English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

للذنوب والمعاصي آثارٌ مدمرة على الإنسان وبالتالي من حقِّ النفس على صاحبها أن يُعنى بتزكيتها وتقويتها بالطاعات والأعمال الصالحة

للذنوب والمعاصي آثارٌ مدمرة على الإنسان؛ على إيمانه وجسده وجوارحه سواء، وبالتالي من حقِّ النفس على صاحبها أن يُعنى بتزكيتها وتقويتها بالطاعات والأعمال الصالحة، واجتناب الآثام والذنوب؛ فالإنسان روح وجسد، ولكلٍّ منهما حق على صاحبه؛ فيهتم بقوة إيمانه كما يهتم بقوة وسلامة جسده وأعضائه، فتتكامل القوتان ـ الإيمانية والجسدية ـ وتتحدَّان على تحقيق الغايات من وجود الإنسان على هذه الأرض[[١]].

[١] لو تأملت الذنوب والمعاصي لوجدت أن ما من ذنب إلا وله آثاره السيئة والمدمرة ـ بحسبه ـ على إيمان المرء وجسده سواء.

قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات:٤٠-٤١[[٢]].

[٢] قوله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}؛ أي نهى النفس عن شهواتها الضارة، ومن ذلك تلبية نداء وحاجيات شهوة البطن والفرج عن طريق الخطأ والحرام.

وقال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} البقرة:٢٧٥.

عن أبي ذرٍّ "رضي الله عنه"، قال: سألتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم": أيُّ الجهادِ أفضل؟ قال: "أن تُجاهدَ نفسَكَ وهواكَ في ذاتِ الله "جل جلاله""[[٣]].

[٣] رواه ابن مله في الأمالي، وأبو نعيم في الحلية، والديلمي، السلسلة الصحيحة: ١٤٩٦. والمراد من الحديث: أن تحمل نفسك على طاعة الله ورسوله "صلى الله عليه وسلم"، ومخالفتها فيما فيه معصية لله ولرسوله "صلى الله عليه وسلم".

وعن النعمان بن بشير "رضي الله عنهما"، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إنَّ في ابنِ آدمَ مُضغةً إذا صَلُحت صلُحَ سائرُ جسدِه، وإذا فسدت فسدَ سائرُ جسدِه؛ ألا وهي القلب"[[٤]].

[٤] أخرجه أبو داود الطيالسي، السلسلة الصحيحة: ٢٧٠٨. والحديث ـ والذي يليه ـ فيه دليل على العلاقة المتبادلة والمؤثرة والمتأثرة بين الظاهر والباطن، وأن كلاً من الظاهر والباطن بريد ودليل على الآخر.

وعن عبد الله، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "الإثم حوَّاز القلوب، وما من نظرةٍ إلا وللشيطان فيها مَطمَعٌ"[[٥]].

[٥] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، السلسلة الصحيحة: ٢٦١٣.

وعن حذيفة بن اليمان "رضي الله عنه" قال: سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "تُعرَضُ الفِتنُ على القلوبِ كالحصِير عوداً عوداً، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَ فيه نُكتَةٌ سوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنكرَهَا نُكِتَ فيه نُكتَةٌ بيضاءُ، حتى تَصيرَ على قلبين: على أبيضَ مِثلِ الصَّفا؛ فلا تَضرُّهُ فتنة ما دامتِ السماواتُ والأرض، والآخرُ أسوَدُ مِربَاداً؛ كالكُوزِ مُجَخِّيَاً لا يَعرِفُ معروفاً ولا يُنكِرُ منكراً، إلا ما أُشرِبَ من هواهُ" مسلم.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتَت في قلبِه نُكتَةٌ سوداء، فإذا نزَعَ واستغفَرَ وتابَ سُقِلَ قلبُه؛ وإن عادَ زِيدَ فيها حتى تَعلُوَ قلبَهُ؛ وهو الرَّان الذي ذكَرَ الله: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}"[[٦]].

[٦] صحيح سنن الترمذي: ٢٦٥٤.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من وقَاه اللهُ شرَّ ما بين لَحْيَيهِ، وشرَّ ما بين رجليه دخلَ الجنَّةَ"[[٧]].

[٧] أخرجه الترمذي، السلسلة الصحيحة: ٥١٠. والمراد من شرِّ ما بين لحييه، وشر ما بين رجليه؛ أي شرَّ اللسان، والفرج.

وعن أبي بكرٍ الصديق "رضي الله عنه" مرفوعاً: "لا يدخلُ الجنَّةَ جسدٌ غُذِّي بالحرام"[[٨]].

[٨] أخرجه أبو يعلى وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٦٠٩.

وعن جابر بن عبد الله "رضي الله عنهما" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا يدخلُ الجنَّةَ لحم نبتَ من السُّحتِ، وكلُّ لحمٍ نبتَ من السُّحتِ كانت النارُ أولى به"[[٩]].

[٩] أخرجه أحمد، والدارمي، والبيهقي في شعب الإيمان، مشكاة المصابيح: ٢٧٧٢. والسحت: هو كل كسب أو مال حرام؛ وحرمته قد تكون من جهة نوع الكسب؛ كحرمة ثمن الخمر والخنزير، وقد تكون من جهة طريقة تحصيله؛ كالغش، والاحتكار، والربا، والميسر، والرشوة، والسرقة، ونحو ذلك.

وعن عائشة "رضي الله عنها" قالت: كان لأبي بكر غلامٌ يُخرِجُ له الخَراجَ، فكان أبو بكرٍ يأكلُ من خَراجِه، فجاءَ يوماً بشيءٍ، فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنتُ تكَهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهليَّة، وما أُحسِنُ الكهانَةَ إلا أني خدَعتُه، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه! قالت: فأدخَلَ أبو بكرٍ يدَهُ، فقاءَ كلَّ شيءٍ في بطنِه. البخاري.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ، ولا يشرَبُ الخمرَ حينَ يشرَبها وهو مؤمِنٌ، ولا يَسرقُ حين يسرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا ينتهبُ نُهبةً يرفعُ الناسُ إليه أبصارَهم وهو مؤمنٌ" متفق عليه.

وعن ابن عباس "رضي الله عنهما"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "الخمرُ أمُّ الفواحِش، وأكبر الكبائرِ؛ من شَرِبَها وقعَ على أمِّه وخالتهِ وعَمَّتِه"[[١٠]].

[١٠] رواه الطبراني، السلسلة الصحيحة: ١٨٥٣.

وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه مرفوعاً: "ما نقضَ قوم العهد قطُّ؛ إلا كان القتلُ بينهم، وما ظهرت فاحشةٌ في قومٍ قط إلا سلَّط الله "جل جلاله" عليهم الموت، ولا منع قومٌ الزكاةَ إلا حبسَ عنهم القَطْرَ"[[١١]].

[١١] رواه الحاكم والبيهقي، السلسلة الصحيحة: ١٠٧.

وعن عبد الله بن عمر "رضي الله عنهما"، قال: أقبلَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" فقال: "يا معشَرَ المهاجرين! خمسٌ إذا ابتليتُم بهنَّ، وأعوذُ بالله أن تدركوهنَّ: لم تظهر الفاحِشة في قومٍ قط حتى يُعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن قد مضت في أسلافِهم الذين مضوا، ولم يُنقصوا الكيلَ والميزان إلا أُخِذوا بالسِّنين وشِدَّة المؤنةِ وجَوْرِ السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاةَ أموالهم إلا مُنعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمطَروا، ولم ينقضوا عهدَ الله وعهدَ رسولِه إلا سلَّطَ اللهُ عليهم عدواً من غيرهم؛ فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيَّروا مما أنزلَ اللهُ إلا جعلَ اللهُ بأسَهم بينهم"[[١٢]].

[١٢] رواه ابن ماجه وغيره، السلسلة الصحيحة: ١٠٦.

وعن ابن عباس "رضي الله عنهما" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "خَمسٌ بخمسٍ: ما نقضَ قومٌ العهدَ إلا سلَّطَ عليهم عدوَّهُم، وما حكموا بغيرِ ما أنزلَ الله إلا فشا فيهم الفَقرُ، ولا ظَهرت فيهم الفاحِشةُ إلا فشا فيهم الموت، ولا مَنعوا الزكاةَ إلا حُبِسَ عنهم القَطرُ، ولا طفَّفوا المكيالَ إلا حُبِسَ عنهم النَّباتُ، وأُخِذُوا بالسِّنين"[[١٣]].

[١٣] رواه الطبراني في الكبير، صحيح الترغيب: ٧٦٥. قال المنذري: و "السِّنين"؛ جمع "سَنَة" وهي العام المقحط الذي لم تنبت الأرضُ فيه شيئاً، سواء وقع قطرٌ أو لم يقع ا- هـ. والذي أردناه من هذا الحديث والأحاديث التي قبله التابعة لهذا الباب أن يُدرك القارئ حجم الدمار والهلاك والضرر الذي تسببه المعاصي والذنوب للنفس الإنسانية، وبالتالي من حق النفس عليك ـ يا عبد الله ـ أن تجنبها هذا الضرر والهلاك وكل ما يؤدي إليه.

نسألُ الله تعالى أن يُزكي نفوسنا بطاعته وطاعة رسوله "صلى الله عليه وسلم"، وأن يُعيذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأن يجعلنا ممن يُجاهدون أنفسهم وأهواءهم في ذات الله "جل جلاله".

وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.