English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

تحريمُ الانتحار، وقتلِ الإنسانِ لنَفْسِه بنَفْسِه

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من قَتلَ نَفْسَهُ بحديدةٍ فحديدَتُه في يدِه يتَوجَّأُ بها في بطنهِ في نارِ جهنَّم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شَرِبَ سماً فقتل نفسَه فهو يتحسَّاهُ في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبَداً، ومن تَردَّى من جبلٍ فقتلَ نفسَهُ فهو يَتردَّى في نارِ جهنَّم خالداً مخلداً فيها أبداً"[[١]] مسلم.

[١] قوله " خالداً مخلداً فيها أبداً"؛ لا يُستفادُ منه الخلود الأبدي الذي يجب لمن يموت على الكفر والشرك، وإنما يستفاد منه العذاب الطويل، وبيان عِظَم الذنب، والترهيب من اقترافه، وذلك لوجود أدلة وقرائن أخرى تصرف الكفر عمن يموت من أهل القبلة منتحراً أو قاتلاً لنفسه بنفسه، والله تعالى أعلم.

وعنه، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم": "الذي يَطعنُ نفسَهُ، إنما يطعنها في النارِ، والذي يتقحَّم فيها يتقَحَّمُ في النار، والذي يخنقُ نفْسَهُ يخنقها في النَّار"[[٢]].

[٢] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٣٤٢١. وقوله " يتقحم فيها"؛ أي يتقحم في نار الدنيا، " يتقحم في النار"؛ أي نار الآخرة؛ فالعذاب من جنس العمل.

وعن ثابت بن الضحَّاك، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "مَن قتَلَ نفْسَهُ بشيءٍ في الدنيا عُذِّبَ به يومَ القيامة" مسلم.

وعن جندب بن عبد الله البجلي مرفوعاً: "جُرِحَ رجلٌ فيمَن كانَ قبلَكم جرحاً، فجَزعَ منه، فأخذَ سكيناً فحزَّ بها يدَه، فما رقي الدمُ حتى ماتَ، فقال الله "سبحانه وتعالى": عبدي بادرني نفْسَه، حرَّمتُ عليه الجنَّة"[[٣]].

[٣] رواه الطبراني، السلسلة الصحيحة: ٤٦٢. وقوله " بادرني نفسه"؛ أي استعجل قدومه على الله تعالى بغير وجه حق، ومن فعل بنفسه ذلك فالجنة عليه حرام.

وعن أبي هريرة قال: شَهِدْنا معَ رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" حُنَيناً، فقالَ لرجل ممن يُدعى بالإسلام: "هذا من أهلِ النار"، فلما حَضَرنا القتالَ قاتلَ الرجلُ قتالاً شديداً فأصابته جِراحَةٌ، فقيل يا رسولَ الله الرجل الذي قلت له آنفاً أنه من أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد ماتَ، فقال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم": "إلى النارِ"، فكادَ بعضُ المسلمين أن يرتابَ. فبينما هم على ذلك إذْ قِيلَ إنه لم يمتْ، ولكن به جِراحاً شديداً فلما كان من الليلِ لم يصبرْ على الجراحِ فقتل نفْسَهُ، فأُخبِرَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" بذلك، فقال: "الله أكبر، أَشهدُ أني عبدُ اللهِ ورسولُه، ثم أمر بلالاً فنادى في الناس أنه لا يدخلُ الجنَّةَ إلا نفسٌ مسلمةٌ، وأنَّ اللهَ يؤيد هذا الدين بالرجلِ الفاجِر"[[٤]] مسلم.

[٤] أفاد الحديث أن المعين ـ ممن لم يرد بحقه نص ـ لا يُقال عنه شهيد، ولا يُشهد له بالجنة على وجه الجزم والتأكيد، حتى لو كان ظاهره أنه يُجاهد؛ الله تعالى أعلم بمن يُكلم ويُقتل في سبيله.

وعن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، قال: سمعتُ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" على المنبر يقول: "اجتنبوا الكبائر السبع: الشركُ بالله، وقتلُ النَّفْسِ، والفرار من الزحفِ، وأكلُ مالِ اليتيم، وأكلُ الربا، وقذفُ المُحصَنَةِ، والتعرُّبُ بعد الهجرة"[[٥]].

[٥] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: ٢٢٤٤. قوله "صلى الله عليه وسلم": "وقتل النفس"؛ يشمل قتل المرء لغيره من الأنفس بغير حق، وقتل المرء لنفسِه بنفسه. وقوله " التعرُّبُ بعد الهجرة"؛ أي الارتداد إلى البادية والبداوة، بعد أن هاجر إلى الله ورسوله "صلى الله عليه وسلم".

عن أبي عمران الجوني، قال: حدثني بعضُ أصحاب محمدٍ، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من باتَ فوقَ بيتٍ ليسَ له إِجَّار فوقعَ فماتَ؛ فبرِئت منه الذِّمَّةُ، ومن رَكِبَ البحرَ عندَ ارتجاجِه فماتَ؛ فقد بَرِئت منه الذِّمَّة"[[٦]].

[٦] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٨٢٨. وقوله " ليسَ له إِجَّار"؛ أي ليس محاط بسياج أو سَور أو ما يمنع سقوطه. ومن يفعل ذلك فقد برئت منه الذمة؛ لأن فعله ينم عن تهور واستهتار بسلامة نفسه، وهذا لا يجوز! وقياساً عليه أقول: كل ما يتعلق بسلامة المرء مما يتعلق بقوانين وضوابط المرور والسياقة كاستخدام الحزام ونحوه من إجراءات تقتضيها السلامة العامة والخاصة، يجب الالتزام به.

مسألة: يتكرر السؤال عن حكم الإضراب عن الطعام لمن ابتلي من المسلمين بالسجن عند طواغيت الظلم .. من قبيل لفت النظر إلى قضيته العادلة، عسى أن يُرفع الظلم عنه، أو تُحسَّن معاملة الظالمين له؟

أقول: الإضراب عن الطعام إلى درجة الهلكة والموت .. قولاً واحداً؛ لا يجوز، وهو من الانتحار وقتل المرء لنفسه بنفسه، مهما كانت الأسباب والدواعي الحاملة على هذا الإضراب.

أما إن كان الإضراب عن الطعام جزئياً ومحدوداً ـ لا يمكن أن يرقى إلى درجة الهلكة والموت ـ تُرجى منه مصلحة راجحة، ودفع ضررٍ أكبر يعلو الضرر الجزئي المتحصِّل بسبب الإضراب عن الطعام .. وكان هذا الضرر الأكبر لا يُمكن دفعه إلا من خلال هذا النوع والقدر من الإضراب .. فحينئذٍ لا حرج من الإضراب عن الطعام إن تحققت فيه الشروط الآنفة الذكر، والله تعالى أعلم.