English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

حقُّ النَّفسِ

الإنسانُ مملوكٌ ومخلوق لله "جل جلاله" وحده وبالتالي لا يَحقُّ له أن يتصرَّفَ في نفسه في شيء إلا وفق مشيئة وإذن خالقه ومالكه وحده، فيُقْدِم ويضحي حيث أمره الله تعالى أن يُقدِم ويَضحي، ويُمسِك ويحجم حيث أمره الله تعالى أن يُمسك ويحجم

فالعبد مستخلفٌ على نفسه وعلى حفظها ورعايتها وهو مسؤول عنها وعن جسده يوم القيامة أمام خالقه .. فيما أفنى جسده وأبلاه، وهل اتقى الله تعالى فيه أم لا.

قال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} النساء:٢٩.

قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج:٧٨.

قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة:١٨٥.

قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} البقرة:٢٨٦.

قال تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}[[١]] البقرة:١٩٥.

[١] التهلكة هنا شاملة لكل ما يترتب عليه هلاك النفس في الدنيا والآخرة؛ وذلك يكون بالسماح للنفس أن تركب المحظور المنهي عنه وتعمل به، وبإبعادها وإقلاعها عن العمل بالطاعات التي فيها صلاحها وسلامتها في الدنيا والآخرة .. فكل من سلك سبل الخطأ والعصيان ـ على اختلاف أنواعها ومسمياتها ـ وابتعد عن طريق الطاعة لربه "جل جلاله" ولرسوله "صلى الله عليه وسلم" .. تُحمل عليه الآية الكريمة، ويُقال له: لا تلق بنفسك إلى التهلكة ..

فالآية الكريمة شاملة لكل أنواع المعاصي الظاهرة منها والباطنة، الكبيرة منها والصغيرة؛ لأن ما من معصية إلا ولها أثرها ـ بحسب نوعها وكمها ـ في هلاك النفس في الدنيا والآخرة!

قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}[[٢]] المدثر:٣٨.

[٢] أي كل نفسٍ بما كسبت من سوء وشرٍّ وعمل طالح مرتهنة وموثقة، مأخوذة به ومحاسابة عليه، ومسؤولة عنه .. وبالتالي ليس من حقِّ الإنسان أن يقول: هذه نفسي ولي الحق في أن أفعل بها ما أشاء!

قال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ} الصافات:٢٤.

وفي الحديث، عن أبي برزة، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامة حتى يُسأل عن أربعٍ: عن عُمُرِهِ فيمَ أفناهُ، وعن علمِه ماذا عمِل به، وعن مالِه من أين اكتسبَه وفِيمَ أنفَقَهُ، وعن جسمِه فِيمَ أبلاهُ"[[٣]].

[٣] رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيح، صحيح الترغيب والترهيب: ٣٥٩٢.

وفي رواية عن معاذ بن جبل قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لن تزولَ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربعِ خِصالٍ: عن عمُرِه فيمَ أفناه، وعن شبابِه فيمَ أبلاه، وعن مالِه من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَه، وعن عِلمِه ماذا عَمِلَ فيه"[[٤]].

[٤] قال المنذري: رواه البزار، والطبراني بإسنادٍ صحيح، صحيح الترغيب والترهيب: ٣٥٩٣.

الشاهد من الحديث أن المرء سيُسأل ويُحاسب يوم القيامة ـ قبل أن يعرف سبيله إلى الجنة أو النار ـ عن جسمه وشبابه هل أبلاه في الطاعة وفيما يُرضي الله "جل جلاله"، أم أنه أبلاه في المعصية، وفيما يُغضب الله تعالى .. هل سلَّط على جسمه المعاصي، والعادات السيئة فأهلكه بذلك، أم أنه أبلاه بالطاعات، والعادات الحسنة الحميدة .

فالمرء ليس حراً في أن يفعل في نفسه ما يشاء ـ بغير سلطان ولا إذنٍ من الله تعالى ـ كما هو الحال عند الإباحيين والليبراليين والعلمانيين!

وعن أبي هريرة مرفوعاً: "إن أوَّلَ ما يُحاسَب به العبدُ يومَ القيامة أن يُقال له: ألم أُصِحَّ لكَ جسمكَ، وأروِكَ من الماءِ البارِدِ؟"[[٥]].

[٥] أخرجه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، السلسلة الصحيحة: ٥٣٩.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من قَتلَ نَفْسَهُ بحديدةٍ فحديدَتُه في يدِه يتَوجَّأُ بها في بطنهِ في نارِ جهنَّم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شَرِبَ سماً فقتل نفسَه فهو يتحسَّاهُ في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبَداً، ومن تَردَّى من جبلٍ فقتلَ نفسَهُ فهو يَتردَّى في نارِ جهنَّم خالداً مخلداً فيها أبداً"[[١]] مسلم.

[١] قوله " خالداً مخلداً فيها أبداً"؛ لا يُستفادُ منه الخلود الأبدي الذي يجب لمن يموت على الكفر والشرك، وإنما يستفاد منه العذاب الطويل، وبيان عِظَم الذنب، والترهيب من اقترافه، وذلك لوجود أدلة وقرائن أخرى تصرف الكفر عمن يموت من أهل القبلة منتحراً أو قاتلاً لنفسه بنفسه، والله تعالى أعلم.

وعنه، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم": "الذي يَطعنُ نفسَهُ، إنما يطعنها في النارِ، والذي يتقحَّم فيها يتقَحَّمُ في النار، والذي يخنقُ نفْسَهُ يخنقها في النَّار"[[٢]].

[٢] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٣٤٢١. وقوله " يتقحم فيها"؛ أي يتقحم في نار الدنيا، " يتقحم في النار"؛ أي نار الآخرة؛ فالعذاب من جنس العمل.

وعن ثابت بن الضحَّاك، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "مَن قتَلَ نفْسَهُ بشيءٍ في الدنيا عُذِّبَ به يومَ القيامة" مسلم.

وعن جندب بن عبد الله البجلي مرفوعاً: "جُرِحَ رجلٌ فيمَن كانَ قبلَكم جرحاً، فجَزعَ منه، فأخذَ سكيناً فحزَّ بها يدَه، فما رقي الدمُ حتى ماتَ، فقال الله "سبحانه وتعالى": عبدي بادرني نفْسَه، حرَّمتُ عليه الجنَّة"[[٣]].

[٣] رواه الطبراني، السلسلة الصحيحة: ٤٦٢. وقوله " بادرني نفسه"؛ أي استعجل قدومه على الله تعالى بغير وجه حق، ومن فعل بنفسه ذلك فالجنة عليه حرام.

وعن أبي هريرة قال: شَهِدْنا معَ رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" حُنَيناً، فقالَ لرجل ممن يُدعى بالإسلام: "هذا من أهلِ النار"، فلما حَضَرنا القتالَ قاتلَ الرجلُ قتالاً شديداً فأصابته جِراحَةٌ، فقيل يا رسولَ الله الرجل الذي قلت له آنفاً أنه من أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد ماتَ، فقال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم": "إلى النارِ"، فكادَ بعضُ المسلمين أن يرتابَ. فبينما هم على ذلك إذْ قِيلَ إنه لم يمتْ، ولكن به جِراحاً شديداً فلما كان من الليلِ لم يصبرْ على الجراحِ فقتل نفْسَهُ، فأُخبِرَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" بذلك، فقال: "الله أكبر، أَشهدُ أني عبدُ اللهِ ورسولُه، ثم أمر بلالاً فنادى في الناس أنه لا يدخلُ الجنَّةَ إلا نفسٌ مسلمةٌ، وأنَّ اللهَ يؤيد هذا الدين بالرجلِ الفاجِر"[[٤]] مسلم.

[٤] أفاد الحديث أن المعين ـ ممن لم يرد بحقه نص ـ لا يُقال عنه شهيد، ولا يُشهد له بالجنة على وجه الجزم والتأكيد، حتى لو كان ظاهره أنه يُجاهد؛ الله تعالى أعلم بمن يُكلم ويُقتل في سبيله.

وعن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، قال: سمعتُ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" على المنبر يقول: "اجتنبوا الكبائر السبع: الشركُ بالله، وقتلُ النَّفْسِ، والفرار من الزحفِ، وأكلُ مالِ اليتيم، وأكلُ الربا، وقذفُ المُحصَنَةِ، والتعرُّبُ بعد الهجرة"[[٥]].

[٥] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: ٢٢٤٤. قوله "صلى الله عليه وسلم": "وقتل النفس"؛ يشمل قتل المرء لغيره من الأنفس بغير حق، وقتل المرء لنفسِه بنفسه. وقوله " التعرُّبُ بعد الهجرة"؛ أي الارتداد إلى البادية والبداوة، بعد أن هاجر إلى الله ورسوله "صلى الله عليه وسلم".

عن أبي عمران الجوني، قال: حدثني بعضُ أصحاب محمدٍ، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من باتَ فوقَ بيتٍ ليسَ له إِجَّار فوقعَ فماتَ؛ فبرِئت منه الذِّمَّةُ، ومن رَكِبَ البحرَ عندَ ارتجاجِه فماتَ؛ فقد بَرِئت منه الذِّمَّة"[[٦]].

[٦] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٨٢٨. وقوله " ليسَ له إِجَّار"؛ أي ليس محاط بسياج أو سَور أو ما يمنع سقوطه. ومن يفعل ذلك فقد برئت منه الذمة؛ لأن فعله ينم عن تهور واستهتار بسلامة نفسه، وهذا لا يجوز! وقياساً عليه أقول: كل ما يتعلق بسلامة المرء مما يتعلق بقوانين وضوابط المرور والسياقة كاستخدام الحزام ونحوه من إجراءات تقتضيها السلامة العامة والخاصة، يجب الالتزام به.

مسألة: يتكرر السؤال عن حكم الإضراب عن الطعام لمن ابتلي من المسلمين بالسجن عند طواغيت الظلم .. من قبيل لفت النظر إلى قضيته العادلة، عسى أن يُرفع الظلم عنه، أو تُحسَّن معاملة الظالمين له؟

أقول: الإضراب عن الطعام إلى درجة الهلكة والموت .. قولاً واحداً؛ لا يجوز، وهو من الانتحار وقتل المرء لنفسه بنفسه، مهما كانت الأسباب والدواعي الحاملة على هذا الإضراب.

أما إن كان الإضراب عن الطعام جزئياً ومحدوداً ـ لا يمكن أن يرقى إلى درجة الهلكة والموت ـ تُرجى منه مصلحة راجحة، ودفع ضررٍ أكبر يعلو الضرر الجزئي المتحصِّل بسبب الإضراب عن الطعام .. وكان هذا الضرر الأكبر لا يُمكن دفعه إلا من خلال هذا النوع والقدر من الإضراب .. فحينئذٍ لا حرج من الإضراب عن الطعام إن تحققت فيه الشروط الآنفة الذكر، والله تعالى أعلم.

عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله "رضي الله عنه" قال: آخى النبي "صلى الله عليه وسلم" بين سَلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أمَّ الدرداء مُتبَذِّلَةً[[١]]

[١] أي لابسة ثياباً لا تشد رغبة زوجها نحوها.

فقال: ما شأنُكِ؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجةً في الدنيا[[٢]]

[٢] أي لا يكترث لشؤون الدنيا، ومن ذلك الاقتراب من نسائه، فهو منقطع للعبادة والصوم.

فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقال له: كل فإني صائم قال: ما أنا بآكِلٍ حتى تأكلَ، فلما كان الليلُ ذهبَ أبو الدرداءُ يقوم، فقال له: نمْ، فنام ثم ذهب يقومُ، فقال له: نمْ، فلما كان آخرُ الليلِ قال سلمان: قم الآن، فصلَّيا جميعاً

فقال له سلمان: إنَّ لربِّكَ عليك حقَّاً، وإنَّ لنفسِكَ عليكَ حقَّاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقه، فأتى النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" فذكر ذلك له، فقال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم": "صَدَقَ سَلمان" البخاري.

عن أنس "رضي الله عنه" قال: جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النبي "صلى الله عليه وسلم"، يَسألون عن عبادةِ النبي "صلى الله عليه وسلم"، فلما أُخبِروا كأنهم تَقَالُّوها، وقالوا: أين نحن من النبي "صلى الله عليه وسلم" وقد غُفِر له ما تقدَّمَ من ذنبهِ وما تأخَّرَ

قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر: وأنا أصومُ الدَّهرَ أبداً ولا أُفْطِر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً

فجاء رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" إليهم فقال: "أنتم الذين قلتُم كذا وكذا؟! أمَا والله إني لأخشاكُم لله وأتقاكُم له، لكنِّي أصومُ وأُفطِرُ وأُصلِّي وأَرقُد، وأتزوَّجُ النساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني" متفق عليه.

عن أنس "رضي الله عنه" قال: دخل النبيُّ المسجدَ فإذا حبلٌ ممدودٌ بين السَّاريتين، فقال: "ما هذا الحبلُ؟" قالوا: هذا حبلٌ لزينب فإذا فتَرَت[[٣]] تَعلَّقَت به. فقال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم": "حُلُّوه؛ ليصلِّ أحدُكُم نشاطَه فإذا فتَرَ فليرقُدْ" متفق عليه.

[٣] أي كسلت وتعبت.

وعن عائشة "رضي الله عنه" أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إذا نعَسَ أحدُكُم وهو يُصلي فليَرقُدْ حتى يَذهبَ عنه النومُ؛ فإنَّه إذا صلَّى وهو ناعِسٌ لا يدري لعلَّه يَذهبُ يستغفرُ فيَسُبَّ نفسَه" متفق عليه.

وعن عبد الله بن عمرو قال: أُخبَر النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" أني أقول: والله لأصومنَّ النَّهارَ، ولأقومنَّ الليلَ ما عِشتُ، فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أنت الذي تقول ذلك؟" فقلت له: قد قُلتُه بأبي أنت وأمي يا رسولَ الله. قال: "فإنك لا تستطيعَ ذلك فصمْ وأَفطِرْ، ونَمْ وقُمْ، وصُمْ من الشهرِ ثلاثةَ أيامٍ فإنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالها، وذلك مثلُ صيامِ الدهرِ" متفق عليه.

وعن حمزة بن عمرو، أنه سألَ رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" عن الصيامِ في السفر؟ فقال: "أيُّ ذلك عليك أيسر فافعَلْ"؛ يعني إفطارَ رمضانَ أو صيامَه في السَّفَرِ[[٤]].

[٤] أخرجه تمام في الفوائد، السلسلة الصحيحة: ٢٨٨٤.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما خُيِّرَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" بين أمرين قَطُّ إلا أخذَ أيسرَهُما ما لم يكن إثماً؛ فإن كان إثماً كان أبعدَ الناسِ منه، وما انتقمَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" لنفْسِه في شيءٍ قطُّ إلا أن تُنتهَكَ حُرمَةُ الله، فينتقمَ بها لله" البخاري.

وعنها، قالت: "ما ضَربَ "صلى الله عليه وسلم" بيدِه خادماً ولا امرأةً، ولا ضربَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" شيئاً قطُّ إلا أن يُجاهدَ في سبيلِ الله، ولا خُيِّرَ بين أمرين قطُّ إلا كان أحبُّهما إليه أيسَرَهما حتى يكون إثماً؛ فإذا كان إثماً كان أبعدَ الناسِ عن الإثم"[[٥]].

[٥] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٥٠٧.

وعن حَنْظَلَة الأسيدي ـ وكان من كتَّاب رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" ـ قال: لقيني أبو بكرٍ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلتُ: نافقَ حنظلة! قال: سبحانَ الله، ما تقول؟! قال: قلت: نكون عند رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" يُذكِّرنا بالنارِ والجَنَّةِ حتى كأنها رَأي عينٍ، فإذا خرجنا من عندِ رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" عافَسْنا الأزواج والأولاد والضَّيعات فنسينا كثيراً

قال أبو بكرٍ: فوالله إنَّا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكرٍ حتى دخلنا على رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، قلت: نافَقَ حنظلةُ يا رسولَ الله! فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "وما ذاكَ؟"، قلت: نكون عندك تذكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنها رأي العين، فإذا خرجنا من عندِك عافَسْنا الأزواجَ والأولادَ والضَّيعات فنسينا كثيراً

فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكرِ، لصافحتكم الملائكةُ على فُرشِكُم وفي طُرقِكُم، ولكن يا حنظلة! ساعةً وساعة، ثلاثَ مرات"[[٦]].

[٦] أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ١٩٤٨.

وقوله " عافسنا"؛ أي خالَطنا وانشغلنا، وعالجنا، ومارسنا، ولاعبنا .. كل ذلك يدخل في معنى المعافَسَة. وقوله " ساعة وساعة"؛ أي ساعة تمارسون هذه الطاعة، وهذا المباح المتعلق بحقِّ الله عليك، وساعة أخرى تمارسون طاعة أخرى ومباحاً آخر متعلقاً بحق نفسك، وحق العباد عليك .. لكن هذه الساعات ـ بما فيها ساعات اللهو المباح ـ كلها لله تعالى، وتؤدَّى كعبادة لله تعالى .

ومنه نعلم خطأ المقولة الشائعة السائدة: ساعة لربك، وساعة لنفسك، وساعة لأهلك وزوجك، وساعة لإخوانك وضيوفك، وساعة .. فهذا التعبير والإطلاق خاطئ، وهو تعبير شركي؛ لأن الساعات ـ بما في ذلك الساعات التي تُنفق وتُصرف للنفس، والزوجة والأبناء، والإخوان والضيوف، وغيرهم ـ كلها لله تعالى وحده

كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام:١٦٢. فحياتك كلها إلى مماتك {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}

لا يجوز أن تُصرَف منها ساعة واحدة لغير رب العالمين.

لا وفاءَ بنذرٍ مُؤدَّاهُ إلى الحرَجِ وهلاكِ النَّفس وتعذيبها

عن ابن عباس "رضي الله عنه" قال: بينما النبي "صلى الله عليه وسلم" يخطُب إذا هو برجلٍ قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذَرَ أن يقومَ في الشمسِ ولايقْعُدَ ولا يستظِلَّ، ولا يتكلمَ ويصومَ، فقال النبي "صلى الله عليه وسلم": "مُروهُ فليتكلَّم، وليستظِلَّ وليقعُد وليتمَّ صومَهُ" البخاري.

وعن أنس أن النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" رأى شَيخاً يُهادَى [[١]] بين ابنيه، فقال: "ما بالُ هذا؟"، قالوا: نذرَ أن يمشي إلى بيتِ الله، قال: "إنَّ اللهَ تعالى عن تعذيبِ هذا نفسَهُ لغني"، وأمرَهُ أن يركب. متفق عليه.

[١] أي يتمايل ويترنح بينهما لعجزه وضَعفه.

وفي رواية لمسلم، عن أبي هريرة قال: "اركَبْ أيها الشيخ! فإنَّ اللهَ غنيٌّ عنك وعن نَذْرِك".

ـ للنفسِ حظها المشروع من الدنيا، لا ينبغي للمرء أن يشدد على نفسه؛ فيحرمها من حظِّها وحقِّها

قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} القصص:٧٧.

عن أبي هريرة قال: أمرَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" بصدَقةٍ، فقال رجلٌ: عندي دينارٌ؟ قال: "أنفقه على نفسِك". قال: عندي آخر؟ قال: "أنفقه على زوجتِك". قال عندي آخر؟ قال: "أنفقه على خادِمِك، ثم أنت أبصَر"[[٢]].

[٢] صحيح الأدب المفرد: ١٤٥. أفاد الحديث أن أولى الناس بمعروفك: نفسكَ، ثم الأقرب فالأقرب.

وعن عمران بن حُصين مرفوعاً: "إنَّ الله إذا أنعم على عبدٍ نعمةً، يُحِبُّ أن يرى أثرَ نعمتِه على عبدِه"[[٣]].

[٣] رواه ابن سعد، والطحاوي في المشكل، والبيهقي في الشعب، السلسلة الصحيحة: ١٢٩٠.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ الله "جل جلاله" إذا أنعمَ على عبدٍ نعمةً؛ يُحبُّ أن يرى أثرَ النعمةِ عليه، ويَكرهُ البؤسَ والتَّباؤس، ويبغَضُ السَّائِلَ الملحفَ، ويُحبُّ الحيي العفيف المتعفِّف"[[٤]].

[٤] أخرجه البيهقي في الشعب وغيره، السلسلة الصحيحة: ١٣٢٠.

وقوله " ويبغَضُ السَّائِلَ الملحفَ"؛ أي الذي يلح ويُبالغ في سؤال المخلوق، وبخاصة إن لم يكن من ذوي الحاجة والفاقة، ومنه قوله تعالى: {لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} البقرة:٢٧٣. أي لا يلحون في سؤال الناس .. إذ كان الصواب من ذي الحاجة واللائق به أن يلح ويُبالغ في سؤال الخالق المالك "جل جلاله"، فالله تعالى هو الرازق، وهو الغني، وهو "جل جلاله" يحب من عبده أن يلح عليه في السؤال والطلب.

وعن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "حُبِّبَ إليَّ من دُنياكُم: النساءُ، والطِّيبُ، وجُعِلَت قُرَّةُ عيني في الصَّلاة"[[٥]].

[٥] أخرجه أحمد، والنسائي، والحاكم، وغيرهم، صحيح الجامع: ٣١٢٣.

وعن ابن شهاب، أن عثمان بن مظعون أرادَ أن يختصي ويَسيحَ في الأرضِ، فقال له رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أليس لك فيَّ أسوةٌ حسنةٌ؛ فأنا آتي النساءَ، وآكلُ اللحمَ، وأصومُ وأفطر، وإنَّ خصاءَ أمَّتي الصيام، وليس من أمتي من خصى أو اختصى"[[٦]].

[٦] قال الشيخ ناصر: إسناده جيد، السلسلة الصحيحة: ٤/٤٤٥.

عن عبد الله بن الحارث يقول: "كنا نأكلُ على عهدِ رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" في المسجد الخبزَ واللحمَ"[[٧]].

[٧] صحيح سنن ابن ماجه: ٢٦٦٩. فيه أن الأكل في المسجد على غير وجه العادة جائز.

وعن سهل بن حُنَيْف، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا تُشَدِّدوا على أنفُسِكم؛ فإنَّما هلَكَ من قبلَكم بتشدِيدِهم على أنفُسِهم، وستجدونَ بقاياهم في الصوامع والدِّيارات"[[٨]].

[٨] أخرجه البخاري في التاريخ، السلسلة الصحيحة: ٣١٢٤.

وقوله " ستجدون بقاياهم"؛ أي بقايا أحبار ورهبان أهل الكتاب في صوامعهم وديرهم منقطعين عن النساء والدنيا بسبب تشديدهم على أنفسهم، وبسبب الرهبانية التي ابتدعوها من عند أنفسهم؛ من دون أن يأمرهم بها الله، كما قال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} الحديد:٢٧. والنبي "صلى الله عليه وسلم" يحذر وينهى أمته عن اتباع سنتهم في ذلك.

من حقِّ النفس على صاحبها الابتعاد عن جميع العادات والسلوكيات والأعمال الخاطئة والضَّارَّةِ بالجسد والنفس[[١]].

[١] كعادة شرب الخمر، والتدخين، وتناول نبتة القات ـ المنتشرة في اليمن وغيرها من البلدان ـ وكل مخدر أو مفتر، والكسل، والنوم الزائد، وإهمال نظافة البدن، والأكل الكثير الذي يؤدي إلى التخمة والسمنة، وغيرها من العادات والسلوكيات السيئة الضارة التي تمنع الجسد من أن يؤدي وظيفته على الوجه الأكمل في هذه الحياة، وربما تكون سبباً في وفاته مبكراً .. فهذا يُعد من السمِّ الخفي .. والانتحار الخفي البطيء الذي لا يتفطن له كثير من الناس!

عن عبادَة بن الصَّامت، أنَّ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قضى أن: "لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ"[[٢]].

[٢] صحيح سنن ابن ماجه: ١٨٩٥. فالحديث تناول النهي عن كل ما هو ضار؛ سواء كان الضرر معنوياً باطنياً أو كان مادياً ظاهراً، وسواء كان الضرر مقصوراً على النفس أو أنه يتعدى إلى الآخرين .. فكل أنواع الضرر هذه الحديث قد نهى عنها.

وفي معنى " الضرر والضرار"، قال ابن دقيق العيد في شرحه للحديث: قال بعضهم: هما لفظان بمعنى واحد؛ تكلم بهما جميعاً على وجه التأكيد. وقال ابن حبيب: الضرر عند أهل العربية الاسم، والضرار الفعل، فمعنى " لا ضرر"؛ أي لا يدخل أحدٌ على أحدٍ ضرراً لم يدخله على نفسه، ومعنى " لا ضرار"؛ أي لا يُضار أحد بأحد.

وقال المحسني: الضرر هو الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة، وهذا وجه حسن المعنى. وقال بعضهم: الضرر والضرار مثل القتل والقتال؛ فالضرر أن تضر من لا يضرك، والضرار أن تضر من أضر بك على غير وجه الاعتداء بالمثل والانتصار بالحق ... وعن أبي داود قال: الفقه يدور على خمسة أحاديث، وعدَّ هذا الحديث منها ا- هـ.

وعن أبي صِرْمَة، عن رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "من ضارَّ أضرَّ اللهُ به، ومن شَاقَّ شقَّ اللهُ عليه"[[٣]].

[٣] صحيح سنن ابن ماجه: ١٨٩٧. وقوله " من ضارَّ أضرَّ اللهُ به"؛ أي من أضر نفسه أو غيره بغير وجه حقِّ، ابتلاه الله بالضر، وأنزل به الضر، وعاقبه من جنس عمله وضرره.

عن المقدام بن معد يكرب الكندي، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرَّاً من بطنٍ، بحسبِ ابن آدمَ أُكلاتٍ يقِمنَ صُلبَه، فإنَّ كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه، وثُلثٌ لِشرابِه، وثلثٌ لِنَفَسِه"[[٤]].

[٤] أخرجه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، السلسلة الصحيحة: ٢٢٦٥. قلت: لو تأملت الأمراض التي تُصيب الإنسان وتنهك جسده، والتي تكون سبباً في وفاته، لوجدت أكثرها سببها البطن، وما يُحشى فيه من ألوان الطعام والشراب، وبكمية تزيد عن حاجة الإنسان!

وعن أُبي بن كعب، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ من شرار أمتي الذين غُذُّوا بالنعَِّيمِ؛ الذين يطلبونَ ألوانَ الطعامِ وألوانَ الثيابِ، يتشدَّقون بالكلامِ"[[٥]].

[٥] أخرجه أحمد في الزهد، وغيره، السلسلة الصحيحة: ١٨٩١.

وعن أبي جُحَيْفَة قال: تجشَّأتُ عندَ النبيِّ "صلى الله عليه وسلم"، فقال: "ما أكلتَ يا أبا جُحيفة؟!"، فقلتُ: خبزٌ ولحمٌ، فقال: "إنَّ أطولَ الناسِ جوعاً يومَ القيامَةِ؛ أكثرُهم شِبَعاً في الدُّنيا"[[٦]].

[٦] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: ٣٣٧٢.

وعن جُندُب بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من استطاعَ أن لا يجعلَ في بطنِهِ إلا طَيِّباً؛ فإنَّ أوَّلَ ما يُنْتِنُ من الإنسانِ بطنه"[[٧]].

[٧] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، وغيره، السلسلة الصحيحة: ٣٣٧٩.

وعن حذيفة قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا ينبغي لمؤمنٍ أنْ يُذِلَّ نفْسَهُ"، قالوا: وكيف يذلُّ نفْسَهُ قال: "يتعرَّض من البلاء لما لا يُطِيق"[[٨]].

[٨] صحيح سنن ابن ماجه: ٣٢٤٣.

قلت: وفي الحديث نهي عن استشراف مواطن الضرر والهلكة، والشدة، والفتنة، والبلاء مما لا طاقة للمرء بتحمله وتحمل عواقبه ونتائجه .. وما أكثر الذين يُفتنون عن دينهم، وينقلبون على أعقابهم، بسبب عدم مراعاتهم لما تضمنه هذا الحديث من معنى وتوجيه.

يوجد فرق بين استشراف البلاء ومظانه، وطلبه، وبين الصبر على البلاء إذا ما نزل: فالأول لا نتجرأ عليه، ولا نطلبه؛ لأن في طلبه والحرص عليه تزكية للنفس على الله، وهذا يتنافى مع كمال الإيمان، والآخر ـ إذا ما نزل ـ نسأل الله تعالى أن يلهمنا الصبر والثبات والاحتساب، وأن يعيننا على ذلك.

عن جابر بن عبدِ الله، قال: أتانا رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" زائراً في منزلنا، فرأى رجلاً شَعِثَاً قد تَفَرَّقَ شعرُه، فقال: "أما كان يجدُ هذا ما يُسَكِّنُ به شعرَه؟!"، ورأى رجلاً آخرَ وعليه ثياباً وَسِخة، فقال: "أما كانَ هذا يجدُ ماءً يَغسِلُ به ثوبَه؟!"[[٩]].

[٩] أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٤٩٣.

وعن أبي هريرة، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "من فِطرة الإسلامِ الغُسلُ يومَ الجُمعَةِ، والاستِنانُ، وأخذُ الشَّارب، وإعفاء اللحى؛ فإنَّ المجوسَ تُعفي شوارِبَها، وتُحفي لِحاها، فخالفوهم: خُذوا شواربَكم، وأعفُوا لحاكُم"[[١٠]].

[١٠] أخرجه ابن حبان، السلسلة الصحيحة: ٣١٢٣. والاستنان؛ تنظيف الأسنان بالسواك، أو ما ينوب عنه من الفرشاة والمعجون كما في زماننا.

وعن عائشة، أن النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "أكرموا الشَّعْرَ"[[١١]].

[١١] أخرجه ابن عدي في الكامل، السلسلة الصحيحة: ٦٦٦.

وعن سعيد بن عبد الرحمن الجحشي، أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال لأبي قتادة: "إن اتخذتَ شَعراً فأكرِمْه"[[١٢]].

[١٢] أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف، وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٢٥٢.

وعن ابن عمر، أن النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "عليكُم بالسِّواكِ؛ فإنَّه مطيبةٌ للفمِ، ومرضاةٌ للربِّ"[[١٣]].

[١٣] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٢٥١٧.

وعن ابن عباس مرفوعاً: "من باتَ وفي يدِه غَمَرٌ فأصابَه شيء فلا يلومنَّ إلا نفْسَه"[[١٤]].

[١٤] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والطبراني في المعجم الأوسط، السلسلة الصحيحة: ٢٩٥٦. والغمَر؛ زنخ اللحم والشحم؛ فمن بات وعلى يديه، وكذلك فمه أثر زنخ اللحم والشحم، ولم يقم يتنظيف نفسه بإزالة ما علق به من زنخ .. ثم اجتمعت عليه الآفات والحشرات، والمكروبات فأصابه منها مكروه فلا يلومنَّ حينئذٍ إلا نفسه.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا تُكثِروا من الضَّحِك؛ فإنَّ كثرةَ الضحك تُميتُ القلبَ"[[١٥]].

[١٥] أخرجه ابن ماجه، السلسلة الصحيحة: ٥٠٦. قلت: والحديث فيه دلالة على أثر الظاهر على الباطن، وأثر وتأثر كل منهما بالآخر.

وعنه، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "ليسَ الشديدُ بالصُّرعَةِ، إنَّما الشديدُ الذي يملكُ نفْسَهُ عند الغضبِ" البخاري.

وعنه، أن رجلاً قال للنبي "صلى الله عليه وسلم": أوصني، قال: "لا تَغْضَبْ". فردَّدَ مراراً، قال: "لا تَغضب"[[١٦]] البخاري.

[١٦] الغضب الشديد إضافة إلى كونه سبباً للوقوع في الظلم والشرِّ والعدوان على الآخرين، فهو كذلك سبب لكثير من أمراض الدم والقلب!

عن ابن عباس: "كان "صلى الله عليه وسلم" يمشي مشياً يُعرَفُ فيه أنه ليسَ بعاجزٍ ولا كَسلان"[[١٧]].

[١٧] رواه المخلص في الفوائد المنتقاة، السلسلة الصحيحة: ٢١٤٠.

الأمرُ بالتداوي؛ رحمة بالنفس والجسد.

عن جابر بن عبد الله "رضي الله عنهما"، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" عادَ مريضاً، فقال: "ألا تدعو له طبيباً؟". قالوا: يا رسولَ الله، وأنت تأمُرنا بهذا؟ قال: "إنَّ اللهَ "جل جلاله" لم يُنزِل داءً إلا أُنزِلَ معه دواءٌ"[[١]].

[١] رواه ابن الحمامي الصوفي في منتخب مسموعاته، السلسلة الصحيحة: ٢٨٧٣.

وعن أبي الدرداء "رضي الله عنه"، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "إنَّ اللهَ خلقَ الداءَ والدواءَ، فتداوَوا، ولا تتداوَوا بحرام"[[٢]].

[٢] رواه الدولابي، السلسلة الصحيحة: ١٦٣٣.

وعن أبي سعيد الخدري "رضي الله عنه"، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "إنَّ اللهَ لم يُنزِل داءً أو لم يخلق داءً إلا أنزلَ أو خلقَ له دواءً، عَلِمَه من عَلِمَه، وجَهِلَهُ من جَهِلَه إلا السَّامَ"، قالوا: يا رسولَ الله وما السَّامُ؟ قال: "الموت"[[٣]].

[٣] أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: ١٦٥٠.

وعن رجلٍ من الأنصار، قال: عادَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" رجلاً به جرحٌ، فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ادعوا له طبيب بني فلانٍ". فدعَوهُ فجاء، فقال: يا رسولَ الله ويُغني الدواءُ شيئاً؟ فقال: "سبحان الله، وهل أنزلَ اللهُ من داءٍ في الأرضِ إلا جَعلَ له شفاءً"[[٤]].

[٤] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٥١٧. قلت: يوجد فرق بين تناول الدواء كسبب مع الاعتقاد أن الله تعالى هو الشافي، وهو الذي أودع في الدواء خاصية الإشفاء، إن شاء أمضاه وإن شاء أمسكه .. وبين تعلق القلب بالدواء؛ وأن الشفاء من الداء مرهون بالدواء وتناوله من دون الله تعالى .. فالمعنى الأول حق ومشروع .. بينما المعنى الآخر باطل وهو من الشرك، ومخالف لقوله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} الشعراء:٨٠.

ـ حرصُ الإسلام على أن يبقى جسد المسلم سليماً وقوياً ما أمكن؛ ليقوى على القيام بالواجبات الشرعية، وأداء الحقوق لأصحابها، والتي منها إعمار الأرض بما ينفع الناس.

قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[[٥]] الأنفال:٦٠.

[٥] القوة الواردة في الآية والتي ينبغي إعدادها وتحقيقها شاملة لجميع معاني القوة الظاهرة منها والباطنة، بما في ذلك قوة النفس والجسد؛ إذ لا يُمكن استخدام واستغلال وسائل القوة الأخرى بصورة جيدة وصحيحة إذا كان الجسد ضعيفاً لا يقوى على استخدام تلك الوسائل القتالية الحربية التي تُستخدم عادة في ميادين الحرب والقتال.

ويُقال كذلك: أن جميع الشرائع العملية الظاهرة يُشترط لها القوة والقدرة؛ فالمرء لا يُمكن أن يُحيي تلك الشرائع وهو عاجز أو لا يملك القوة أو القدرة على القيام بها؛ فانتفاء القدرة يرفع التكليف والحرج إلى حين تحققها بنص الكتاب والسنة، واتفاق جميع أهل العلم، كما قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة:٢٨٦. وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} التغابن:١٦.

ومنه نعلم أن القوة الجسدية والتربية البدنية مطلب من مطالب الشرع؛ لأن كثيراً من الواجبات الشرعية لا يُمكن القيام بها من دون توفر تلك القوة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

عن أبي هريرة "رضي الله عنه" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "المؤمنُ القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمنِ الضعيفِ، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعُك واستعِن بالله، ولا تعجَز، وإن أصابَكَ شيءٌ فلا تقُل: لو أنِّي فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ اللهِ، وما شاءَ فعل، فإنَّ لو تفتح عملَ الشيطان" مسلم.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه" قال: "مثلُ المؤمنِ الضعيف كمثل الخامةِ من الزرعِ؛ تميلُها الريحُ، وتُقيمُها مرةً أخرى، والمؤمنُ القويُّ؛ مثل النخلة تؤتي أُكُلَها كل حينٍ في ظلِّها ذلك، ولا تقلبها الريحُ"[[٦]].

[٦] قال الشيخ ناصر في تخريجه لكتاب الإيمان لابن أبي شيبة "٨٨": إسناده صحيح.

وعن عطاء بن أبي رباح، قال: رأيتُ جابر بن عبد الله، وجابر بن عمير الأنصاري يرتميان، فملَّ أحدُهما فجلس، فقالَ له الآخرُ: كسلتَ؟! سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "كلُّ شيء ليس من ذكر الله "جل جلاله" فهو لهو أو سهوٌ، إلا أربعُ خصالٍ: مشيُ الرَّجلِ بين الغَرَضين، وتأديبُه فرسَه، ومُلاعبتُه أهلَه، وتعليمُ السِّباحة"[[٧]].

[٧] أخرجه النسائي، والطبراني في المعجم الكبير، وأبو نعيم، السلسلة الصحيحة: ٣١٥. وقوله "مشيُ الرَّجلِ بين الغَرَضين"، الغرَض: ميدان الرماية. والغرضين: المكان أو الخط الذي تُرمى منه السهام، والخط أو المكان الذي تُوضع فيه الأهداف وتكون هدفاً للسهام؛ فهو يمشي بين الغرضين ليلتقط السهام ويعود للرماية من جديد.

للذنوب والمعاصي آثارٌ مدمرة على الإنسان؛ على إيمانه وجسده وجوارحه سواء، وبالتالي من حقِّ النفس على صاحبها أن يُعنى بتزكيتها وتقويتها بالطاعات والأعمال الصالحة، واجتناب الآثام والذنوب؛ فالإنسان روح وجسد، ولكلٍّ منهما حق على صاحبه؛ فيهتم بقوة إيمانه كما يهتم بقوة وسلامة جسده وأعضائه، فتتكامل القوتان ـ الإيمانية والجسدية ـ وتتحدَّان على تحقيق الغايات من وجود الإنسان على هذه الأرض[[١]].

[١] لو تأملت الذنوب والمعاصي لوجدت أن ما من ذنب إلا وله آثاره السيئة والمدمرة ـ بحسبه ـ على إيمان المرء وجسده سواء.

قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات:٤٠-٤١[[٢]].

[٢] قوله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}؛ أي نهى النفس عن شهواتها الضارة، ومن ذلك تلبية نداء وحاجيات شهوة البطن والفرج عن طريق الخطأ والحرام.

وقال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} البقرة:٢٧٥.

عن أبي ذرٍّ "رضي الله عنه"، قال: سألتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم": أيُّ الجهادِ أفضل؟ قال: "أن تُجاهدَ نفسَكَ وهواكَ في ذاتِ الله "جل جلاله""[[٣]].

[٣] رواه ابن مله في الأمالي، وأبو نعيم في الحلية، والديلمي، السلسلة الصحيحة: ١٤٩٦. والمراد من الحديث: أن تحمل نفسك على طاعة الله ورسوله "صلى الله عليه وسلم"، ومخالفتها فيما فيه معصية لله ولرسوله "صلى الله عليه وسلم".

وعن النعمان بن بشير "رضي الله عنهما"، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إنَّ في ابنِ آدمَ مُضغةً إذا صَلُحت صلُحَ سائرُ جسدِه، وإذا فسدت فسدَ سائرُ جسدِه؛ ألا وهي القلب"[[٤]].

[٤] أخرجه أبو داود الطيالسي، السلسلة الصحيحة: ٢٧٠٨. والحديث ـ والذي يليه ـ فيه دليل على العلاقة المتبادلة والمؤثرة والمتأثرة بين الظاهر والباطن، وأن كلاً من الظاهر والباطن بريد ودليل على الآخر.

وعن عبد الله، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "الإثم حوَّاز القلوب، وما من نظرةٍ إلا وللشيطان فيها مَطمَعٌ"[[٥]].

[٥] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، السلسلة الصحيحة: ٢٦١٣.

وعن حذيفة بن اليمان "رضي الله عنه" قال: سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "تُعرَضُ الفِتنُ على القلوبِ كالحصِير عوداً عوداً، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَ فيه نُكتَةٌ سوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنكرَهَا نُكِتَ فيه نُكتَةٌ بيضاءُ، حتى تَصيرَ على قلبين: على أبيضَ مِثلِ الصَّفا؛ فلا تَضرُّهُ فتنة ما دامتِ السماواتُ والأرض، والآخرُ أسوَدُ مِربَاداً؛ كالكُوزِ مُجَخِّيَاً لا يَعرِفُ معروفاً ولا يُنكِرُ منكراً، إلا ما أُشرِبَ من هواهُ" مسلم.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتَت في قلبِه نُكتَةٌ سوداء، فإذا نزَعَ واستغفَرَ وتابَ سُقِلَ قلبُه؛ وإن عادَ زِيدَ فيها حتى تَعلُوَ قلبَهُ؛ وهو الرَّان الذي ذكَرَ الله: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}"[[٦]].

[٦] صحيح سنن الترمذي: ٢٦٥٤.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من وقَاه اللهُ شرَّ ما بين لَحْيَيهِ، وشرَّ ما بين رجليه دخلَ الجنَّةَ"[[٧]].

[٧] أخرجه الترمذي، السلسلة الصحيحة: ٥١٠. والمراد من شرِّ ما بين لحييه، وشر ما بين رجليه؛ أي شرَّ اللسان، والفرج.

وعن أبي بكرٍ الصديق "رضي الله عنه" مرفوعاً: "لا يدخلُ الجنَّةَ جسدٌ غُذِّي بالحرام"[[٨]].

[٨] أخرجه أبو يعلى وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٦٠٩.

وعن جابر بن عبد الله "رضي الله عنهما" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا يدخلُ الجنَّةَ لحم نبتَ من السُّحتِ، وكلُّ لحمٍ نبتَ من السُّحتِ كانت النارُ أولى به"[[٩]].

[٩] أخرجه أحمد، والدارمي، والبيهقي في شعب الإيمان، مشكاة المصابيح: ٢٧٧٢. والسحت: هو كل كسب أو مال حرام؛ وحرمته قد تكون من جهة نوع الكسب؛ كحرمة ثمن الخمر والخنزير، وقد تكون من جهة طريقة تحصيله؛ كالغش، والاحتكار، والربا، والميسر، والرشوة، والسرقة، ونحو ذلك.

وعن عائشة "رضي الله عنها" قالت: كان لأبي بكر غلامٌ يُخرِجُ له الخَراجَ، فكان أبو بكرٍ يأكلُ من خَراجِه، فجاءَ يوماً بشيءٍ، فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنتُ تكَهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهليَّة، وما أُحسِنُ الكهانَةَ إلا أني خدَعتُه، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه! قالت: فأدخَلَ أبو بكرٍ يدَهُ، فقاءَ كلَّ شيءٍ في بطنِه. البخاري.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ، ولا يشرَبُ الخمرَ حينَ يشرَبها وهو مؤمِنٌ، ولا يَسرقُ حين يسرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا ينتهبُ نُهبةً يرفعُ الناسُ إليه أبصارَهم وهو مؤمنٌ" متفق عليه.

وعن ابن عباس "رضي الله عنهما"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "الخمرُ أمُّ الفواحِش، وأكبر الكبائرِ؛ من شَرِبَها وقعَ على أمِّه وخالتهِ وعَمَّتِه"[[١٠]].

[١٠] رواه الطبراني، السلسلة الصحيحة: ١٨٥٣.

وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه مرفوعاً: "ما نقضَ قوم العهد قطُّ؛ إلا كان القتلُ بينهم، وما ظهرت فاحشةٌ في قومٍ قط إلا سلَّط الله "جل جلاله" عليهم الموت، ولا منع قومٌ الزكاةَ إلا حبسَ عنهم القَطْرَ"[[١١]].

[١١] رواه الحاكم والبيهقي، السلسلة الصحيحة: ١٠٧.

وعن عبد الله بن عمر "رضي الله عنهما"، قال: أقبلَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" فقال: "يا معشَرَ المهاجرين! خمسٌ إذا ابتليتُم بهنَّ، وأعوذُ بالله أن تدركوهنَّ: لم تظهر الفاحِشة في قومٍ قط حتى يُعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن قد مضت في أسلافِهم الذين مضوا، ولم يُنقصوا الكيلَ والميزان إلا أُخِذوا بالسِّنين وشِدَّة المؤنةِ وجَوْرِ السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاةَ أموالهم إلا مُنعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمطَروا، ولم ينقضوا عهدَ الله وعهدَ رسولِه إلا سلَّطَ اللهُ عليهم عدواً من غيرهم؛ فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيَّروا مما أنزلَ اللهُ إلا جعلَ اللهُ بأسَهم بينهم"[[١٢]].

[١٢] رواه ابن ماجه وغيره، السلسلة الصحيحة: ١٠٦.

وعن ابن عباس "رضي الله عنهما" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "خَمسٌ بخمسٍ: ما نقضَ قومٌ العهدَ إلا سلَّطَ عليهم عدوَّهُم، وما حكموا بغيرِ ما أنزلَ الله إلا فشا فيهم الفَقرُ، ولا ظَهرت فيهم الفاحِشةُ إلا فشا فيهم الموت، ولا مَنعوا الزكاةَ إلا حُبِسَ عنهم القَطرُ، ولا طفَّفوا المكيالَ إلا حُبِسَ عنهم النَّباتُ، وأُخِذُوا بالسِّنين"[[١٣]].

[١٣] رواه الطبراني في الكبير، صحيح الترغيب: ٧٦٥. قال المنذري: و "السِّنين"؛ جمع "سَنَة" وهي العام المقحط الذي لم تنبت الأرضُ فيه شيئاً، سواء وقع قطرٌ أو لم يقع ا- هـ. والذي أردناه من هذا الحديث والأحاديث التي قبله التابعة لهذا الباب أن يُدرك القارئ حجم الدمار والهلاك والضرر الذي تسببه المعاصي والذنوب للنفس الإنسانية، وبالتالي من حق النفس عليك ـ يا عبد الله ـ أن تجنبها هذا الضرر والهلاك وكل ما يؤدي إليه.

نسألُ الله تعالى أن يُزكي نفوسنا بطاعته وطاعة رسوله "صلى الله عليه وسلم"، وأن يُعيذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأن يجعلنا ممن يُجاهدون أنفسهم وأهواءهم في ذات الله "جل جلاله".

وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.