English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

فضلُ إكرامِ الضيفِ

قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} الإنسان:٨.

وقال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} هود:٦٩[[١]].

[١] قال ابن كثير في التفسير: أي ذهب سريعاً فأتاهم بالضيافة وهو عجل فتى البقر، حنيذ: مشوي على الرِضف؛ وهي الحجارة المحماة ا- هـ. وذلك قبل أن يعرف من هم وماذا يريدون، أو يسألهم هل يُريدون طعاماً وضيافةً أم لا .. وهذا من تمام وكمال الكرم والجود، والآيات فيها دلالات عظيمة تتعلق بآداب الضيافة، وما يجب للضيف، لو راجعتها في كتب التفسير.

وقال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ} الذاريات:٢٤-٢٧.

عن أبي هريرة، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم": "كان أوَّلَ من ضيَّفَ الضيفَ إبراهيمُ، وهو أولُ من اختَتَنَ على رأسِ ثمانينَ سنةٍ، واختتن بالقدُّومِ"[[٢]].

[٢] رواه ابن عساكر، السلسلة الصحيحة: ٧٢٥.

فضلُ إكرامِ الضيفِ[[٣]].

[٣] الكرَم: بذل المعروف، والعطاء، والطعام ـ بنفسٍ طيبة راضية ـ عندما يتعين شرعاً البذل والعطاء، من غير تقصيرٍ عن الحد أو القدْر الواجب. وعكسه البخل: وهو الإمساك عما يجب شرعاً بذله وتقديمه.

ومن علامات البخيل: أنه إذا حُمل على الانفاق والعطاء .. تراه يُتبع إنفاقه وعطاءه بالمن والأذى .. والرياء .. وهو بعد كل ذلك تراه كارهاً مغموماً لانفاقه وخروج العطاء من يده!

وفي الحديث، قال "صلى الله عليه وسلم": "برئ من الشح من آتى الزكاة وقرى الضيف، وأعطى في النائبة" [ قال ابن حجر في الإصابة ٢/٩٠: إسناده حسن ].

عن أبي هريرة، أنَّ رجلاً أتى النبَّي "صلى الله عليه وسلم"، فبعثَ إلى نسائه، فقلْنَ ما معَنا إلا الماءُ! فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من يَضمُّ أو يُضِيفُ هذا؟" فقال رجلٌ من الأنصار: أنا، فانطلقَ به إلى امرأتِه، قال: أكرمي ضيفَ رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، فقالت: ما عندنا إلا قوتُ صبياني، فقال: هيِّئي طعامَكِ، وأصبحي سِراجَكِ، ونوِّمي صبيانَك إذا أرادوا عَشاءً، فهيَّأت طعامَها، وأصبحَتْ سِراجَها، ونوَّمَت صبيانها، ثم قامت كأنها تُصلح سراجَها فأطفأَته[[٤]]، فجعَلا يُريانِه أنهما يأكلان فباتا طاويين[[٥]]، فلما أصبحَ غدا إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: "ضَحكَ اللهُ الليلةَ أو عَجِبَ من فِعَالِكُما". فأنزل الله "جل جلاله": {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الحشر:٩[[٦]].

[٤] حتى لا يراهما الضيف أنهما توقفا عن تناول الطعام، فيتأذى من ذلك، وهما اضطرا لهذا الموقف لأن الطعام لا يكفي لثلاثتهم.

[٥] أي باتا جائعين بطن كل واحد منهما ضامر عليه من الجوع.

[٦] رواه البخاري.

وقوله: "أصبحت"؛ أي أضاءت. قلت: حدثت قصة عجيبة لنبل صاحبها، وعظيمِ كرمه أرى ذكرها ليرى القارئ أي رجالٍ هؤلاء الذين صنعهم الإسلام: حدثني أحد الإخوان الفضلاء في الأردن أنه دُعي وجمع من الإخوان على طعامٍ عند أخٍ كريم جواد .. ومع انشغال الأخ وعائلته بإعداد الطعام لضيوفه انقلب القِدْرُ ـ وكان مليئاً بالماء والمرَق المغلي الحامي ـ على طفلتهم الصغيرة .. فماتت ..

فتحامل الأخ على الصبر، وعلى أن يُخفي معالم حزنه وتأثره .. وألزم زوجه بذلك .. حتى لا يتأذى الأخوة الضيوف .. وحتى ينتهوا من طعامهم بهناءة وسرور ومن دون أدنى كدرٍ .. ولما انتهوا من طعامهم .. وحمدوا الله .. وشكروا الأخ على حسن الضيافة .. وهموا بالنهوض .. استأذنهم بأن يصلوا معه على طفلته صلاة الجنازة!!

وعن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إن اللهَ كريم يحبُّ الكُرمَاء، جَوادٌ يحبُّ الجوَدَةَ، يحبُّ معالي الأخلاقِ ويكره سَفْسَافَها"[[٧]].

[٧] أخرجه ابن عساكر، صحيح الجامع: ١٨٠٠. سفساف الأمور أو الأخلاق؛ أي الأمر الحقير والرديء من كل شيء، وهو ضد المعالي والمكارم، وأصله ما يطير من غُبار الدقيق إذا نُخِلَ، والتراب إذا أثير "النهاية".

وعن صُهيب، قال: سمعتُ الرسولَ "صلى الله عليه وسلم" يقول: "خيارُكم من أطعمَ الطعامَ"[[٨]].

[٨] أخرجه أحمد، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: ٤٤. وقوله "صلى الله عليه وسلم": "خيارُكم من أطعمَ الطعامَ"؛ أي بذل الطعام لمستحقيه من الضيوف وغيرهم من ذوي الحاجة.

ومن حديثٍ أبي شريحٍ، أنَّ رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" قال: "من كان يُؤمنُ بالله واليومِ الآخر فليُكرِم ضيفَه" متفق عليه.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ رجلاً سأل النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" أي الإسلام خير؟ قال "صلى الله عليه وسلم": "تُطعمُ الطعامَ، وتقرأ السلامَ على من عرَفْتَ وعلى من لم تَعرِف" البخاري.

وعنه، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعامَ، وأفشُوا السلامَ، تدخلوا الجنَّة بسلام"[[٩]].

[٩] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي، والدارمي، وغيرهم، السلسلة الصحيحة: ٥٧١.

وعن عليٍّ "رضي الله عنه" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ في الجنَّةِ غُرَفاً تُرَى ظُهُورُها من بطُونِها، وبطُونُها من ظُهُورِها". فقام أعرابيٌّ فقال: لمن هي يا رسولَ الله؟ فقال: "لمن أطَابَ الكلامَ، وأطعمَ الطعامَ، وأدامَ الصيامَ، وصلَّى بالليل والنَّاسُ نيامٌ"[[١٠]].

[١٠] صحيح سنن الترمذي: ١٦١٦.

وعن يزيد ابن المقدام بن شريح بن هاني، عن المقدام عن أبيه، عن هاني: أنه لما وفدَ على رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: يا رسولَ الله أيُّ شيءٍ يوجبُ الجنَّةَ؟ قال "صلى الله عليه وسلم": "عليكَ بحُسْنِ الكلامِ، وبذلِ الطعامِ"[[١١]].

[١١] أخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد"، وابن أبي الدنيا، والحاكم، السلسلة الصحيحة: ١٩٣٩.