English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

الاقتصادُ في الطاعات رفقاً بالنفس، ومراعاة لحقِّ النفسِ على صاحبها

عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله "رضي الله عنه" قال: آخى النبي "صلى الله عليه وسلم" بين سَلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أمَّ الدرداء مُتبَذِّلَةً[[١]]

[١] أي لابسة ثياباً لا تشد رغبة زوجها نحوها.

فقال: ما شأنُكِ؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجةً في الدنيا[[٢]]

[٢] أي لا يكترث لشؤون الدنيا، ومن ذلك الاقتراب من نسائه، فهو منقطع للعبادة والصوم.

فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقال له: كل فإني صائم قال: ما أنا بآكِلٍ حتى تأكلَ، فلما كان الليلُ ذهبَ أبو الدرداءُ يقوم، فقال له: نمْ، فنام ثم ذهب يقومُ، فقال له: نمْ، فلما كان آخرُ الليلِ قال سلمان: قم الآن، فصلَّيا جميعاً

فقال له سلمان: إنَّ لربِّكَ عليك حقَّاً، وإنَّ لنفسِكَ عليكَ حقَّاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقه، فأتى النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" فذكر ذلك له، فقال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم": "صَدَقَ سَلمان" البخاري.

عن أنس "رضي الله عنه" قال: جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النبي "صلى الله عليه وسلم"، يَسألون عن عبادةِ النبي "صلى الله عليه وسلم"، فلما أُخبِروا كأنهم تَقَالُّوها، وقالوا: أين نحن من النبي "صلى الله عليه وسلم" وقد غُفِر له ما تقدَّمَ من ذنبهِ وما تأخَّرَ

قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر: وأنا أصومُ الدَّهرَ أبداً ولا أُفْطِر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً

فجاء رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" إليهم فقال: "أنتم الذين قلتُم كذا وكذا؟! أمَا والله إني لأخشاكُم لله وأتقاكُم له، لكنِّي أصومُ وأُفطِرُ وأُصلِّي وأَرقُد، وأتزوَّجُ النساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني" متفق عليه.

عن أنس "رضي الله عنه" قال: دخل النبيُّ المسجدَ فإذا حبلٌ ممدودٌ بين السَّاريتين، فقال: "ما هذا الحبلُ؟" قالوا: هذا حبلٌ لزينب فإذا فتَرَت[[٣]] تَعلَّقَت به. فقال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم": "حُلُّوه؛ ليصلِّ أحدُكُم نشاطَه فإذا فتَرَ فليرقُدْ" متفق عليه.

[٣] أي كسلت وتعبت.

وعن عائشة "رضي الله عنه" أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إذا نعَسَ أحدُكُم وهو يُصلي فليَرقُدْ حتى يَذهبَ عنه النومُ؛ فإنَّه إذا صلَّى وهو ناعِسٌ لا يدري لعلَّه يَذهبُ يستغفرُ فيَسُبَّ نفسَه" متفق عليه.

وعن عبد الله بن عمرو قال: أُخبَر النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" أني أقول: والله لأصومنَّ النَّهارَ، ولأقومنَّ الليلَ ما عِشتُ، فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أنت الذي تقول ذلك؟" فقلت له: قد قُلتُه بأبي أنت وأمي يا رسولَ الله. قال: "فإنك لا تستطيعَ ذلك فصمْ وأَفطِرْ، ونَمْ وقُمْ، وصُمْ من الشهرِ ثلاثةَ أيامٍ فإنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالها، وذلك مثلُ صيامِ الدهرِ" متفق عليه.

وعن حمزة بن عمرو، أنه سألَ رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" عن الصيامِ في السفر؟ فقال: "أيُّ ذلك عليك أيسر فافعَلْ"؛ يعني إفطارَ رمضانَ أو صيامَه في السَّفَرِ[[٤]].

[٤] أخرجه تمام في الفوائد، السلسلة الصحيحة: ٢٨٨٤.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما خُيِّرَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" بين أمرين قَطُّ إلا أخذَ أيسرَهُما ما لم يكن إثماً؛ فإن كان إثماً كان أبعدَ الناسِ منه، وما انتقمَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" لنفْسِه في شيءٍ قطُّ إلا أن تُنتهَكَ حُرمَةُ الله، فينتقمَ بها لله" البخاري.

وعنها، قالت: "ما ضَربَ "صلى الله عليه وسلم" بيدِه خادماً ولا امرأةً، ولا ضربَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" شيئاً قطُّ إلا أن يُجاهدَ في سبيلِ الله، ولا خُيِّرَ بين أمرين قطُّ إلا كان أحبُّهما إليه أيسَرَهما حتى يكون إثماً؛ فإذا كان إثماً كان أبعدَ الناسِ عن الإثم"[[٥]].

[٥] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٥٠٧.

وعن حَنْظَلَة الأسيدي ـ وكان من كتَّاب رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" ـ قال: لقيني أبو بكرٍ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلتُ: نافقَ حنظلة! قال: سبحانَ الله، ما تقول؟! قال: قلت: نكون عند رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" يُذكِّرنا بالنارِ والجَنَّةِ حتى كأنها رَأي عينٍ، فإذا خرجنا من عندِ رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" عافَسْنا الأزواج والأولاد والضَّيعات فنسينا كثيراً

قال أبو بكرٍ: فوالله إنَّا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكرٍ حتى دخلنا على رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، قلت: نافَقَ حنظلةُ يا رسولَ الله! فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "وما ذاكَ؟"، قلت: نكون عندك تذكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنها رأي العين، فإذا خرجنا من عندِك عافَسْنا الأزواجَ والأولادَ والضَّيعات فنسينا كثيراً

فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكرِ، لصافحتكم الملائكةُ على فُرشِكُم وفي طُرقِكُم، ولكن يا حنظلة! ساعةً وساعة، ثلاثَ مرات"[[٦]].

[٦] أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ١٩٤٨.

وقوله " عافسنا"؛ أي خالَطنا وانشغلنا، وعالجنا، ومارسنا، ولاعبنا .. كل ذلك يدخل في معنى المعافَسَة. وقوله " ساعة وساعة"؛ أي ساعة تمارسون هذه الطاعة، وهذا المباح المتعلق بحقِّ الله عليك، وساعة أخرى تمارسون طاعة أخرى ومباحاً آخر متعلقاً بحق نفسك، وحق العباد عليك .. لكن هذه الساعات ـ بما فيها ساعات اللهو المباح ـ كلها لله تعالى، وتؤدَّى كعبادة لله تعالى .

ومنه نعلم خطأ المقولة الشائعة السائدة: ساعة لربك، وساعة لنفسك، وساعة لأهلك وزوجك، وساعة لإخوانك وضيوفك، وساعة .. فهذا التعبير والإطلاق خاطئ، وهو تعبير شركي؛ لأن الساعات ـ بما في ذلك الساعات التي تُنفق وتُصرف للنفس، والزوجة والأبناء، والإخوان والضيوف، وغيرهم ـ كلها لله تعالى وحده

كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام:١٦٢. فحياتك كلها إلى مماتك {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}

لا يجوز أن تُصرَف منها ساعة واحدة لغير رب العالمين.