English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

حقُّ الضيفِ

قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} الإنسان:٨.

وقال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} هود:٦٩[[١]].

[١] قال ابن كثير في التفسير: أي ذهب سريعاً فأتاهم بالضيافة وهو عجل فتى البقر، حنيذ: مشوي على الرِضف؛ وهي الحجارة المحماة ا- هـ. وذلك قبل أن يعرف من هم وماذا يريدون، أو يسألهم هل يُريدون طعاماً وضيافةً أم لا .. وهذا من تمام وكمال الكرم والجود، والآيات فيها دلالات عظيمة تتعلق بآداب الضيافة، وما يجب للضيف، لو راجعتها في كتب التفسير.

وقال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ} الذاريات:٢٤-٢٧.

عن أبي هريرة، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم": "كان أوَّلَ من ضيَّفَ الضيفَ إبراهيمُ، وهو أولُ من اختَتَنَ على رأسِ ثمانينَ سنةٍ، واختتن بالقدُّومِ"[[٢]].

[٢] رواه ابن عساكر، السلسلة الصحيحة: ٧٢٥.

فضلُ إكرامِ الضيفِ[[٣]].

[٣] الكرَم: بذل المعروف، والعطاء، والطعام ـ بنفسٍ طيبة راضية ـ عندما يتعين شرعاً البذل والعطاء، من غير تقصيرٍ عن الحد أو القدْر الواجب. وعكسه البخل: وهو الإمساك عما يجب شرعاً بذله وتقديمه.

ومن علامات البخيل: أنه إذا حُمل على الانفاق والعطاء .. تراه يُتبع إنفاقه وعطاءه بالمن والأذى .. والرياء .. وهو بعد كل ذلك تراه كارهاً مغموماً لانفاقه وخروج العطاء من يده!

وفي الحديث، قال "صلى الله عليه وسلم": "برئ من الشح من آتى الزكاة وقرى الضيف، وأعطى في النائبة" [ قال ابن حجر في الإصابة ٢/٩٠: إسناده حسن ].

عن أبي هريرة، أنَّ رجلاً أتى النبَّي "صلى الله عليه وسلم"، فبعثَ إلى نسائه، فقلْنَ ما معَنا إلا الماءُ! فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من يَضمُّ أو يُضِيفُ هذا؟" فقال رجلٌ من الأنصار: أنا، فانطلقَ به إلى امرأتِه، قال: أكرمي ضيفَ رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، فقالت: ما عندنا إلا قوتُ صبياني، فقال: هيِّئي طعامَكِ، وأصبحي سِراجَكِ، ونوِّمي صبيانَك إذا أرادوا عَشاءً، فهيَّأت طعامَها، وأصبحَتْ سِراجَها، ونوَّمَت صبيانها، ثم قامت كأنها تُصلح سراجَها فأطفأَته[[٤]]، فجعَلا يُريانِه أنهما يأكلان فباتا طاويين[[٥]]، فلما أصبحَ غدا إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: "ضَحكَ اللهُ الليلةَ أو عَجِبَ من فِعَالِكُما". فأنزل الله "جل جلاله": {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الحشر:٩[[٦]].

[٤] حتى لا يراهما الضيف أنهما توقفا عن تناول الطعام، فيتأذى من ذلك، وهما اضطرا لهذا الموقف لأن الطعام لا يكفي لثلاثتهم.

[٥] أي باتا جائعين بطن كل واحد منهما ضامر عليه من الجوع.

[٦] رواه البخاري.

وقوله: "أصبحت"؛ أي أضاءت. قلت: حدثت قصة عجيبة لنبل صاحبها، وعظيمِ كرمه أرى ذكرها ليرى القارئ أي رجالٍ هؤلاء الذين صنعهم الإسلام: حدثني أحد الإخوان الفضلاء في الأردن أنه دُعي وجمع من الإخوان على طعامٍ عند أخٍ كريم جواد .. ومع انشغال الأخ وعائلته بإعداد الطعام لضيوفه انقلب القِدْرُ ـ وكان مليئاً بالماء والمرَق المغلي الحامي ـ على طفلتهم الصغيرة .. فماتت ..

فتحامل الأخ على الصبر، وعلى أن يُخفي معالم حزنه وتأثره .. وألزم زوجه بذلك .. حتى لا يتأذى الأخوة الضيوف .. وحتى ينتهوا من طعامهم بهناءة وسرور ومن دون أدنى كدرٍ .. ولما انتهوا من طعامهم .. وحمدوا الله .. وشكروا الأخ على حسن الضيافة .. وهموا بالنهوض .. استأذنهم بأن يصلوا معه على طفلته صلاة الجنازة!!

وعن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إن اللهَ كريم يحبُّ الكُرمَاء، جَوادٌ يحبُّ الجوَدَةَ، يحبُّ معالي الأخلاقِ ويكره سَفْسَافَها"[[٧]].

[٧] أخرجه ابن عساكر، صحيح الجامع: ١٨٠٠. سفساف الأمور أو الأخلاق؛ أي الأمر الحقير والرديء من كل شيء، وهو ضد المعالي والمكارم، وأصله ما يطير من غُبار الدقيق إذا نُخِلَ، والتراب إذا أثير "النهاية".

وعن صُهيب، قال: سمعتُ الرسولَ "صلى الله عليه وسلم" يقول: "خيارُكم من أطعمَ الطعامَ"[[٨]].

[٨] أخرجه أحمد، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: ٤٤. وقوله "صلى الله عليه وسلم": "خيارُكم من أطعمَ الطعامَ"؛ أي بذل الطعام لمستحقيه من الضيوف وغيرهم من ذوي الحاجة.

ومن حديثٍ أبي شريحٍ، أنَّ رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" قال: "من كان يُؤمنُ بالله واليومِ الآخر فليُكرِم ضيفَه" متفق عليه.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ رجلاً سأل النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" أي الإسلام خير؟ قال "صلى الله عليه وسلم": "تُطعمُ الطعامَ، وتقرأ السلامَ على من عرَفْتَ وعلى من لم تَعرِف" البخاري.

وعنه، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعامَ، وأفشُوا السلامَ، تدخلوا الجنَّة بسلام"[[٩]].

[٩] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي، والدارمي، وغيرهم، السلسلة الصحيحة: ٥٧١.

وعن عليٍّ "رضي الله عنه" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ في الجنَّةِ غُرَفاً تُرَى ظُهُورُها من بطُونِها، وبطُونُها من ظُهُورِها". فقام أعرابيٌّ فقال: لمن هي يا رسولَ الله؟ فقال: "لمن أطَابَ الكلامَ، وأطعمَ الطعامَ، وأدامَ الصيامَ، وصلَّى بالليل والنَّاسُ نيامٌ"[[١٠]].

[١٠] صحيح سنن الترمذي: ١٦١٦.

وعن يزيد ابن المقدام بن شريح بن هاني، عن المقدام عن أبيه، عن هاني: أنه لما وفدَ على رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: يا رسولَ الله أيُّ شيءٍ يوجبُ الجنَّةَ؟ قال "صلى الله عليه وسلم": "عليكَ بحُسْنِ الكلامِ، وبذلِ الطعامِ"[[١١]].

[١١] أخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد"، وابن أبي الدنيا، والحاكم، السلسلة الصحيحة: ١٩٣٩.

عن عُقبة بن عامر، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا خيرَ فيمن لا يُضِيف"[[١]].

[١] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٢٤٣٤.

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "شَرُّ ما في الرجلِ شِحٌّ هالِعٌ، وجُبنٌ خالِعٌ"[[٢]].

[٢] أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، السلسلة الصحيحة: ٥٦٠. الشح الهالع: هو البخل الذي يحمل صاحبه على الجزَع والضجر، يظهر عليه ذلك إذا نزل بساحته ضيف أو دُعي لموقف فيه بذل أو عطاء. أما الجبن الخالع: هو الجبن الذي يكاد يخلع قلب صاحبه من صدره لشدة خوفه.

عن عبد الله بن عمرو، قال: خطبَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" فقال: "إيَّاكُم والشُّحُّ فإنما هلَكَ من كان قبلكُم بالشُّحِّ: أمرَهُم بالبُخلِ فبَخِلُوا، وأمرهُم بالقطِيعة فقطَعُوا، وأمرَهُم بالفجورِ ففجَروا"[[٣]].

[٣] صحيح سنن أبي داود: ١٤٨٩. والحديث فيه أن البخل سبب لكثير من الذنوب والمعاصي، لذا من السنة الاستعاذة من البخل كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري وغيره: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال". وكان "صلى الله عليه وسلم" يأمر أصحابه بهذه الكلمات.

عن أبي هريرة "رضي الله عنه" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إيَّاكُم والشُّحَّ، فإنَّه دعا مَن كان قبلَكُم فسَفَكُوا دِماءَهم، ودعا من كان قبلَكُم فقَطَّعوا أرحامَهم، ودعا من كان قبلَكُم فاستحَلُّوا حُرُماتِهم"[[٤]].

[٤] رواه ابن حبّان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، صحيح الترغيب: ٢٦٠٣. وقيل في معنى الشح: هو البخل والحرص. وقيل: هو الحرص على ما ليس عندك، والبخل بما عندك!

عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "صلاحُ أوَّلِ هذه الأمة بالزُّهدِ واليقين، ويَهلِكُ آخِرُها بالبُخل والأمَل"[[٥]].

[٥] أخرجه أحمد في الزهد وغيره، السلسلة الصحيحة: ٣٤٢٧.

عن أبي هريرة "رضي الله عنه" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا يجتمعُ غبارٌ في سبيل الله ودُخانُ جهنَّم في جوفِ عبدٍ أبداً، ولا يجتمعُ شُحٌّ وإيمانٌ في قلبِ عبدٍ أبداً"[[٦]].

[٦] رواه النسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، صحيح الترغيب والترهيب: ٢٦٠٦.

وفي رواية: "لا يجمعُ الله في قلبِ امرئٍ مسلمٍ الإيمانَ، والشُّحَّ جميعاً"[[٧]].

[٧] صحيح سنن النسائي: ٢٩١٨.

عن أبي سعيد الخدري "رضي الله عنه" قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البُخلُ، وسوءُ الخلُقِ"[[٨]].

[٨] رواه الترمذي وغيره، صحيح الترغيب: ٢٦٠٨.

عن أبي هريرة أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "اجتنبوا السَّبعَ الموبقات"، قيل: يا رسولَ الله ما هي؟ قال: "الشِّرْكُ بالله، والشُّحُّ، وقَتلُ النَفسِ، التي حَرَّمَ الله إلا بالحق، وأَكلُ الرِّبا، وَأَكلُ مَالِ اليَتيمِ، والتَوَلِّي يَومَ الزَّحفِ، وقَذفُ المُحصَناتِ الغافلات المُؤمناتِ"[[٩]].

[٩] صحيح سنن النسائي: ٣٤٣٢. قلت: مجيء الشح من حيث الترتيب بعد ذنب الشرك بالله، وقبل ما سواه من الموبقات الواردة في الحديث .. إنه لدليل على عِظم ذنب وداء الشح أعاذنا الله وإياكم منه.

قال أبو بكرٍ الصديق "رضي الله عنه": "وأي داءٍ أدوأُ من البخل، قالها ثلاثاً" البخاري.

دخلت امرأةٌ على عائشةَ قد شُلَّت يدُها فقالت: يا أمَّ المؤمنين، بتُّ البارحةَ صحيحةَ اليدِ فأصبَحَت شلاَّء! قالت عائشة: وما ذاك؟ قالت: كان لي أبَوان موسِران، كان أبي يُعطي الزكاة ويُقرِي الضيف ويُعطي السائلَ ولا يحقرَ من الخير شيئاً إلا فعلَه، وكانت أمي امرأةً بخيلةً مُمسِكةً، لا تصنعُ في مالها خيراً

فمات أبي ثم ماتت أمي بعده بشهرين، فرأيتُ البارِحةَ في منامي أبي وعليه ثوبان أصفران، بين يديه نهرٌ جارٍ، قلت: يا أبَه ما هذا؟ قال: يا بنية من يعمل في هذه الدنيا خيراً يره، هذا أعطانيه الله تعالى. قلت: فما فعلت أمي؟ قال: وقد ماتت أمك؟ قلت: نعم، قال: هيهات! عدلت عنا، فاذهبي فالتمسيها ذاتَ الشمال، فملتُ عن شمالي، فإذا أنا بأمي قائمة عريانة متزرة بخرقةٍ، بيدها شُحيمة تنادي: والهفاه، واحسرتاه، واعطَشَاه.

فإذا بلغها الجهد دلكت تلك الشحيمة براحتها ثم لحستها، وإذا بين يديها نهرٌ جارٍ، قلت: يا أُمَّاه ما لك تنادين العطشَ، وبين يديك نهرٌ جار؟! قالت: لا أُترَكُ أن أَشربَ منه. قلت: أفلا أسقيك؟ قالت: وددتُ أنَّك فعلتِ، فغرفتُ لها غُرفةً فسقيتها، فلما شربت نادى منادٍ من ذات اليمين: ألا من سقى هذه المرأة شُلَّت يمينه ـ مرتين ـ فأصبحتُ شلاَّء اليمين، لا أستطيع أن أعمل بيميني.

قالت لها عائشة: وعرَفْتِ الخرقَة؟ قالت: نعم يا أمَّ المؤمنين، وهي التي رأيتها عليها، ما رأيت أمي تصدقت بشيء قط، إلا أن أبي نحرَ ذاتَ يومٍ ثوراً، فجاء سائلٌ فعمدت أمي إلى عظمٍ عليه شُحيمة فناولته إيَّاه، وما رأيتُها تصدَّقت بشيء إلا أنَّ سائلاً جاء يسأل، فعمدت أمي إلى خرقة فناولتها إياه!

فكبَّرت عائشة رضي الله عنها وقالت: صدق الله وبلَّغ رسولُه "صلى الله عليه وسلم": {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} الزلزلة:٧-٨[[١٠]].

[١٠] قال ابن رجب في مجموع رسائله ٢/٤٣٠: أخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب "الترغيب والترهيب" من طريق أبي الشيخ الأصبهاني الحافظ بإسنادٍ حسن.

عن أبي شريح الخزاعي، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "الضيافةُ ثلاثةُ أيامٍ، وجائزَتُه يومٌ وليلة[[١]]، ولا يحلُّ لرجلٍ مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يُؤثِمَهُ"، قالوا: يا رسول الله وكيف يُؤثِمُه؟ قال: "يقيم عنده ولا شيء له يقريه به" مسلم.

[١] أي الاهتمام به في اليوم والليلة وإكرامه بما يمكن ويتيسر، وبما يزيد عن العادة، أما في اليوم الثاني والثالث فيطعمه ولا يزيد عن عادته.

وقوله: "حتى يؤثمه"؛ أي يوقعه في الإثم والحرج، فيضيق صدره بسبب أنه لا يجد ما يضيفه به .. وربما يحمله ذلك على الاقتراض مع عدم وجود الطاقة على السداد .. أو غيبة الضيف لتجاهله إمكانيات وقدرة وظروف المضيف .. والفترة الزمنية المناسبة التي يقدر فيها على إضافته .. فيوقعه ذلك في الإثم والحرج

حيث أن من الضيوف من قد يطيب له المقام .. ولا يكترث لظروف المضيف؛ فيطيل المكث والإقامة في دار الضيافة ربما لشهرٍ أو شهرين أو أكثر أو أقل .. ويكون ذلك كله على حساب المُضيف ومعاشه، وعمله .. وما يتعين عليه من حقوق وواجبات .. فيوقعه في الحرج والإثم!

وعنه، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "من كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليُكرِم ضيفَه؛ جائزتُه يومٌ وليلةٌ، والضيافةُ ثلاثة أيامٍ، فما بعد ذلك فهو صَدقة، ولا يحلُّ له أن يَثويَ عنده حتى يُحَرِّجَه[[٢]]" متفق عليه.

[٢] قال الترمذي: ومعنى "لا يَثوي": لا يُقيم حتى يشتد على صاحب المنزل. والحرج: الضيق ا- هـ. وقال الخطابي: معناه لا يحل للضيف أن يُقيم عنده بعد ثلاثة أيامٍ من غير استدعاء منه حتى يضيق صدره، فيبطل أجره ا- هـ.

سئل مالك عن قول النبي "صلى الله عليه وسلم": "جائزته يوم وليلة". فقال: يُكرمه ويُتحِفُه ويحفظَه يوماً وليلة، وثلاثةُ أيامٍ ضيافة[[٣]].

[٣] صحيح سنن أبي داود: ٣١٨٨.

وعن أبي هريرة، أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "الضيافَةُ ثلاثةُ أيامٍ فما سوى ذلك فهو صدقةٌ"[[٤]].

[٤] صحيح سنن أبي داود: ٣١٨٩. قلت: وما كان صدقة ونافلة ليس من حق الضيف أن يُلزم مُضيفه به .. وإنما الأمر مرده للمضيف إن شاء تصدق، وله أجر، وإن شاء أمسك، ولا حرج عليه.

وعنه، قال سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "للضيف على مَن نزَلَ به من الحقِّ ثلاثٌ، فما زادَ فهو صدقةٌ، وعلى الضيفِ أن يرتحِلَ؛ لا يؤثِّمَ أهلَ المنزِل"[[٥]].

[٥] رواه أبو يعلى والبزار، صحيح الترغيب: ٢٥٩٠. وقوله "لا يؤثِّمه"؛ أي لا يتسبب له بالإثم.

وعن أبي كريمة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "ليلةُ الضيفِ حقٌّ على كلِّ مسلم، فمن أصبحَ بفنائه، فهو عليه دَينٌ؛ إن شاءَ اقتضى، وإن شاء ترك"[[٦]].

[٦] رواه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما، صحيح سنن أبي داود: ٣١٩٠. وقوله "صلى الله عليه وسلم" "إن شاء اقتضى"؛ أي أخذ ما يحق له كضيف ممن نزل بفنائه وساحته، وإن شاء ترك وعفا، كمن له دين على آخر.

فإن نزل الضيف بقومٍ بخلاء منعوه حقَّه فلم يُضيفوه، فله أن يأخذَ حقَّه وكفايته بيده ولا حرج عليه، فإن عجَزَ عن تحصيل حقِّه بنفسه وجب على المسلمين نصره إلى أن يمكنوه من تحصيل حقه ممن نزل بفنائه.

عن أبي هريرة، أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "أيما ضيفٍ نزلَ بقومٍ، فأصبحَ الضيفُ محروماً، فله أن يأخذَ بقدْرِ قِراه، ولا حرجَ عليه"[[١]].

[١] أخرجه أحمد، والحاكم، صحيح الجامع: ٢٧٣٠.

وعن عقبة بن عامر، قال: قلنا يا رسول الله إنك تبعثُنا، فننزِلُ بقومٍ فلا يُقروننا[[٢]]، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إن نزلتم بقومٍ فأمروا لكم بما ينبغي للضيفِ فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضيفِ الذي ينبغي لهم" متفق عليه.

[٢] أي لا يضيفوننا، ولا يعطوننا طواعية ما يحق لنا من الضيافة.

وعن المقداد بن مَعْدِ يكرِبَ الكِنْدِي "رضي الله عنه" عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "أيُّما رجُلٍ أضافَ قوماً فأصبحَ الضيفُ محروماً، فإنَّ نصرَهُ حقٌّ على كلِّ مسلم حتى يأخذَ بِقِرَى ليلتِه من زرعِه ومالِه"[[٣]].

[٣] قال المنذري في الترغيب: رواه أبو داود، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.

عن شقيق، قال: دخلت أنا وصاحبٌ لي على سَلمان "رضي الله عنه"، فقرَّب إلينا خبزاً وملحاً، فقال: لولا أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" نهانا عن التكلُّفِ لتكلَّفتُ لكم، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا سَعْتَرُ[[١]]، فبعثَ بمطهرَته إلى البقال فرهنَها، فجاءَ بِسَعْتَرٍ فألقاه فيه، فلما أكلنا، قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزَقنا، فقال سلمان: لو قنعتَ بما رُزِقتَ لم تَكن مطهرَتي مرهونةٌ عند البقال[[٢]].

[١] هو نبات طيب الطعم والرائحة.

[٢] أخرجه الحاكم وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٣٩٢.

وعنه، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "لا يتكلَّفَنَّ أحدٌ لِضيفِه مالا يَقدِرُ عليه"[[٣]].

[٣] السلسلة الصحيحة: ٢٤٤٠. قلت: كم هؤلاء النسوة اللاتي يحملن أزواجهن على المبالغة في التكلف للضيف طلباً للسمعة والرياء .. والمباهاة .. ويكون ذلك في كثير من الأحيان على حساب قدرات الرجال المادية .. فالحديث ينهى عن ذلك كله.

وعن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: دخل عليَّ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" فقال: "هلْ عندكُم شيء؟"، فقلت: لا؛ إلا كِسَرٌ يابسةٌ وخَلٌّ، فقال النبي "صلى الله عليه وسلم": "قربيه فما أقفَرَ بيتٌ من أدْمٍ فيه خَلٌّ"[[٤]].

[٤] صحيح سنن الترمذي: ١٥٠٢. وقوله "صلى الله عليه وسلم": "ما أقفَرَ"؛ أي ما خلا بيت من أدم فيه خل.

وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "نعمَ الإدَامُ الخلُّ" مسلم.

وعن جابر بن عبد الله، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "طعامُ الواحد يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنين يكفي الأربعةَ، وطعامُ الأربعةِ يكفي الثَّمانيةَ"[[٥]] مسلم.

[٥] الحديث فيه نهي عن الإسراف من أجل الضيف، فالكرم شيء والإسراف الذي مؤداه إلى إلقاء أرطال من الطعام المتبقى عن الضيف أو الضيوف في القمامة شيء آخر، قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} الأعراف:٣١.

وعن عبدِ الله بن عُبَيد بن عَمِيرَةَ، قال: دخل على جابرٍ "رضي الله عنه" نفرٌ من أصحابِ النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" فقدَّمَ إليهم خُبزاً وخَلاً، فقال: كلوا، فإني سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "نِعْمَ الإدامُ الخلُّ"، إنه هلاكٌ بالرجلِ أن يدخُلَ إليه النَّفرُ من إخوانه فيَحتقرَ ما في بيتِه أن يُقدِّمَهُ إليهم، وهلاكٌ بالقومِ أن يحتقروا ما قُدِّمَ إليهم"[[٦]].

[٦] قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه أحمد، والطبراني، وأبو يعلى، وبعضُ أسانيدهم حسن.

وعن أنس بن مالك "رضي الله عنه" قال: دخَلَ عليه قومٌ يعودونَهُ في مرَضٍ له، فقال: يا جاريَةُ هلُمِّي لأصحابنا ولو كِسَراً، فإني سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "مَكارمُ الأخلاقِ من أعمالِ الجنَّة"[[٧]].

[٧] قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادٍ جيد. ونحو قوله قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٨/١٧٧.

شَرُّ الطعامِ والولائم التي يُدعى إليها الأغنياء ويُمنَع عنها الفقراء والمساكين.

عن أبي هريرة "رضي الله عنه" قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "شرُّ الطعامِ طعامُ الوليمةِ؛ يُدعَى لها الأغنياء، ويُتركُ الفقراء، ومَن تركَ الدعوةَ فقد عصى اللهَ تعالى ورسولَه "صلى الله عليه وسلم"" البخاري.

وكان أبو هريرة "رضي الله عنه" يقول: "بئسَ الطعامُ طعامُ الوليمةِ؛ يُدعى إليه الأغنياء ويُترَكُ المساكين" مسلم.

وعنه، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "شرُّ الطعام طعامُ الوليمةِ؛ يُمنَعَها من يأتيها ويُدعى إليها مَن يأباها" مسلم.

وأحبُّ الطعام إلى الله تعالى الطعام الذي تكثر عليه الأيدي، فتجتمعُ ولا تتفرق.

عن جابر بن عبد الله "رضي الله عنهما" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ أحبَّ الطعامِ إلى الله ما كَثُرَت عليه الأيدِي"[[١]].

[١] رواه أبو يعلى والطبراني، صحيح الترغيب: ٢١٣٣.

وعن وحشي بن حربٍ، عن أبيه عن جده قال: قالوا يا رسولَ الله إنَّا نأكلُ ولا نشبَعُ؟ قال: "تجتمعون على طعامِكم أو تتفرقون؟" قالوا: نتفرَّقُ. قال: "اجتمعوا على طعامِكُم، واذكروا اسمَ الله؛ يُبارَكْ لكم فيه"[[٢]].

[٢] رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان، صحيح الترغيب: ٢١٢٨.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "كلوا جميعاً ولا تَتفرَّقوا"[[٣]].

[٣] رواه الطبراني في الأوسط، صحيح الترغيب: ٢١٣٢.

عن عبد الله بن بُسْر صاحبِ النبيِّ "صلى الله عليه وسلم": "أنَّ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" كان إذا أتى باباً يريدُ أن يستأذِنَ لم يستقبلْهُ؛ جاء يميناً وشمالاً؛ فإن أُذِنَ له وإلا انصرَفَ"[[١]].

[١] صحيح الأدب المفرد: ٨٢٢.

قلت: لأن استقبال الباب وتوسطه مدعاة للاطلاع على عورات البيت ومن في داخله قبل أن يؤذن للزائر .. لذا من السنة الوقوف يميناً أو شمالاً .. وهذا أدب نبوي عظيم قلَّ من يلتزم به .. وأزيد فأقول: من خيانة الصاحب لصاحبه وغشه والغدر به أن يسترق النظر في مواضع من بيته وحجراته مما لا يأذن به صاحبُه.

عن سَهْل بن سعْد: أن رجلاً اطَّلعَ من جحرٍ في باب النبيِّ "صلى الله عليه وسلم"، ومع النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" مِدْرَى يحكُّ به رأسَه، فلما رآهُ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "لو أعلمُ أنَّكَ تنظرُني لطعنتُ به عينَكَ، إنَّما جُعِلَ الإذنُ من أجلِ البصَرِ"[[٢]].

[٢] صحيح الأدب المفرد: ٨١٦. والمدرى عبارة عن عودٍ نحيف يُشبه المسلَّة.

عن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لو اطَّلَع رجلٌ في بيتِك، فخذفته بحصاةٍ، ففقأت عينَه، ما كان عليكَ جناح"[[٣]].

[٣] صحيح الأدب المفرد: ٨١٤. وقوله "ما كان عليكَ جناح"؛ أي من حرَج.

عن مسلم بن نُذَير قال: استأذَنَ رجلٌ على حُذيفة، فاطَّلعَ وقال: أدخلُ؟! قال حذيفة: "أما عينُك فقد دخلت، وأما استُكَ فلم تدخل"[[٤]].

[٤] صحيح الأدب المفرد: ٨٣٠. أي ما قيمة استئذانك بعد أن دخل بصرك وجال في أطراف البيت قبل أن يؤذن لك .. وأست الرجل مؤخِّرته.

عن جابر قال: أتيتُ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" في دَينٍ كان على أبي، فدقَقْتُ البابَ، فقالَ "صلى الله عليه وسلم": "مَن ذا؟"، فقلتُ: أنا، فقال "صلى الله عليه وسلم": "أنا، أنا؟!"، كأنه كرهه[[٥]].

[٥] صحيح الأدب المفرد: ٨٢٨. فمن السنة عندما يستأذن الرجل أو الزائر أن يذكر اسمه .. ولا يكتفي بعبارة "أنا .. أنا"، وهذا أدب قلَّ من يلتزم به في زماننا!

عن ابن عباس قال: استأذنَ عمر على النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" فقال: السلام على رسول الله، السلام عليكم، أيَدخلُ عمر"[[٦]].

[٦] صحيح الأدب المفرد: ٨٢٧.

عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إذا استأذَنَ أحدُكُم ثلاثاً فلم يؤذَن له؛ فليرجِعْ" متفق عليه.

وفي رواية عند الترمذي: "الاستئذانُ ثلاثٌ؛ فإن أُذِن لك وإلا فارجِعْ"[[٧]].

[٧] قال الترمذي: حديث حسنٌ صحيح.

قلت: ونحو ذلك الهاتف ينبغي أن لا يزيد مقدار رناته وعددها وزمنها عن زمن وعدد قرع الباب ثلاثاً .. فإن رُدَّ على المهاتف خير .. وإلا فأمسك وأطفأ هاتفه .. إذ من الناس لا يُبالي أن يكرر اتصاله في الوقت الواحد عشر مرات .. وفي كل مرة قد يرن الهاتف عشر رنات .. فهذا لا شك أنه مخالف للأدب الآنف الذكر في الحديث أعلاه!

عن مصعب بن شَيبَة، عن أبيه مرفوعاً: "إذا انتهى أحدُكُم إلى المجلسِ فإن وُسِّعَ له فليجلِس، وإلا فلينظر أوسعَ مكانٍ يراهُ فليجلِس فيه"[[٨]].

[٨] رواه ابن عساكر وغيره، السلسلة الصحيحة: ١٣٢١.

عن أبي هريرة مرفوعاً: "إذا انتهى أحدُكُم إلى المجلس؛ فليُسلِّم فإذا أرادَ أن يقومَ فيُسلِّم؛ فليسَت الأولى بأحقِّ من الآخرةِ"[[٩]].

[٩] رواه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، السلسلة الصحيحة: ١٨٣.

عن أبي مسعود الأنصاري، قال: كان من الأنصار رجلٌ يُقالُ له أبو شُعَيب، وكان له غلامٌ لحَّامٌ، فقال: اصنَعْ لي طعاماً أدعو رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" خامِسَ خمسةٍ، فدعا رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" خامِسَ خمسةٍ فتبعَهُم رجلٌ، فقال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم": "إنَّك دعوتَنا خامِسَ خمسةٍ، وهذا رجلٌ قد تَبِعَنا، فإن شئتَ أذِنتَ له وإن شِئتَ ترَكْتَهُ؟"، قال: بل أذِنتُ له[[١٠]]. متفق عليه.

[١٠] قلت: وهذا أدب قلَّ من يتنبه له في هذا الزمان .. كم هي الحالة التي يُدعى فيها شخص أو عدد من الأشخاص لا يتجاوزون أصابع اليد على طعام أو وليمة .. فيأتي كلُّ شخص بمن يجد من معارفه وأقاربه وقبيلته .. ومن دون أن يستأذن صاحب الطعام أو الوليمة .. فيحصل الحرج والتقصير!

عن ابن عمر قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إذا زارَ أحدُكُم أخاهُ فجَلسَ عندهُ، فلا يَقومَنَّ حتى يستأذِنَهُ"[[١١]].

[١١] رواه أبو الشيخ في تاريخ أصبهان، السلسلة الصحيحة: ١٨٢.

عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إذا قامَ أحدُكُم من مجلسِه ثمَّ رجَع إليه فهو أحقُّ به" مسلم.

عن أبي هريرة مرفوعاً: "لا يقومُ الرجلُ للرجلِ من مجلِسِه، ولكن أفسِحُوا يَفْسَحِ اللهُ لكُم"[[١٢]].

[١٢] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٢٢٨.

وعنه، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إذا كان ثلاثةٌ جميعاً فلا يتناجَ اثنانِ دونَ الثَّالِثِ"[[١٣]].

[١٣] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ١٤٠٢. قلت: لأن هذا يؤذي الثالث، وقد يظن أنه هو المعني من هذه المناجاة .. فيرتاب منهما!

عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: "نهَى أن يجلِسَ الرجُلُ بين الرَّجُلَينِ إلا بإذنهما"[[١٤]].

[١٤] رواه البيهقي في السنن وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٣٨٥. قلت: وهذا يُحمل على المجلس الذي يضم أكثر من ثلاثة، والعلة من النهي هنا احتمال أن يكون بين الرجلين حديث خاص بهما يكرهان أن يشاركهما غيرهما في حديثهما أو ما يعنيهما ويهمهما .. وهذا ما يدخل في الحقوق الشخصية الفردية التي صانها الشرع ومنع من التطفل عليها!

عن سهل بن يعد قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا يجلس الرجلُ بين الرجلِ وابنهِ في المجلسِ"[[١٥]].

[١٥] أخرجه الطبراني في الأوسط، السلسلة الصحيحة: ٣٥٥٦.

عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إذا دخلَ أحدُكُم على أخيه المسلم، فأطعَمَهُ من طعامِه فليأكُلْ ولا يَسألْهُ عنه، وإن سَقاهُ من شرابِه فليشْرَبْ من شرابِه ولا يَسأَلْهُ عنه"[[١٦]].

[١٦] أخرجه الحاكم، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٦٢٧.

قلت: وهذا بخلاف ما عليه كثير من المتنطعين والمتكلفين إذ ترى أحدهم إذا دُعي إلى طعام فلا يأكل منه حتى يستجوب صاحب الطعام بعشرات الأسئلة، هل طعامك حلال .. وهل ذُبح على الطريقة الشرعية الصحيحة .. ومن الذي قام بالذبح .. ومن أين اشتريته .. إلى آخر قائمة الأسئلة المعروفة .. وهذا كله من التكلف الذي نُهينا عنه!

عن أبي هريرة، قال: "ما عابَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" طعاماً قط؛ إن رضيَه أكلَه، وإلا تركَه" متفق عليه.

عن ابن عمر قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ثلاثةٌ لا تُرَدُّ: الوسائِدُ، والدُّهنُ، واللَّبَنُ"[[١٧]].

[١٧] أخرجه الترمذي وغيره، السلسلة الصحيحة: ٦١٩. والدهن: ما يُدَّهن به من العطور.

عن جابر بن عبد الله، قال سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "غطُّوا الإناءَ، وأَوكُوا السِّقاءَ؛ فإنَّ في السَّنَةِ ليلةً ينزلُ فيها وباءٌ، لا يمرُّ بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، أو سِقاءٍ ليس عليه وِكَاءٌ، إلا نزَلَ من ذلك الوبَاء" مسلم[[١٨]].

[١٨] والوكاء ما يُربط به أعلى أو فوهة الوعاء أو القربة التي يُسقى بها.

عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن جدته سلمى، قالت: "كان "صلى الله عليه وسلم" يَكرَه أن يُؤخَذَ من رأسِ الطعامِ"[[١٩]].

[١٩] أخرجَ الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: ٣١٢٥. رأس الطعام: وسطه وأعلاه .. والسنة أن يُتناول الطعام من الحواف والأطراف .. ومما يليك.

عن ابن عباس مرفوعاً: "إن البركَةَ وسطُ القصعةِ؛ فكلوا من نواحِيها، ولا تأكلوا من رأسِها"[[٢٠]].

[٢٠] السلسلة الصحيحة: ١٥٨٧.

عن عمر بن أبي سلمة، قال: كنتُ غلاماً في حجرِ رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، كانت يدي تطيشُ في الصحفةِ، فقال لي رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "يا غلام! إذا أكلتَ فقلْ: بسمِ اللهَ، وكُلْ بيمينِك، وكُلْ ممَّا يَليك"[[٢١]].

[٢١] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: ٣٤٤.

عن أبي الدرداء قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا تأكُلْ مُتَّكِئاً"[[٢٢]].

[٢٢] أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، السلسلة الصحيحة: ٣١٢٢.

عن عبد الله بن عمرو قال: "ما رُئيَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" يأكُلُ مُتَّكِئاً قط، ولا يطَأُ عَقِبَهُ رجُلانِ"[[٢٣]].

[٢٣] أخرجه أبو داود، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٢١٠٤. وقوله "ولا يطأ عقبه رجلان"؛ أي كان النبي "صلى الله عليه وسلم" يكره أن يمشي أحدٌ خلفه، وإنما على يمينه أو شماله، وهذا من كمال تواضعه للمؤمنين صلوات ربي وسلامه عليه.

عن ابن عمر، قال: "نهى "صلى الله عليه وسلم" عن مَطعمَين: عن الجلوسِ على مائدةٍ يُشرَبُ عليها الخمرُ، وأن ياكلَ الرجلُ وهو منبطحٌ على بطنِه"[[٢٤]].

[٢٤] أخرجه أبو داود، والحاكم، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: ٢٣٩٤.

عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" أتِي بلبنٍ قد شِيبَ بماءٍ، وعن يمينه أعرابي، وعن شمالِه أبو بكرٌ، فشَرِبَ ثمَّ أعطى الأعرابيَّ، وقال: "الأيمَنُ فالأيمنُ ـ وفي طريق ـ: الأيمنون، الأيمنون، ألا فيمِّنوا" متفق عليه. وقوله "شِيبَ"؛ أي خُلِط ومُزِج.

عن أبي هريرة، أن النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "ليأكُلْ أحدُكُم بيمينِه، وليَشرَبْ بيمينِه، وليأخُذْ بيمينه، وليُعْطِ بيمينهِ؛ فإنَّ الشيطانَ يأكلُ بشمالِه، ويَشرَبُ بشماله، ويُعطِي بشمالِه، ويأخذُ بشمالِه"[[٢٥]].

[٢٥] أخرجه ابن ماجه، السلسلة الصحيحة: ١٢٣٦.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إذا شَرِبَ أحدُكُم فلا يتنفس في الإناء؛ فإذا أراد أن يعود؛ فليُنِح الإناءَ، ثم لِيَعُدْ إن كان يُريد"[[٢٦]].

[٢٦] أخرجه ابن ماجه، والحاكم، السلسلة الصحيحة: ٣٨٦. وقوله "فليُنح الإناء"؛ أي يُبعده عن فيه ثم يتنفس، ثم يُعاود الشرب ثانية إن أراد.

عن أبي المثنى الجهني قال: "نهى "صلى الله عليه وسلم" عن النفخِ في الشراب، فقال له رجلٌ: يا رسولَ الله إني لا أُروَى من نفَسٍ واحدٍ؟ فقال له رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": فأبِنِ القدَح عن فِيكَ، ثمَّ تنفَّس، قال: فإني أرى القذاةَ فيه؟ قال: فأهرِقها"[[٢٧]].

[٢٧] أخرجه مالك، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٣٨٥. "والقذاة" الشوائب ودقائق الأمور التي تقع في الماء.

عن أنس بن مالك، قال: "كان "صلى الله عليه وسلم" إذا شَرِبَ تنفَّس ثَلاثاً، وقال: هو أَهنَأ وأمرَأُ وأبرَأُ" مسلم.

عن ابن عمر، قال: تجشَّأ رجلٌ عندَ النبيِّ "صلى الله عليه وسلم"، فقال: "كُفَّ عنَّا جُشاءَكَ؛ فإنَّ أكثرَهُم شَبعَاً في الدنيا أطولُهُم جوعاً يومَ القيامةِ"[[٢٨]].

[٢٨] أخرجَه الترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: ٣٤٣.

عن أنس بن مالك، قال: "كان يُؤتَى بالتمرِ فيه دودٌ، فيُفتِّشه يُخرِجُ السُّوسَ منه"[[٢٩]].

[٢٩] أخرجه أبو داود، وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢١١٣. قال الشيخ ناصر: وقد روي عن النبي "صلى الله عليه وسلم" النهي عن تفتيش التمر، ولكنه لا يصح كما بينته في الضعيفة "٥٢٢٨" ا- هـ.

عن عبد الله بن مسعود، قال: "من نسيَ أن يَذكرَ اللهَ في أوَّلِ طعامِه؛ فيقُل حين يذكرَ: بسمِ الله في أوَّلِه وآخِرِه؛ فإنَّه يستقبلُ طعاماً جديداً، ويمنعُ الخبيثَ ما كان يصيبُ منه"[[٣٠]].

[٣٠] رواه ابن حبان وغيره، السلسلة الصحيحة: ١٩٨.

عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ الله ليرضى عن العبدِ أن يَأكلَ الأكلةَ فيَحمَدَهُ عليها، أو يَشرَبَ الشَّرْبَةَ فيَحمَدَهُ عليها" مسلم.

عن عبد الرحمن بن جبير، أنه حدثه رجلٌ خدَمَ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" ثمانِ سنين: أنه كان يسمعُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" إذا قُرِّبَ إليه الطعامُ؛ يقول: "بسم الله"، فإذا فرَغَ، قال: "اللهم أطعمتَ، وأسقيتَ، وأَقنَيتَ، وهَدَيتَ، وأحييتَ، فلك الحمدُ على ما أعطيتَ"[[٣١]].

[٣١] رواه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٧١. وقوله "وأقنيت"؛ أي أعطيت ورزقت المال والطعام وغير ذلك من النعم والخيرات، فكفيتنا.

عن أبي أيوب الأنصاري، قال: كان رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" إذا أكلَ أو شَرِبَ قال: "الحمدُ لله الذي أطعمَ وسَقَى، وسوَّغَه، وجعَلَ له مخرَجاً"[[٣٢]].

[٣٢] أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٠٦١.

عن معاذ بن أنس الجهني، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "من أكَلَ طعاماً فقال: الحمدُ لله الذي أطعمني هذا ورزَقَنِيه من غيرِ حولٍ ولا قوَّةٍ، غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذَنبِه"[[٣٣]].

[٣٣] صحيح سنن ابن ماجه: ٢٦٥٦.

هذه بعض الآداب العامة ذات العلاقة بالزيارة والضيافة التي ينبغي مراعاتها والالتزام بها .. نسألُ الله تعالى أن يؤدِّبَنا بأدبِ الإسلام .. وأن يجمِّل أخلاقنا بالكرم والتواضع والسخاء .. وأن يعيذنا من الجُبن والبخل .. إنه تعالى سميع قريب مجيب.

وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.