English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

فِيمَن يمنع زكاةَ مالِه

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} التوبة:٣٤-٣٥.

عن ابن عمر "رضي الله عنهما" أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "أُمِرتُ أن أقاتِلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله، ويُقيموا الصلاةَ، ويُؤتُوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عصَمُوا مني دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّ الإسلام وحسابُهم على الله" متفق عليه.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: لما توفي النبيُّ "صلى الله عليه وسلم"، واستُخْلِفَ أبو بكرٍ بعده، وكفَرَ من كفرَ من العرب، قال عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" لأبي بكر "رضي الله عنه": كيف تقاتل الناس وقد قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أُمِرتُ أن أقاتِلَ الناسَ حتى يَقولُوا: لا إله إلا الله؛ فمن قال لا إله إلا الله عَصمَ مني مالَهُ ونَفْسَهُ إلا بحقِّه وحسابُه على الله"

فقال أبو بكر: والله لأقاتِلَنَّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزَّكاة، فإنَّ الزكاةَ حقُّ المالِ، والله لو منعوني عَناقاً[[١]] كانوا يؤدونها إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" لقاتلتُهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا رأيتُ أنَّ الله شرحَ صدرَ أبي بكرٍ للقتال، فعرفتُ أنَّه الحقُّ" متفق عليه.

[١] هي الأنثى من المعز.

أقول: اعتراض عمر "رضي الله عنه" بادئ ذي بدء على قرار أبي بكر "رضي الله عنه" في مقاتلة مانعي الزكاة، ومن ثم لجوء الصديق إلى قياس الزكاة على الصلاة . دل على أنهما لم يكونا يعلمان الحديث الآنف الذكر أعلاه الذي رواه ابن عمر "رضي الله عنهما" إذ لو كانا يعلمانه لما اعترض عمر، ولما احتاج أبو بكرٍ إلى القياس.

وفيه أن الصحابي الصغير قد يعلم ما لا يعلمه الكبير، وقد يستدرك على الكبير في مسألة أو بعض المسائل؛ وهذا لا يعني ولا يلزم أن يكون أعلم وأفضل من الكبير.

وعنه "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "مَن آتاه اللهُ مالاً فلم يؤدِّ زكاتَه، مثُلَ له يومَ القيامةِ شجاعاً أقرع له زبيبتان[[٢]]، يُطوِّقُه يوم القيامةِ ثم يأخذ بِلُهزُمَتيه يعني بشِدْقَيه، ثم يقول: أنا مالُك، أنا كنزُك" متفق عليه.

[٢] الشجاع: حية ذكر. أقرع، ليس على رأسه شعر لطول عمره وكثرة سمه. والزبيبتان: نُكتتان سوداوتان فوق عيني الحيَّة.

وعنه "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ما من صاحِب ذَهبٍ ولا فضَّةٍ لا يُؤدي منها حقَّها[[٣]]، إلا إذا كان يومُ القيامةِ صُفِّحَت له صفائحُ من نارٍ، فأحمي عليها في نارِ جهنم، فيُكوى بها جَنبُه وظَهرُه، كُلَّما رُدَّت أعيدَت له في يومٍ كان مِقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ، حتى يُقضَى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنَّةِ وإمَّا إلى النارِ"[[٤]].

[٣] نصاب الفضة قدره مائتي درهم من الفضة، فيها خمسة دراهم، إذا حال عليه الحول؛ وهو عام كامل. أما نصاب الذهب: عشرون ديناراً من الذهب، فيها نصف دينار، فإذا بلغت المائة ففيها دينارين ونصف الدينار، إذا حال عليه الحول. وعلى هذين النقدين تُقاس العملات الورقية النقدية المعاصرة.

[٤] رواه مسلم.

والحديث فيه دلالة على أن تارك الزكاة من غير جحود لوجوبها ليس كافراً، إذ الكافر الذي يموت على الكفر والشرك ليس له يوم القيامة سوى الخلود في النار، وكون تارك الزكاة يُترك ـ بعد عذاب يقدره الله تعالى ـ إلى المشيئة: فـ "إما إلى الجنَّةِ وإمَّا إلى النارِ"؛ دل أنه يموت مسلماً عاصياً.

وعن أبي ذرٍّ "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "ما من رجلٍ يكونُ له إبلٌ أو بقرٌ أو غنَمٌ لا يُؤدي حقَّها[[٥]]؛ إلا أُتِيَ بها يومَ القيامةِ أعظمَ ما يكونُ وأسمنَه، تطوؤه بأخفافِها، وتنطحُه بقرونِها، كلما جازَت أُخراها رُدَّت عليه أُولاها، حتى يُقضى بين الناسِ" متفق عليه.

[٥] نصاب المواشي كالتالي:

الإبل: في كل خمسٍ من الإبل تُخرج شاة، وفي عشرٍ شاتان، وفي خمس عشرَة ثلاث شياه، وفي عشرين أربعُ شياه، وفي خمسٍ وعشرين ابنة مخاض ـ وهي التي لها سنة فدخلت في الثانية ـ، إلى خمس وثلاثين.

فإن زادت واحدة ففيها ابنة لبون ـ وهي التي لها سنتان فدخلت في الثالثة ـ، إلى خمسٍ وأربعين. فإذا زادت واحدة ففيها حُقَّة ـ وهي التي لها ثلاث سنوات فدخلت في الرابعة ـ، إلى ستين. فإذا زادت واحدة ففيها جذعة ـ وهي التي لها أربع سنوات ودخلت في الخامسة ـ، إلى خمس وسبعين. فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون، إلى تسعين. فإذا زادت واحدة ففيها حقتان، إلى عشرين ومائة.

فإن كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون. وذلك بعد أن يحول عليها الحول وهو عام كامل. والحقة تُجزئ عن اللبون لمن شاء أن يتطوع بينما اللبون لا تُجزئ عن الحقة، وهكذا فالأكبر يُجزئ عن الأصغر دون العكس.

نصاب الغنم والماعز:

في كل أربعين شاة، شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة فشاتان، إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت واحدة على المائتين ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلاث مائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاةٍ شاة، وذلك بعد أن يحول عليها الحول.

نصاب البقر:

في كل ثلاثين بقرة بقرة تبيع؛ عمرها سنة، وفي الأربعين بقرة مُسِنَّة؛ عمرها سنتين فما فوق لمن شاء، فإذا بلغ عددها الستين ففيها تبيعان، فإذا بلغت السبعين فيها مسنة وتبيع، وفي الثمانين فيها مسنتان، وفي التسعين فيها ثلاثة أتباع، وفي المائة فيها مسنة وتبيعان .. وهكذا في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة.

وعن عبد الله بن مسعود "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ما مِن رجلٍ له مالٌ، لا يُؤدِّي حَقَّ مالِه إلا جُعِلَ له طَوقاً في عُنُقِه؛ شُجاعٌ أقرَعُ، وهو يفرُّ منه، وهو يتبَعُهُ"، ثم قرأ مصداقَهُ مِن كتابِ الله: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}[[٦]] آل عمران:١٨٠.

[٦] صحيح سنن النسائي: ٢٢٨٩.

وعن أبي واقد الليثي "رضي الله عنه"، قال: كنا نأتي النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" إذا أُنزِلَ عليه، فيُحدِّثنا، فقال لنا ذات يومٍ: "إنَّ الله "جل جلاله" قال: إنَّا أنزلنا المالَ لإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، ولو كان لابنِ آدمَ وادٍ ـ وفي رواية: من ذَهَبٍ ـ لأحبَّ أن يكون إليه ثَانٍ، ولو كان له واديان لأحبَّ أن يكون إليهما ثالثٌ، ولا يملأ جوفَ ابنَ آدم إلا التُّرابُ، ثم يتوبُ اللهُ على من تاب"[[٧]].

[٧] أخرجه أحمد، والطبراني في الكبير، السلسلة الصحيحة: ١٦٣٩.

وفي الحديث دلالة على أن المال وسيلة لتحقيق سلامة العبادة على الوجه الأكمل، وبالتالي لا يجوز أن يُضحى بالغاية؛ وهي سلامة العبادة والدين، ويُشغل عنها من أجل الوسيلة التي هي تكثير المال .. فالمالُ نعمة ما كان وسيلة لإحياء طاعة، وما سوى ذلك فهو نقمة، وربِّ الكعبة!