء وقلة الفقهاء، حتى أنك ترى الواعظ منهم يُشرِّق ويغرِّب .. حيثما يقوده حديثه يُقاد .. فيُحسِّن ما ينبغي تقبيحه، ويُقبِّح ما ينبغي تحسينه .. لا يميز في استدلالاته بين الصحيح والضعيف والموضوع .. فتقول: ليته سكت فاستراح وأراح!

عن شقيق، كان عبدُ الله بن مسعود يُذكِّرُ الناسَ في كل خميسٍ، فقال له رجلٌ: يا أبا عبد الرحمن! لوددتُ أنَّك ذكَّرتنا في كلِّ يومٍ. قال: أما إنَّه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُمِلَّكُم، وإني أتخوَّلكُم[[٢]] بالموعظةِ كما كان رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يتخوَّلَنا بها مخافةَ السآمةِ علينا[[٣]].

[٢] التخوُّل: التقلل والرعاية.

[٣] إذا كان النبي "صلى الله عليه وسلم" الذي لا ينطق عن الهوى، وحديثه أشهى وأحلى من العسل .. يتخوَّل أصحابه الكرام النصح خشية السآمة، فمن باب أولى على المشايخ والوعاظ والخطباء في هذا الزمان أن يتخوَّلوا الناس في نصحهم ومواعظهم، ولا يُملونهم الحديث!

وعن عكرمة، أنَّ ابنَ عباس قال: حدِّثِ الناسَ كُلَّ جمعةٍ مرَّةً، فإن أبيت فمرَّتين، فإن أكثرتَ فثلاثَ مرَّاتٍ، ولا تُمِلَّ النَّاسَ هذا القرآنَ، ولا أُلفِيَنَّكَ تأتي القومَ وهم في حديثٍ من حديثهم فتقصُّ عليهم فتقطعُ عليهم حديثَهم فتُمِلَّهُم، ولكن أنصتْ، فإذا أمروكَ فحدِّثهم وهم يشتهونَه، وانظر السَّجْعَ من الدعاءِ فاجتنبهُ، فإنِّي عهدتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" وأصحابَهُ لا يفعلون ذلك[[٤]].

[٤] رواه البخاري، المشكاة: ٢٥٢. قلت: قد تضمن هذا الأثر العظيم عن حبر الأمة آداباً عظيمة، تتعلق بفقه وآداب الخطاب والحديث، ينبغي لكل داعية يشتغل في الدعوة والتبليغ أن يتفطَّن لها. وقوله "ولا أُلفِيَنَّكَ"؛ أ ولا أجِدَنَّك. والسَّجع؛ الحرص على أن تكون نهاية الجُمَل أو العبارات على نسَقٍ واحد!

كما ينبغي على العالم عندما يفتي ويدعو الآخرين أن يراعي عقول الناس وطبائعهم، ومستوياتهم، فيبشر ولا يُنفِّر .. كما يجب عليه أن يجتنب التشدد والغلو في الدين، ويجنح للرفق والتيسير ما أمكن ذلك شرعاً.

قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} آل عمران:١٥٩.

وعن أبي موسى، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ادعوا النَّاس، وبَشِّروا ولا تُنفِّروا، ويَسِّروا ولا تُعَسِّرُوا" مسلم.

وعن ابن عباس، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "عَلِّموا، ويَسِّرُوا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروُا ولا تُنَفِّروا، وإذا غَضِبَ أحدُكم فليَسْكُت"[[١]].

[١] رواه أحمد، صحيح الجامع: ٤٠٢٧.

وعن عائشة، أنها قالت: "ما خُيِّرَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" بين أمرين إلا أخذَ أيسرَهُما، ما لم يكُن إثماً كان أبعدَ الناسِ منه[[٢]]، وما انتقم رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" لنفسِه، إلا أن تُنتَهك حرمَةُ اللهِ فينتقمُ لله بها" متفق عليه.

[٢] أي إذا كان هذا الذي خُيِّر فيه إثماً كان "صلى الله عليه وسلم" أبعد الناس عنه، وأشدهم نفوراً منه .. وفي ذلك ردٌّ على أولئك الذين يفسرون التيسير في الدين على أنه وقوع في المحظور .. وتجاوز للمشروع .. ما دام فيه تيسيراً على الآخرين!

وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إيَّاكُم والغُلُو في الدين[[٣]]، فإنما هلَكَ من كان قبلكُم بالغلوِّ في الدين"[[٤]].

[٣] الغلو في الدين؛ هو كل ما زاد حدّه عن المشروع المنصوص عليه في الكتاب والسنة.

[٤] رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم، السلسلة الصحيحة: ١٢٨٣.

وعن أبي هريرة، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "إنَّ الدينَ يُسْرٌ، ولن يُشَادَّ الدينَ أحدٌ إلا غَلبَه" البخاري[[٥]].

[٥] قال ابن حجر في "الفتح" ١/١١٧: والمشادة بالتشديد المغالبة، والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفقَ إلا عجز وانقطع فيُغلب ا- هـ.

وعن بريدة الأسلمي، قال: قالَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "عليكُم هدياً قاصِداً[[٦]]، فإنَّهُ من يُغالِب هذا الدينَ يغلُبُه"[[٧]].

[٦] أي طريقاً معتدلاً وسطاً من غير جنوح إلى إفراط ولا تفريط.

[٧] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: ٩٥. وقوله "يُغالب"؛ أي يجنح للتشدد .. ويعتزل الرفق والاعتدال .. فلا يأخذ بالرخص الشرعية حيث ينبغي الأخذ بها.

وعن عائشة "رضي الله عنها" قالت: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كُلِّه" البخاري.

وعنها، قالت: قال رسول ُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحبُّ الرِّفقَ، ويُعطِي على الرفقِ ما لا يُعطي على العنفِ، ومَا لا يُعطي على ما سواهُ" مسلم.

وعنها، قالت: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلا شانَه"[[٨]] مسلم.

[٨] الرفق زين، وخلافه شين .. يُشين صاحبه ولو بعد حين.

وعن جرير بن عبد الله قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "مَن يُحرَمِ الرِّفقَ يُحْرَمِ الخيرَ" مسلم.

وعن معاوية بن الحكم، قال: بينما أنا أُصلِّي مع رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، إذ عَطَس رجلٌ من القوم، فقلت: يرحمُكَ اللهُ، فرماني القومُ بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه[[٩]] ما شأنُكم تنظرون إلي؟! فجَعلُوا يَضربون بأيدِيهم على أَفخاذِهم فلمَّا رأيتهم يُصمِّتُونَني[[١٠]]، لكنِّي سكَتُّ، فلمَّا صلَّى رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" ـ فبأبي هو وأمِّي، ما رأيتُ معلِّماً قبلَه ولا بعدَه أحسن تعليماً منه ـ فوالله ما كهَرَني، ولا ضَرَبني، ولا شَتَمني، ثم قال: "إن هذه الصلاةَ لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلامِ النَّاس، إنما هو التَّسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن" مسلم.

[٩] وافقد أمي لي.

[١٠] أي يسكتونني، فغضبت.

وعن أنس بن مالك، قال: بينما نحنُ في المسجدِ مع رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" إذ جاءَ أَعرابي، فقامَ يبولُ في المسجِدِ، فقال أصحاب رسول الله "صلى الله عليه وسلم": مَهْ مه! قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا تُزْرِمُوه، دَعُوه"، فتركُوه حتى بالَ. ثم إنَّ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" دعاهُ فقال له: "إنَّ هذهِ المسَاجِدَ لا تَصلُحُ لشيءٍ من هذا البولِ والقذَر، إنما هي لذكرِ اللهِ "جل جلاله"، والصلاةِ، وقراءةِ القُرآن". قال فأمرَ رجلاً من القوم، فجاءَ بدلوٍ من مَاءٍ، فشَنَّه عليه. مسلم.

وفي رواية عن أبي هريرة، قال: قام أعرابي فبال في المسجد! فتناوله الناس[[١١]] فقال لهم رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "دَعُوه وأهرِيقُوا على بولِه دَلْواً مِن ماءٍ، فإنَّما بُعِثتُم مُيَسِّرين، ولم تُبعَثوا مُعَسِّرين"[[١٢]].

[١١] يريدون منعه وزجره.

[١٢] رواه البخاري، والنسائي، صحيح سنن النسائي: ٥٥. أقول: اعتبر النبي "صلى الله عليه وسلم" زجر الرجل ومنعه من أن يتم بوله نوع من أنواع التعسير المنافي للتيسير، فما يكون القول فيمن يعسر على المسلمين أمر دينهم؟ ثم لو أن جاهلاً فعل في مسجد من مساجد المسلمين ما فعله الأعرابي في مسجد النبي "صلى الله عليه وسلم" .. هل ترونه يخرج حياً من المسجد؟!

وعنه، أنَّ رجلاً سأل النبي "صلى الله عليه وسلم" عن المباشرَةِ للصائِمِ، فرَخَّصَ له، وأتاهُ آخرُ فنهاهُ؛ فإذا الذي رخَّص له شيخٌ، والذي نهاهُ شابٌّ[[١٣]].

[١٣] صحيح سنن أبي داود: ٢٠٩٠. فيه: أن الفتوى تكون أحيانا بحسب المستفتي وحاله .. وهذا فقه لا بد للفقيه من أن يتنبه له عندما يفتي الناس.

وعن علي بن أبي طالب "رضي الله عنه"، قال: "حَدِّثوا النَّاسَ بما يَعرِفُون أتحبونَ أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه" البخاري.

كما ينبغي على العالم أن يصدع بالحق، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يخشى في الله لومة لائم؛ فإذا العالم تَرخَّصَ لنفسه وأخذَ بالتقيَّةِ، واحتجَبَ، فمتى يَظهرُ الحقُّ للناس..؟!

عن حذيفة بن اليمان، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "والذي نفسي بيدِه لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتَنْهونَّ عن المنكرِ، وليوشِكَنَّ الله أن يبعثَ عليكم عِقاباً منه؛ فتدعونَه فلا يَستجيبَ لكُم"[[١]].

[١] صحيح سنن الترمذي: ١٧٦٢.

عن طارق بن شهاب، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "من رأى منكم مُنكراً فليغيرْهُ بيدِه، فإن لم يستطِعُ فبلسانِه، فإن لم يَستطِع فبقلبِه وذلك أضعفُ الإيمان" مسلم.

عن أبي سعيد الخدري، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا يمنعنَّ رجلاً هيبةُ الناسِ أنْ يقولَ بحقٍّ إذا عَلِمَهُ؛ فإنَّه لا يُقرِّبُ من أجلٍ ولا يُبعدُ من رِزْقٍ"[[٢]].

[٢] رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: ١٦٨.

عن عبادة بن الصامت، قال: "بايعَنَا رسولُ الله على أن نقولَ بالحقِّ أينما كُنَّا لا نخافُ في اللهِ لومةَ لائم" متفق عليه.

عن جابر، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "سيِّدُ الشُّهداء حمزةُ بنُ عبدِ المطلب، ورجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائرٍ فأمرَه ونهاهُ فقتَلَهُ"[[٣]].

[٣] رواه الحاكم، السلسلة الصحيحة: ٤٩١.

عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عندَ سُلطانٍ جائرٍ"[[٤]].

[٤] رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: ٤٩١.

عن أبي أُمامة، قال: قالَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أحبُّ الجهادِ إلى اللهِ، كلمةُ حقٍّ تُقالُ لإمامٍ جائرٍ"[[٥]].

[٥] رواه أحمد، والطبراني، صحيح الجامع: ١٦٨.

عن قيس، قال: قال أبو بكرٍ بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أيُّها الناسُ، إنَّكم تَقرأون هذه الآية، وتضعونَها على غيرِ موضعها: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، وإنَّا سمعنا النبي "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إن النَّاس إذا رأَوا الظالمَ فلم يأخذوا على يدَيْهِ أوشَكَ أن يَعُمَّهم اللهُ بعقابٍ". وإني سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "ما مِن قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي، ثمَّ يَقدرون على أن يُغيروا، ثم لا يُغيِّرُوا، إلا يوشَكُ أن يعمَّهُم اللهُ منه بعقابٍ"[[٦]].

[٦] رواه أبو داود وغيره، صحيح سنن أبي داود: ٣٦٤٤. قلت: وعليه يكون تأويل قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}؛ أي إذا قمتم بمهمة وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصدعتم بالحق .. وأخذتم على أيدي الظالمين بالزجر والإنكار والمنع بحسب استطاعتكم {لا يَضُرُّكُمْ} بعد ذلك {مَنْ ضَلَّ}.

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "لا يَحْقِرَنَّ أحدُكم نَفسَه" قالوا: يا رسولَ الله كيف يَحقِرُ أحدُنَا نَفْسَه؟ قال: "يَرى أمراً للهِ عليه مقالاً، ثمَّ لا يَقول فيه، فيقولُ اللهُ "جل جلاله" يومَ القيامة: ما منعَكَ أن تقولَ فيَّ كَذا وكذا؟ فيقول: خشيةَ النَّاسِ. فيقولُ: فإيَّايَ كُنتَ أحقَّ أن تخشَى"[[٧]].

[٧] قال المنذري في الترغيب: رواه ابن ماجه، ورواته ثقاة. وقال أحمد شاكر في العمدة ١/٧٠١: إسناده صحيح. وقوله "يَرى أمراً للهِ عليه مقالاً"؛ أي يرى أمراً يوجب الله عليه أن يقول فيه مقالاً، ومن حق الله عليه أن يقول فيه مقالاً؛ كأمرٍ بمعروفٍ أو نهي عن منكر .. وبيان حقٍّ قد غفل عنه الغافلون .. أو كتمه الكاتمون الذين يكتمون الحق رهبة من ظالم أو رغبة بما في يديه من فُتاتٍ وعطاء!

عن عبادة بن الصامت، أنَّ رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" قال: "ليسَ مِن أُمتي مَنْ لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحَم صَغِيرَنا، ويَعرِف لعالِمنا"[[١]].

[١] رواه أحمد وغيره، صحيح الترغيب: ٩٦.

وقوله "صلى الله عليه وسلم": "ويَعرِف لعالِمنا"؛ أي يعرف حقَّه من توقير وإجلالٍ وتكريم لما له من فضل ومعروف على الناس. قلت: كم من عالمٍ في زماننا المعاصر قد غيبتهم سجون الطغيان والظلم في أقطارٍ شتَّى .. ولا يزالون .. يُسامون سوء الذل والعذاب .. لا ذنب لهم سوى أنهم صدعوا بما يجب عليهم أن يصدعوا به من الحق .. والناس عنهم ساهون لاهون غافلون لا يكترثون لحالهم .. ولا يسألون عنهم .. وكأن هؤلاء العلماء ليس لهم حقَّاً على الأمة!!

نريد علماء يصدعون بالحق .. فإن فعلوا، وتعرضوا لصنوف من البلاء والأذى والظلم .. تخلى عنهم الناس .. وتفرجوا عليهم وكأنه لم يكن شيئاً .. {تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} النجم:٢٢. فالحق يُنصَر بالعلماء والشعوب معاً، وليس بأحدهما دون الآخر!

عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ من إجلالِ اللهِ إكرامَ ذي الشَّيبَةِ المسلم، وحاملِ القرآنِ غيرِ الغَالي فيه والجَّافي عنه، وإكرامَ ذي السلطانِ المُقْسِط"[[٢]].

[٢] صحيح سنن أبي داود: ٤٠٥٣.

عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ليسَ مِنَّا مَن لم يَرحمْ صغيرَنا، ويَعرِف حقَّ كبيرنا"[[٣]].

[٣] رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، صحيح الترغيب: ٩٥.

عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ اللهَ تعالى قال: مَن عادى لي وليَّاً[[٤]] فقد آذنتُهُ بالحرب" البخاري.

[٤] من أولياء الله تعالى العلماء العاملون؛ فالولاية تتحقق بالمتابعة للسنة، والجهاد في سبيل الله .. وهاتان الخصلتان من أبرز ما يتميز به العلماء العاملون، وهم يتفاضلون فيما بينهم على قدر تفاضلهم في هاتين الخصلتين: المتابعة للسنة، والجهاد في سبيل الله.

عن عائشة، قالت: قال النبي "صلى الله عليه وسلم": "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم"[[٥]].

[٥] صحيح الأدب المفرد: ٣٦٢. قلت: من ذوي الهيئات أهل العلم والمروءة والفضل، والشرف. "عثراتهم"؛ أي كبواتهم وزلاتهم؛ إذ لكل جوادٍ كبوة فلا ينبغي أن يُنسى فضله وثباته وصهيله في ميادين وساحات الوغى .. لأجل كبوته تلك .. ويُؤخَذ ويُحاسَب على أساسها!

عن ابن عمر، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم": "أمرَني جبريلُ أن أُقدِّمَ الأكابِرَ"[[٦]].

[٦] رواه أبو بكر الشافعي في الفوائد، السلسلة الصحيحة: ١٥٥٥. والتقديم الوارد في الحديث شامل لكل أمرٍ هامٍّ ذي بال؛ كتقديمهم في المجلس، والمشورة، والحديث، وتقديمهم في الصلاة خلفه "صلى الله عليه وسلم" في الصف الأول، وتقديمهم في القيام بالمهام الكبيرة .. فالتقديم شامل لكل هذه المعاني، والله تعالى أعلم.

عن جابرٍ أنَّ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" كان يجمعُ بين الرجلين من قتلى أحدٍ ـ يعني في القبر ـ ثم يقول: "أيهما أكثرُ أخذاً للقرآن؟ فإذا أُشيرَ إلى أحدِهما، قدَّمَه في اللحدِ" البخاري.

عن عبد الله بن مسعود، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لِيَلِيَنِي منكُم أُولُو الأحلامِ والنُّهى، ثمَّ الذين يَلونَهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفُوا فتختلفَ قُلوبُكُم، وإيَّاكم وهَيْشَاتِ الأسواق"[[٧]].

[٧] أخرجه الترمذي وأبو داود، صحيح سنن الترمذي: ١٨٩.

قال أبو عيسى الترمذي: وقد روي عن النبي "صلى الله عليه وسلم": أنه كان يُعجبُه "صلى الله عليه وسلم" أن يَليَهُ المهاجرون والأنصار؛ ليحفَظوا عنه.

قال الشَّعْبي: صلَّى زيدٌ بن ثابت على جنازةٍ، فقُرِّبَت إليه بغلتُه ليركَبها، فجاء ابن عباس، فأخذَ بركابِه، فقال زيد: خلِّ عنه يا ابنَ عمِّ رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال ابنُ عباس: هكذا أُمِرنا أن نفعلَ بالعلماءِ والكُبراء، فقبَّل زيد بن ثابت يدَه، وقال: هكذا أُمِرنا أن نفعَلَ بأهلِ بيتِ نبينا "صلى الله عليه وسلم"[[٨]].

[٨] قال العراقي في تخريجه للإحياء ١/٦٣: أخرجه الطبراني، والحاكم، والبيهقي، قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم.

نسألُ الله تعالى عِلماً نافعاً، وعملاً خالصاً مُتقبَّلاً، وقلباً خاشِعاً أيَّاباً للحق، ولساناً ذاكراً .. وأن يجعلنا ممن يعرفون للعلماء حقَّهم وقدرهم .. ومن غير إفراطٍ ولا تفريط .. اللهمَّ آمين.

وصلى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.