English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

حقُّ المالِ

المالُ مالُ اللهِ، وهو المالِكُ الحقيقي له، والإنسانُ مُستأمَن ومُستخلَفٌ عليه، ليعملَ فيه ـ كَسباً وإنفاقاً ـ وفقَ مشيئةِ وإذنِ مَن استأمَنَهُ واستخلَفَهُ عليه، وهو يوم القيامة سيُسأل ويُحاسَب عنه؛ فيمَ اكتسبَه، وفيمَ أنفقَه، وهل أدَّى حقَّهُ المفروض عليه، أم لا ..؟

قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} آل عمران:٢٦.

وقال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} آل عمران:١٠٩.

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} الأنعام:١٦٥.

وقال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} يونس:١٤.

وقال تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} الحديد:٧.

وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}[[١]] البقرة:٣٠.

[١] المراد بالخليفة آدم عليه السلام، والصالحون من ذريته، استخلفهم الله تعالى في الأرض ليسكنوها، ويعمروها بالخير والطاعة وكل ما ينفع الإنسان، ويعيشوا فيها وفق مشيئة الله وأمره، هذا هو معنى الخليفة والاستخلاف.

فإن عُلم ذلك لا يصح أن يُقال: الخليفة الوارد في الآية يعني أن الإنسان خليفة الله تعالى في الأرض؛ بمعنى أنه نائبه ينوب عنه فيما استخلف عليه، فهذا المعنى لا يصح لغة ولا شرعاً؛ لأن الخليفة هو من يقوم مقام من كان قبله من الخلفاء، ثم طرأ على الخليفة السابق الغياب لسببٍ يمنعه من الاستمرار أو الحضور، وهذا المعنى لا يليق بجلال وأسماء وصفات الله تعالى.

ويُقال كذلك: أن النائب لكي يكون نائباً عمن قبله لا بد من أن تكون صفاته وقدراته متقاربة لمن كان قبله من الخلفاء .. وهذا المعنى مُحالٌ بأن يُنسب إلى الخالق جل جلاله، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى:١١.

وقد أورد بعض المفسرين أن المراد بالخليفة في الآية هو الإنسان الخالف لمن كان قبله في الأرض من الجن الذين أفسدوا في الأرض، والله تعالى أعلم.

وفي الحديث، عن أبي برزة الأسلمي "رضي الله عنه"، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامة حتى يُسأل عن أربعٍ ـ منها ـ: وعن مالِه من أين اكتسبَه وفِيمَ أنفَقَهُ .."[[٢]].

[٢] رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيح، صحيح الترغيب والترهيب: ٣٥٩٢.

وعن أبي سعيد الخدري "رضي الله عنه"، عن رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ الدُّنيا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وإنَّ اللهَ "جل جلاله" مُستخلفَكُم فيها؛ لينظرَ كيف تعملون، فاتَّقوا الدُّنيا، واتقوا النِّساءَ، فإنَّ أوَّلَ فتنةِ بني إسرائيل كانت في النِّساءِ"[[٣]].

[٣] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٩١١.

قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} البقرة:٤٣.

وقال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ} الحج:٤١.

وقال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} التوبة:١٠٣.

وقال تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} الذاريات:١٩.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}[[١]] المعارج:٢٤-٢٥.

[١] قوله تعالى: {حَقٌّ مَّعْلُومٌ}؛ أي نصيب أو قَدْرٌ معلوم ومحدد بحسب نوع المال، وكمِّه، وفق شرطيه: الحول، والنصاب.

وقال تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[[٢]] الأنعام:١٤١.

[٢] وقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}؛ هو كل ثمر أمكن كيله وتقديره، وكان مما يُجَفف ويُقتنى، ويُدَّخر، وبلغ النصاب ـ ونصابه خمسة أوساق، والوسق ستون صاعاً، والصاع أربعة أمداد، والمد حفنة بكفي الرجل المعتدل الكفين، لقوله "صلى الله عليه وسلم": "ليست فيما دون خمسة أوساق تمرٍ ولا حبٍّ صدقة"

فحقه إن كان ممن سقت السماء ففيه العِشر، وإن سُقي بالنضح ففيه نصف العِشر، لقوله "صلى الله عليه وسلم" في الحديث المتفق عليه: "فيما سقت السماء والأنهارُ والعيون أو كان بعلاً العُشر، وفيما سُقي بالسَّواني ـ وهو ما يخرج به الماء من باطن الأرض ـ أو النَّضح نصف العِشر".

أما إن كان الثمر مما لا يُوسَق ولا يُدَّخر كالخضار، أو كان يُوسق لكنه لم يبلغ النصاب، فحينئذٍ يكون حقه أن يُخرج صاحب الحصاد والثمر وقت حصاده للفقراء والمساكين وذوي الحاجة بالقدر الذي يوازي كم الحصاد أو الثمر الناتج ـ من غير تقطير ولا إسراف ـ وتطمئن إلى ذلك نفسه

كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ} البقرة:٢٦٧. فالنفقة تجب في كل ما تنبت وتخرج الأرض؛ منها المقدَّرة بنصاب محدد، ومنها غير محددة تُترَك إلى طيب نفس المتصدق وتقديره، وغِناه

وكذلك يُقال في قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}؛ فكل حصاد له حق يجب أن يُؤدَّى؛ منه المقدَّر والمعلوم، ويُشترط له النصاب، ومنه غير محدد ولا معلوم إنما يُترك لتقدير وطيب نفس المتصدق على أن لا يجنح إلى التقطير أو الإسراف في التقدير فيقعد ملوماً محسوراً.

عن قيس بن أبي غرزة "رضي الله عنه"، قال: مرَّ بنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فقال: "يا معشر التجار، إن البيعَ يحضره اللغو والحلف، فشوبوه بالصدقة".

قال ابن حزم في المحلى: فهذه صدقة مفروضة غير محددة، لكن ما طابت به أنفسهم، وتكون كفارة لما يشوب البيع مما لا يصح من لغو وحلف ا- هـ.

وفي الحديث، عن ابن عمر "رضي الله عنهما" قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "بُني الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا اللهُ، وأنَّ محمداً رسولُ الله، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والحجِّ، وصومِ رمضانَ" متفق عليه.

وعنه، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "بُني الإسلامُ على خمسٍ: على أن يُعبَدَ اللهُ، ويُكفَرَ بما دُونِه[[٣]]، وإقامِ الصلاة، وإِيتاءِ الزكاةِ، وحجِّ البيتِ، وصومِ رمضان" مسلم.

[٣] قوله "صلى الله عليه وسلم": "على أن يُعبَدَ اللهُ، ويُكفَرَ بما دُونِه"؛ هو تفسير للركن الأول من قوله "صلى الله عليه وسلم" في الحديث السابق أعلاه: "شهادة أن لا إله إلا الله" فالأحاديث تفسر بعضها البعض؛ فدل أن الشهادة لا يكفي التلفظ بها من دون الاتيان بمعناها ومقتضاها ولازمها وشرطها، وهو "أن يُعبَدَ اللهُ، ويُكفَرَ بما دُونِه".

وهو نفس المعنى المراد من قوله تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ} فمن حقق هذا الوصف في نفسه {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ}؛ وهي لا إله إلا الله {لَا انفِصَامَ لَهَا} البقرة:٢٥٦.

وعن ابن عباس "رضي الله عنهما"، أنَّ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" لمَّا بعثَ معاذاً على اليمن، قال: "إنَّك تقدمُ على قومٍ أهلَ كتابٍ، فليَكُنْ أوَّلُ ما تدعوهم إليه عبادةَ اللهِ فإذا عَرفُوا اللهَ، فأخبرهم أن اللهَ قد فَرضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في يومِهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرَضَ عليهم زكاةً من أموالهم وتُردُّ على فقرائِهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتَوقَّ كرائمَ أموالِ الناسِ"[[٤]].

[٤] متفق عليه والحديث فيه دليل على مراعاة الأولويات عند دعوة الناس، وبيان أن أهم العلوم وأوكدها وأشرفها الذي ينبغي أن يُبادأ به الناس علم التوحيد ـ البعيد عن بدع وتحريفات أهل الكلام وضلالاتهم ـ الذي يعرِّف العبدَ على ربه وخالقه وصفاته، وماله عليه من حق.

وقوله "وتَوقَّ كرائم أموالِ الناس"؛ أي أنفس وأعز وأفضل أموالهم؛ فاحذر أن تقترب منها بغير حق وسلطان من الله تعالى .. كما عليك أن لا تقصدها وتتخيرها من دونها من الأموال.

وفي رواية: "إنكَ تأتي قوماً أهلَ كتابٍ، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأَنِّي رسولُ الله، فإن هم أطاعوكَ لذلك فأعلمهم: أن الله افترَضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم: أن اللهَ افترَضَ عليهم صدَقةً في أموالهم؛ تؤخَذ من أغنيائهم وتُرَدُّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإيَّاكَ وكرائمَ أموالِهم، واتَّقِ دَعوةَ المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين اللهِ حِجابٌ" متفق عليه.

وعن عبد الله بن معاوية الغاضري "رضي الله عنه"، قال: قال النبي "صلى الله عليه وسلم": "ثلاثٌ من فعلَهُنَّ فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: مَن عبدَ الله وحدَه، وأنَّه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة مالِه طيبةً بها نفْسُه رافدةً عليه كلَّ عام، ولا يُعطي الهَرِمَةِ، ولا الدَّرِنَة، ولا المريضَة، ولا الشَّرَطَ اللئيمةِ، ولكن من وسط أموالكم، فإنَّ الله لم يسألكم خيرَه، ولم يأمرْكُم بشرِّه"[[٥]].

[٥] صحيح سنن أبي داود: ١٤٠٠. وقوله "الشَّرَطَ اللئيمةِ"؛ أي رُذَال المالِ، وقيل: صِغاره وشِراره. "النهاية".

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} التوبة:٣٤-٣٥.

عن ابن عمر "رضي الله عنهما" أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "أُمِرتُ أن أقاتِلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله، ويُقيموا الصلاةَ، ويُؤتُوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عصَمُوا مني دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّ الإسلام وحسابُهم على الله" متفق عليه.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: لما توفي النبيُّ "صلى الله عليه وسلم"، واستُخْلِفَ أبو بكرٍ بعده، وكفَرَ من كفرَ من العرب، قال عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" لأبي بكر "رضي الله عنه": كيف تقاتل الناس وقد قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أُمِرتُ أن أقاتِلَ الناسَ حتى يَقولُوا: لا إله إلا الله؛ فمن قال لا إله إلا الله عَصمَ مني مالَهُ ونَفْسَهُ إلا بحقِّه وحسابُه على الله"

فقال أبو بكر: والله لأقاتِلَنَّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزَّكاة، فإنَّ الزكاةَ حقُّ المالِ، والله لو منعوني عَناقاً[[١]] كانوا يؤدونها إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" لقاتلتُهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا رأيتُ أنَّ الله شرحَ صدرَ أبي بكرٍ للقتال، فعرفتُ أنَّه الحقُّ" متفق عليه.

[١] هي الأنثى من المعز.

أقول: اعتراض عمر "رضي الله عنه" بادئ ذي بدء على قرار أبي بكر "رضي الله عنه" في مقاتلة مانعي الزكاة، ومن ثم لجوء الصديق إلى قياس الزكاة على الصلاة . دل على أنهما لم يكونا يعلمان الحديث الآنف الذكر أعلاه الذي رواه ابن عمر "رضي الله عنهما" إذ لو كانا يعلمانه لما اعترض عمر، ولما احتاج أبو بكرٍ إلى القياس.

وفيه أن الصحابي الصغير قد يعلم ما لا يعلمه الكبير، وقد يستدرك على الكبير في مسألة أو بعض المسائل؛ وهذا لا يعني ولا يلزم أن يكون أعلم وأفضل من الكبير.

وعنه "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "مَن آتاه اللهُ مالاً فلم يؤدِّ زكاتَه، مثُلَ له يومَ القيامةِ شجاعاً أقرع له زبيبتان[[٢]]، يُطوِّقُه يوم القيامةِ ثم يأخذ بِلُهزُمَتيه يعني بشِدْقَيه، ثم يقول: أنا مالُك، أنا كنزُك" متفق عليه.

[٢] الشجاع: حية ذكر. أقرع، ليس على رأسه شعر لطول عمره وكثرة سمه. والزبيبتان: نُكتتان سوداوتان فوق عيني الحيَّة.

وعنه "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ما من صاحِب ذَهبٍ ولا فضَّةٍ لا يُؤدي منها حقَّها[[٣]]، إلا إذا كان يومُ القيامةِ صُفِّحَت له صفائحُ من نارٍ، فأحمي عليها في نارِ جهنم، فيُكوى بها جَنبُه وظَهرُه، كُلَّما رُدَّت أعيدَت له في يومٍ كان مِقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ، حتى يُقضَى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنَّةِ وإمَّا إلى النارِ"[[٤]].

[٣] نصاب الفضة قدره مائتي درهم من الفضة، فيها خمسة دراهم، إذا حال عليه الحول؛ وهو عام كامل. أما نصاب الذهب: عشرون ديناراً من الذهب، فيها نصف دينار، فإذا بلغت المائة ففيها دينارين ونصف الدينار، إذا حال عليه الحول. وعلى هذين النقدين تُقاس العملات الورقية النقدية المعاصرة.

[٤] رواه مسلم.

والحديث فيه دلالة على أن تارك الزكاة من غير جحود لوجوبها ليس كافراً، إذ الكافر الذي يموت على الكفر والشرك ليس له يوم القيامة سوى الخلود في النار، وكون تارك الزكاة يُترك ـ بعد عذاب يقدره الله تعالى ـ إلى المشيئة: فـ "إما إلى الجنَّةِ وإمَّا إلى النارِ"؛ دل أنه يموت مسلماً عاصياً.

وعن أبي ذرٍّ "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "ما من رجلٍ يكونُ له إبلٌ أو بقرٌ أو غنَمٌ لا يُؤدي حقَّها[[٥]]؛ إلا أُتِيَ بها يومَ القيامةِ أعظمَ ما يكونُ وأسمنَه، تطوؤه بأخفافِها، وتنطحُه بقرونِها، كلما جازَت أُخراها رُدَّت عليه أُولاها، حتى يُقضى بين الناسِ" متفق عليه.

[٥] نصاب المواشي كالتالي:

الإبل: في كل خمسٍ من الإبل تُخرج شاة، وفي عشرٍ شاتان، وفي خمس عشرَة ثلاث شياه، وفي عشرين أربعُ شياه، وفي خمسٍ وعشرين ابنة مخاض ـ وهي التي لها سنة فدخلت في الثانية ـ، إلى خمس وثلاثين.

فإن زادت واحدة ففيها ابنة لبون ـ وهي التي لها سنتان فدخلت في الثالثة ـ، إلى خمسٍ وأربعين. فإذا زادت واحدة ففيها حُقَّة ـ وهي التي لها ثلاث سنوات فدخلت في الرابعة ـ، إلى ستين. فإذا زادت واحدة ففيها جذعة ـ وهي التي لها أربع سنوات ودخلت في الخامسة ـ، إلى خمس وسبعين. فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون، إلى تسعين. فإذا زادت واحدة ففيها حقتان، إلى عشرين ومائة.

فإن كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون. وذلك بعد أن يحول عليها الحول وهو عام كامل. والحقة تُجزئ عن اللبون لمن شاء أن يتطوع بينما اللبون لا تُجزئ عن الحقة، وهكذا فالأكبر يُجزئ عن الأصغر دون العكس.

نصاب الغنم والماعز:

في كل أربعين شاة، شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة فشاتان، إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت واحدة على المائتين ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلاث مائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاةٍ شاة، وذلك بعد أن يحول عليها الحول.

نصاب البقر:

في كل ثلاثين بقرة بقرة تبيع؛ عمرها سنة، وفي الأربعين بقرة مُسِنَّة؛ عمرها سنتين فما فوق لمن شاء، فإذا بلغ عددها الستين ففيها تبيعان، فإذا بلغت السبعين فيها مسنة وتبيع، وفي الثمانين فيها مسنتان، وفي التسعين فيها ثلاثة أتباع، وفي المائة فيها مسنة وتبيعان .. وهكذا في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة.

وعن عبد الله بن مسعود "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ما مِن رجلٍ له مالٌ، لا يُؤدِّي حَقَّ مالِه إلا جُعِلَ له طَوقاً في عُنُقِه؛ شُجاعٌ أقرَعُ، وهو يفرُّ منه، وهو يتبَعُهُ"، ثم قرأ مصداقَهُ مِن كتابِ الله: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}[[٦]] آل عمران:١٨٠.

[٦] صحيح سنن النسائي: ٢٢٨٩.

وعن أبي واقد الليثي "رضي الله عنه"، قال: كنا نأتي النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" إذا أُنزِلَ عليه، فيُحدِّثنا، فقال لنا ذات يومٍ: "إنَّ الله "جل جلاله" قال: إنَّا أنزلنا المالَ لإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، ولو كان لابنِ آدمَ وادٍ ـ وفي رواية: من ذَهَبٍ ـ لأحبَّ أن يكون إليه ثَانٍ، ولو كان له واديان لأحبَّ أن يكون إليهما ثالثٌ، ولا يملأ جوفَ ابنَ آدم إلا التُّرابُ، ثم يتوبُ اللهُ على من تاب"[[٧]].

[٧] أخرجه أحمد، والطبراني في الكبير، السلسلة الصحيحة: ١٦٣٩.

وفي الحديث دلالة على أن المال وسيلة لتحقيق سلامة العبادة على الوجه الأكمل، وبالتالي لا يجوز أن يُضحى بالغاية؛ وهي سلامة العبادة والدين، ويُشغل عنها من أجل الوسيلة التي هي تكثير المال .. فالمالُ نعمة ما كان وسيلة لإحياء طاعة، وما سوى ذلك فهو نقمة، وربِّ الكعبة!

الحضُّ على الإنفاقِ والتَّصدُّقِ ـ منَ المالِ الذي لا يخضَعُ لِنصابِ الزَّكاةِ وأصنافِه ـ في دروبِ الخير ابتغاء مَرضاة الله[[١]].

[١] الإنسان الكريم الحريص على سلامة آخرته لا ينبغي أن يكتفي بما يجب عليه من الزكاة؛ وإنما يتنفل ويتوسع في الإنفاق والتصدق في سبل الخير ـ ابتغاء مرضاة الله، والتماس ما عنده "جل جلاله" من العوَض والأجر الجزيل ـ قدر طاقته واستطاعته.

قال تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[[٢]] آل عمران:١٣٤.

[٢] قوله تعالى: {فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ}؛ أي في اليسر والعسر، بالمتيسر والمقدور عليه.

وقال تعالى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} الضحى:١٠.

عن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "ما مِن يومٍ يُصبِحُ العبادُ فيه، إلا مَلَكَان ينزلان، فيقول أحدُهما: اللهمَّ أَعطِ مُنْفِقاً خلَفاً، ويقول الآخر: اللهمَّ أعطِ مُمسِكاً تَلَفاً" متفق عليه.

وعنه "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "قالَ اللهُ تعالى: أنفِقْ يا ابنَ آدمَ أُنفِق عليك" متفق عليه.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لو كان لي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَباً لَسَرَّني أن لا تمُرَّ عليَّ ثلاثُ ليالٍ وعندي منه شيءٌ؛ إلا شيئاً أرصُدُه لِدَيْنٍ"[[٣]] متفق عليه.

[٣] قوله: "مِثْلُ أُحُدٍ"؛ أي مثل جبلِ أحد.

وعن أبي ذرٍّ "رضي الله عنه"، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "ما أُحِبُّ أنَّ لي أُحُداً ذاكَ عندي ذهَبٌ، تمسي ثالثةً عندي منه دينارٌ، إلا ديناراً أرصُدُه لِدَيْنٍ، إلا أن أقولَ به في عبادِ الله هكذا ـ حثا بين يدَيه ـ وهكذا عن يمينه، وهكذا عن شمالِه، وهكذا خلفه" متفق عليه.

وعن عبيدِ الله بن عباس "رضي الله عنهما"، قال: قال لي أبو ذَرٍّ: يا ابنَ أخي كنتُ معَ رسولِ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" آخِذاً بيدِه، فقال: "يا أبا ذَرٍّ! ما أُحِبُّ أنَّ لي أحُدَاً ذهباً وفضَّةً أُنفقه في سبيل الله؛ أموتُ يومَ أموتُ فأدعُ منه قِيراطاً"، قلت: يا رسولَ الله قِنطاراً؟ قال: "يا أبا ذرٍّ! أذهبُ إلى الأقلِّ وتذهبُ إلى الأكثَرِ؟! أريدُ الآخِرةِ وتُريدُ الدُّنيا؟! قيراطاً"، أعادَها عليَّ ثلاثَ مراتٍ[[٤]].

[٤] أخرجه البزار في مسنده، السلسلة الصحيحة: ٣٤٩١. والقيراط: نصف درهم من الفضة.

وعن أسماء بنت أبي بكر "رضي الله عنهما"، قالت: قالَ رسولُ اللهِ "صلى الله عليه وسلم": "أنفِقِي ولا تُحصي فيُحصِيَ اللهُ عليكِ، ولا تُوعِي[[٥]] فيوعِيَ اللهُ عليكِ، أرضِخِي[[٦]] ما استَطَعْتِ" متفق عليه.

[٥] أي لا تجعلي مالكِ في وعاء فتحجبيه عن الإنفاق في سبل الخير ابتغاء مرضاة الله، فإن فعلتِ يحجبُ الله عنكِ المالَ ويمنعه، فالعقوبة من جنس العمل.

[٦] أي أعطي وتصدقي ولو بالشيء اليسير ما استطعتِ.

وعن أبي أمامة "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "يا ابنَ آدمَ إن تَبذُلِ الفضلَ خيرٌ لك، وإن تُمْسِكْهُ شَرٌّ لك، ولا تُلامُ على كفَافٍ[[٧]]، وابدأ بمن تَعُول" مسلم.

[٧] أي لا تلام ولا تُحاسَب على إمساك وادخار ما يكفيك ومن تُعيلهم وتنفق عليهم .. لكن الحرج لو توسعت في الإدخار والكنز أكثر من ذلك.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله أيُّ الصَّدَقةِ أعظم أجراً؟ قال: "أن تَصدَّقَ وأنت صَحيحٌ شَحيحٌ؛ تخشى الفَقْرَ، وتأمَلُ الغِنى، ولا تُمهِل حتى إذا بلَغت الحلقومَ[[٨]]، قلت: لفلانٍ كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان" متفق عليه.

[٨] أي بلغت الروح الحلقوم؛ وذلك عند الغرغرة، والاحتضار .. فحينئذٍ يقل الانتفاع مما يوصي به، وربما ينتفي؛ بحسب درجة الاحتضار والغرغرة والمعاينة.

وعن بسر بن جحاش القرشي "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "يقولُ الله: يا ابنَ آدمَ أَنَّى تُعجِزُني وقد خَلقتُك من مثلِ هذه، حتى إذا سويتُكَ وعدَّلتُكَ مشيتَ بين بُردتين، وللأرضِ منكَ وئيدٌ ـ يعني شكوى ـ فجمعتَ ومَنعتَ، حتى إذا بَلغَتِ التراقي، قلت: أتصدَّقُ، وأنَّى أوانُ الصَّدَقَةِ"[[٩]].

[٩] أخرجه ابن ماجه، والحاكم، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ١١٤٣. وقوله: "أَنَّى تُعجِزُني"؛ أي أنَّى لك أن تفوتني أو تفلت مني ومن مساءلتي ومحاسبتي لك. وقوله: "وقد خَلقتُك من مثلِ هذه"؛ أي من ماءٍ مهين؛ وهو النطفة. وقوله: "فجمعت ومنعت"؛ أي جمعت المال ثم منعته عن مستحقيه، وعن أن يُنفق في سبل ودروب الخير. وقوله: "وأنَّى أوانُ الصَّدَقةِ"؛ أي قد فات أوان ووقت الصدقة التي تنتفع بها.

وعن أنس بن مالك "رضي الله عنه"، قال: كان أبو طلحةَ أكثرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالاً من نخْلٍ، وكان أحبُّ أموالِه إليه بيرُحَاءَ، وكانت مستقبلَةَ المسجدِ، وكان رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" يَدخلُها ويَشربُ من ماءٍ فيها طيب.

قال أنس: فلما أُنزلت هذه الآية: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}

قامَ أبو طلحة إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" فقال: يا رسولَ الله! إن اللهَ تباركَ وتعالى يقول {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}؛ وإنَّ أحبَّ أموالي إلي بيرُحاءَ، وإنها صدقةٌ لله؛ أرجو بِرَّها وذُخرَهَا عند الله، فضَعها يا رسولَ الله حيثُ أراكَ اللهُ.

قال: فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "بَخٍ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ! وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلَها في الأقربين"، فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسولَ الله؛ فقسَّمها أبو طلحةَ في أقاربِه وبني عَمِّه. متفق عليه.

وعن عائشة "رضي الله عنها": أنهم ذبحوا شاةً، فقالَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم": "ما بقي منها؟"، قالت: ما بقي منها إلا كَتِفُها. قال: "بقي كلُّها غير كتِفِها"[[١٠]].

[١٠] أخرجه الترمذي وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٢٥٤٤. معنى الحديث: أن الذي أُنفِق وتُصدِّق به هو الباقي أجره وثوابه عند الله تعالى، وأما الباقي منها وهو كتفها فهو ذاهب كما يذهب غيره من الطعام عبر السبيلين.

وعن جابر "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "اتقوا الظُّلمَ؛ فإنَّ الظلمَ ظُلماتٌ يومَ القيامة، واتَّقُوا الشُّحَّ؛ فإن الشُّحَّ أهلكَ مَن كان قبلَكُم؛ حملهم على أن سفَكُوا دماءَهم، واستحلُّوا محارِمَهم" مسلم.

وعن أبي ذَرٍّ "رضي الله عنه"، قال: انتهيتُ إلى النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" وهو جالسٌ في ظلِّ الكعبةِ، فلمَّا رآني قال: "هم الأخسرون وربِّ الكعبةِ". فقلت: فداك أبي وأمي، من هم؟ قال: "هم الأكثرون مالاً؛ إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا، من بين يديه ومن خَلفِه وعن يمينه وعن شمالِه، وقليلٌ ما هم" متفق عليه.

وعن عُقبة بن عامر "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ الصدقةَ لتُطفئ عن أهلها حرَّ القبورِ، وإنما يَستظلُّ المؤمنُ يومَ القيامة في ظلِّ صدَقتِه"[[١١]].

[١١] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: ٣٤٨٤. قلت: وعلى قدر الصدقة وكبرها وأثرها النافع يكون سعة الظل يوم القيامة، فمن أراد أن يتوسع عليه الظل يوم القيامة، فليتوسع في صدقته في الدنيا.

وعن أبي سعيد الخدري "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "صَدَقةُ السرِّ تُطفِئُ غَضَبَ الربِّ"[[١٢]].

[١٢] أخرجه الطبراني وغيره، السلسلة الصحيحة: ١٩٠٨. قلت: من فقه الحديث أن يتبع المسلم العاصي معصيته بالصدقة؛ فالصدقة تُطفئ غضب الرب "جل جلاله"، وتُزيل وتُضعِف من آثار المعصية على النفس، وبخاصة منها صدقة السر؛ لأنها أدعى للإخلاص .. فأحبُّ الأعمال إلى الله تعالى أصوبها وأخلصها.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "سبعةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ يومَ القِيامَةِ في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلاَّ ظِلُّه ـ منهم ـ: ورجلٌ تَصدَّقَ بِصَدَقةٍ فأخْفَاها حتى لا تَعلَمَ شِمالُهُ ما صَنَعت يمينُه"[[١٣]] متفق عليه.

[١٣] قوله "في ظلِّه"؛ أي في ظلِّ عرشه "جل جلاله"؛ يوضح ذلك الروايات الأخرى الدالة على أن المراد من الظل ظل العرش، كما في الحديث: "المتحابون في الله يُظلهم الله في ظلِّ العرش يومَ لا ظلَّ إلا ظِلُّه" [صحيح الترغيب:٣٠١٩].

وعن معاذ بن جبل "رضي الله عنه" قال: "كنتُ مع النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" في سفَرٍ، فقال "صلى الله عليه وسلم": "ألا أدلُّكَ على أبوابِ الخيرِ؟"، قلتُ: بلى يا رسولَ الله، قال: "الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما تُطفئُ الماءُ النارَ"[[١٤]].

[١٤] رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيح، صحيح الترغيب: ٨٦٨. وقوله "الصَّومُ جُنَّةٌ"؛ أي وقاء يقي المؤمن من أذى الشهوة ومن أن يُلبي نداءها بالحرام، كذلك فهو يقيه من النار، ومن عذاب جهنم يوم القيامة .. فالصوم وقاء من المعنيين الآنفي الذكر معاً.

وعن عَدِيِّ بنِ حاتِم "رضي الله عنه" قال: سمعتُ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" يقول: "مَن استطاعَ منكُم أن يستَتِرَ من النَّارِ ولو بِشِقِّ تمرةٍ، فليفْعَل" مسلم.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، أنَّ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" دخلَ على بلالٍ، وعنده صُبرةٌ من تمرٍ، فقال: "ما هذا يا بلالُ؟"، قال: شيءٌ ادَّخَرته لِغَدٍ. فقال: "أمَا تخشى أن ترى له غداً بخاراً في نارِ جهنَّم يومَ القيامة؛ أنفِق بلالُ، ولا تخشى من ذِي العرشِ إقلالاً"[[١٥]].

[١٥] مشكاة المصابيح: ١٨٨٥. قال الألباني: حديث صحيح لطرقه.

وعنه "رضي الله عنه"، قال: أُتيَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" بجنازةِ رجلٍ من الأنصار، فصلى عليه، ثمَّ قال: "ما ترَكَ ؟" قالوا: تركَ دينارين أو ثلاثة، قال: "تركَ كَيَّتَيْنِ، أو ثلاثَ كيَّات"[[١٦]].

[١٦] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٣٤٨٣. وقوله "ترك كيتين"؛ أي كيتين من نار!

وعن ابن عمر "رضي الله عنهما"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إنَّ لله أقواماً يختصُّهم بالنِّعَمِ لمنافِعِ العبادِ، ويُقِرُّهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعَها منهم، فحوَّلها إلى غيرِهم"[[١٧]].

[١٧] أخرجه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، السلسلة الصحيحة: ١٦٩٢.

وعن عبد الله بن عمرو "رضي الله عنهما"، كتبَ إلى عاملٍ له على أرضٍ له، أن لا تمنعَ فضلَ مائِكَ فإنِّي سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "مَن منعَ فضلَ مائِه أو فضلَ كَلَئِه منعه اللهُ فضلَهُ يومَ القيامَةِ"[[١٨]].

[١٨] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ١٤٢٢. والكلأ: النبات والعُشب، وسواء رَطْبُه ويابِسُه "النهاية"، والحديث فيه: أن العقوبة من جنس العمل.

وعن ابن عباس "رضي الله عنهما"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "المسلمون شُركاءَ في ثلاثٍ: في الماء، والكَلأ، والنار"[[١٩]].

[١٩] صحيح سنن ابن ماجه: ٢٠٠٤.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "ثلاثٌ لا يُمْنَعْنَ: الماءُ، والكلأُ، والنَّارُ"[[٢٠]].

[٢٠] صحيح سنن ابن ماجه: ٢٠٠٥.

وعن سعيد بن جبير، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا تَصَدَّقُوا إلا على أهلِ دينِكُم"، فأنزَلَ اللهُ تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} إلى قوله: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ}[[٢١]]، قال: قال رسولُ الله: "تصَدَّقوا على أهلِ الأديانِ"[[٢٢]].

[٢١] الآية كاملة: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} البقرة:٢٧٢.

[٢٢] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف، السلسلة الصحيحة: ٢٧٦٦. قلت: مما يُستفاد من الحديث جواز إغاثة المسلمين لغيرهم ـ على اختلاف أديانهم وانتماءاتهم ـ من المنكوبين وذوي الحاجة، والإحسان والتصدق عليهم .. ومن يفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى فله أجر.

وعن سعد بن أبي وقاص "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إن اللهَ كريمٌ يحبُّ الكرماء، جوادٌ يحب الجوَدَة، يحبُّ معالي الأخلاقِ، ويَكره سَفْسَافَها"[[٢٣]].

[٢٣] صحيح الجامع الصغير: ١٨٠٠.

وعن أبي أمامَة "رضي الله عنه"، عن رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "دخَلَ رجلٌ الجنَّة فرأى على بابها مكتوباً: الصَّدَقةُ بِعَشْرِ أمثالها، والقَرْضُ بثمانية عَشَر"[[٢٤]].

[٢٤] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في الشُّعَب، السلسلة الصحيحة: ٣٤٠٧. وصاحب القرض له ثمانية عشر ضعف من الأجر هذا إن أحسن معاملة المقترِض، وصبر عليه، وأقالَ عثرته، وأمدَّ له من أجَل السَّداد ما استطاع إن دعا الأمر ذلك .. ثم هو لم يتبع معروفه هذا بالمن والأذى، فهذا الذي يعلو أجره أجر الصدقة، ويُضاعَف له بالأجر ثمانية عشر ضعف .. فهنيئاً لمن فعل.

مِن شروطِ صحَّةِ الصَّدقَةِ وقبولِها أن تكونَ مِن كَسْبٍ طيِّبٍ حلالٍ؛ فالله تعالى طيِّبٌ لا يَقبلُ إلا طيِّباً[[١]].

[١] إذ جرت العادة عند كثير من الناس أن ينفقوا ويتصدقوا من فائض مالهم الحرام؛ الناتج عن معاملات وتعاملات محرمة .. ولهؤلاء نقول: لا يقبلُ الله من الصدقات إلا ما كان طيباً حلالاً، فدرهم حلال يُتصدق به أبرك لصاحبه، وأحب إلى الله تعالى من ملايين الدنانير من الحرام أو أن تكون ملوثة بالحرام.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}[[٢]] البقرة:٢٦٧.

[٢] قال ابن كثير رحمه الله في التفسير: قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولهذا قال: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ}؛ أي تقصدوا الخبيث {مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ}؛ أي لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون، وقيل معناه: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ}؛ أي لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام فتجعلوا نفقتكم منه.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ}؛ يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم، لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، قال فذلك قوله: {إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ}؛ فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟ ا- هـ.

وقال عبد الرحمن السعدي رحمه الله في التفسير: يحث الباري عباده على الإنفاق مما كسبوا في التجارات ومما أخرج لهم من الأرض من الحبوب والثمار، وهذا يشمل زكاة النقدين والعروض كلها المعدة للبيع والشراء والخارج من الأرض من الحبوب والثمار، ويدخل في عمومها الفرض والنفل

وأمر تعالى أن يقصدوا الطيب منها، ولا يقصدوا الخبيث؛ وهو الرديء الدون يجعلونه لله، ولو بذله لهم من لهم حق عليه لم يرتضوه ولم يقبلوه إلا على وجه المغاضاة والإغماض، فالواجب إخراج الوسط من هذه الأشياء، والكمال إخراج العالي، والممنوع إخراج الرديء؛ فإن هذا لا يجزئ عن الواجب، ولا يحصل فيه الثواب التام في المندوب ا- هـ.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أيُّها الناسُ إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يَقبلُ إلا طيِّباً، وإن الله أمرَ المؤمنين بما أمَرَ به المُرسَلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} المؤمنون:٥١، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} البقرة:١٧٢. ثمَّ ذَكَرَ الرجلَ يُطيلُ السَّفَرَ أشعَثَ أغبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السماءِ: يا رَبِّ، يا رَبِّ! ومَطعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حرامٌ، ومَلبَسُهُ حرامٌ، وغُذِّيَ بالحَرامِ؛ فأنَّى يُستجَابُ لذلِك" رواه مسلم.

وعنه "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "مَن جمَعَ مالاً حراماً ثمَّ تصدَّق به، لم يكن له فيه أجرٌ، وكان إصْرُه عليه"[[٣]].

[٣] رواه ابن خزيمة، وابن حبان، صحيح الترغيب والترهيب: ٨٨٠. وقوله "وكان إصره"؛ أي وكان ذنبه وإثمه عليه.

وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من كسَبَ مالاً من حرامٍ فأعتقَ منه، ووصلَ رحمَهُ؛ كان ذلك إصراً عليه"[[٤]].

[٤] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: ١٧٢٠.

وعن القاسم بن مخيمرة "رحمه الله" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من اكتسَبَ مالاً من مأثَمٍ، فوصَلَ به رَحِمَهُ، أو تَصدَّقَ به، أو أنفقَهُ في سبيلِ الله؛ جُمِعَ ذلك كلُّهُ جميعاً فقُذِفَ به في جهنَّمَ"[[٥]].

[٥] رواه أبو داود، صحيح الترغيب: ١٧٢١. قلت: أحاديث الباب أعلاه فيها رد صريح على من تُطاوعه نفسه الأمارة بالسوء على الغدر والخيانة والسرقة في ديار العهد والأمان، بحجة أن ما يحتطبه من حرام سيصرف جزءاً منه للجهاد وفي مصاريف الجهاد ..!!

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "مَن تَصدَّقَ بِعَدْلِ تمرةٍ من كَسْبٍ طيِّبٍ، ولا يَقبلُ اللهُ إلا الطيِّبَ، فإنَّ الله يتقَبَّلُها بيمينه، ثم يُرَبِّيهَا لصاحبِها كما يُربي أحَدُكُم فَلُوَّهُ، حتى تكونَ مِثلَ الجَبَلِ"[[٦]] متفق عليه.

[٦] الفَلُو: هو المهر الصغير؛ أول ما يولد.

وعن عوف بن مالك "رضي الله عنه"، قال: خَرَج رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" وبيدِه عَصَا، وقد علَّقَ رجلٌ قِنْوَ حَشَفٍ، فجعلَ يطعنُ في ذلك القِنْوَ، فقال: "لو شاءَ رَبُّ هذه الصدقةِ تصدَّقَ بأطيبَ من هذا، إنَّ ربَّ هذه الصدقة يأكل حَشَفَاً يومَ القيامة"[[٧]].

[٧] رواه النسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم، صحيح الترغيب: ٨٧٩. القنو: "العِذق بما فيه من الرطب، وجمعه أقناء". والحشف: "أردأ التمر؛ وهو الذي يجفُّ من غيرِ نضجٍ ولا إدراك". ورب الصدقة: صاحبها الذي تصدَّق بها. قلت: هذا الوعيد الشديد الوارد في الحديث هو لمن يتصدق بتمرٍ رديء، فما يكون القول: فيمن يتصدق بالحرام، وبمالٍ من كسبٍ حرام ...؟!

من حق المال على صاحبه أن يكون من كسب حلال مشروع، وأن يبتعد صاحبه عن مصادر الكسب الحرام، ومظانها، وما يؤدي إليها.

قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} الطلاق:٢-٣.

قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة:٢٧٥.

قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} البقرة:٢٧٦.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} المائدة:٩٠[[١]].

[١] الأنصاب: هي الأصنام والحجارة كانوا يذبحون مواشيهم وقرابينهم عندها. والأزلام: هي الأقداح؛ وهي عبارة عن ثلاثة أقداح: مكتوب في إحداها افعل، وفي الثاني لا تفعل، وفي الثالث غفل أو فارغ ليس عليه شيء. فيأتي الرجل فيستقسم فإن خرج له افعل فعلَ، وإن خرج له النهي انتهى، وإن خرج له الفارغ أو ليس عليه شيء، أعاد المحاولة .. فهذا من الشر والرجس والطيرة يجب اجتنابه.

ومن صور الاستقسام بالأزلام الرائجة بين الناس: أن من الناس من تراه إذا أراد أن يفعل شيئاً عدَّ على أصابع كفيه: يفعل أو لا يفعل؛ وتراه يلتزم بما ينتهي عليه العد عند آخر اصبع؛ فإن كان افعل فعل، وإن جاء بالنهي انتهى، ونحو ذلك استخدام أوراق الزهور والورود؛ فترى المستقسم يلتزم بما ينتهي عليه العد عند آخر ورقة من أوراق الزهرة أو الوردة .. فهذا كله من الاستقسام بالأزلام الذي نهى الله تعالى عنه.

عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات[[٢]] كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه" متفق عليه.

[٢] المشبهات والشبهات، بمعنى واحد: وهي التي لا يُعلَم حِلها ولا حرمتها بنص صريح محكم؛ قد تحتمل الحل من وجه، والحرمة من وجه آخر، تتباين فيها آراء وأفهام الفقهاء؛ فمنهم المحل لها ومنهم المحرم أو الكاره .. والتقوى وكذا الورع يستدعي في مثل هذه الحالة الابتعاد عن الشبهات خشية الوقوع في المحظور والحمى من حيث يدري المرء أو لا يدري.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "يأتي على الناس زمان ما يبالي الرجل من أين أصاب المال؛ من حلال أو حرام" رواه البخاري.

وقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "درهم ربا يأكله الرجل ـ وهو يعلم ـ أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية"[[٣]].

[٣] رواه الطبراني وغيره، السلسلة الصحيحة: ١٠٣٣.

وعن عبد الله بن سلام، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إن أبواب الربا اثنان وسبعون حوباً[[٤]]، أدناه كالذي يأتي أمه في الإسلام"[[٥]].

[٤] أي ضرباً من الإثم.

[٥] رواه الطبراني، صحيح الجامع: ١٥٣.

وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار"[[٦]].

[٦] أخرجه ابن حبان، والطبراني، وأبو نعيم، السلسلة الصحيحة: ١٠٥٨. وقوله " والمكرُ والخِداع في النَّار"؛ ذلك عندما يوضعان في غير موضعهما المباح، ويُستخدمان في المعصية وموارد الغش والغدر؛ وإلا فإن الحرب خدعة، والنبي "صلى الله عليه وسلم" قد سأل ربه بأن يمكر له لا به.

وعن ابن عباس: "أنه "صلى الله عليه وسلم" نهى عن ثمن الخمر، ومهر البغي، وثمن الكلب، وقال: إذا جاءك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفيه تراباً"[[٧]].

[٧] أخرجه أبو داود، والبيهقي، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ١٣٠٣. ومهر البغي: هو الكسب الذي تتحصل عليه الزانية بزناها.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "ثلاثة كلهن سحت: كسب الحجام، ومهر البغي، وثمن الكلب؛ إلا الكلب الضاري"[[٨]].

[٨] أخرجه الدارقطني، السلسلة الصحيحة: ٢٩٩٠. والكلب الضاري: هو كلب الصيد، فهذا له ثمن؛ وهو مستثنى من النهي عن ثمن الكلب.

وعن أبي هريرة، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه"[[٩]].

[٩] صحيح سنن أبي داود: ٢٩٧٦.

وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "نهى عن كسب الزمار"[[١٠]].

[١٠] أخرجه أبو بكر الخلال في "الأمر بالمعروف"، السلسلة الصحيحة: ٣٢٧٥. قلت: ونحوه الذي يكتسب ويقتات من وراء آلات العزف الأخرى، فكلها لها حكم الزمر، والزمار. ومن العادات السائدة الخاطئة في بعض أمصار المسلمين، أن الناس إذا أرادوا أن يحتفلوا بمناسبة من المناسبات أتوا بزمار ليزمر ويطبل لهم، والناس ترمي له الفلوس مقابل أن يهتف بأسمائهم أمام الجميع ..!

وعن أبي أمامة، عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، وفي مثل هذا أنزلت هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} لقمان:٦[[١١]].

[١١] أخرجه الترمذي، وابن جرير الطبري في التفسير، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٢٩٢٢.

القينات: هن المغنيات، اللاتي يحترفن الغناء، والمسميات في زماننا بالمطربات. وقوله "لا تعلمونهن"؛ أي لا تعلمونهن ما داموا على هذا الوصف؛ حتى لا يتقوين بما يتعلمنه على باطلهن وفسادهن وفجورهن، أما تعليمهن ما يحملهن على التوبة والإنابة إلى الحق فلا حرج فيه إن شاء الله. والحديث قد بين بوضوح منزلة المغنية المتدنية إلى حد جعلها ـ إن كانت من الإماء ـ وكسبها حرام .

ومع ذلك فمكانتها في الأمة ـ في هذا الزمان ـ تعلوا مكانة العلماء العاملين، ويمنحن من التكريم والعطاء، والتعظيم مالا يمنح غيرهن من العلماء والمبدعين .. ويعطين المساحة الواسعة والرئيسية من وسائل الإعلام مالا يعطى لغيرهن .. ولما لا؛ وهن مادة الإغواء، والإفساد، والتخدير، والفتنة، والصد عن دين الله عند الظالمين.

وعن أنس بن مالك، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "ليكونن في هذه الأمة خسف، وقذف، ومسخ، وذلك إذا شربوا الخمور، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف"[[١٢]].

[١٢] أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، السلسلة الصحيحة: ٢٢٠٣.

وعن أبي مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "يشرب ناس من أمتي الخمر؛ يضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل الله منهم القردة والخنازير"[[١٣]].

[١٣] رواه ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب والترهيب: ٢٣٧٨.

وعن عمران بن حصين، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف"، قال رجل من المسلمين: يا رسول الله متى ذلك؟ قال: "إذا ظهرت القيان والمعازف، وشربت الخمور"[[١٤]].

[١٤] رواه الترمذي، صحيح الترغيب والترهيب: ٢٣٧٩. وقوله "ظهرت القيان"؛ أي فشت وكثرت، وعلا شأنها .. كما في زماننا .. فأصبحن ـ وللأسف ـ المثل الأعلى لكثير من الفتيات المسلمات .. وهن تكايا الطواغيت الظالمين في إفساد الشعوب، وإلهائها عن الجد، وتخديرها!

وعن رافع بن خديج، قال: سئل رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "أي الكسب أطيب؟ قال: "أطيب الكسب عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور"[[١٥]].

[١٥] أخرجه أحمد، والطبراني في الأوسط، والحاكم، السلسلة الصحيحة: ٦٠٧. والبيع المبرور: هو البيع الذي لا يخالطه الغش ولا الحرام.

وعن أبي هريرة، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "أربعة يبغهم الله "سبحانه وتعالى" ـ منهم ـ: البياع الحلاف estuvieron"[[١٦]].

[١٦] أخرجه النسائي وغيره، السلسلة الصحيحة: ٣٦٣. والبياع الحلاف: هو الذي يستعين على بيع سلعه بكثرة الحلف والأيمان.

وعن عبد الرحمن بن شبل، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إن التجار هم الفجار"، قيل: يا رسول الله أوليس قد أحل الله البيع؟ قال: "بلى؛ ولكنهم يحدثون فيكذبون، ويحلفون فيأثمون"[[١٧]].

[١٧] رواه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: ٣٦٦.

وعن البراء بن عازب، قال: أتانا رسول الله "صلى الله عليه وسلم" على البقيع، فقال: "يا معشر التجار"، حتى إذا اشرأبوا، قال: "إن التجار يحشرون يوم القيامة فجاراً؛ إلا من اتقى وبر وصدق"[[١٨]].

[١٨] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، السلسلة الصحيحة: ١٤٥٨.

وعن أبي سعيد، قال: مر أعرابي بشاة، فقلت: تبيعها بثلاثة دراهم؟ فقال: لا والله. ثم باعها، فذكرت ذلك لرسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: "باع آخرته بدنياه"[[١٩]].

[١٩] أخرجه ابن حبان، السلسلة الصحيحة: ٣٦٤.

وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "التاجر الأمين الصدوق المسلم: مع النبيين، والصديقين، والشهداء يوم القيامة"[[٢٠]].

[٢٠] أخرجه ابن ماجه، وابن أبي الدنيا في إصلاح المال، السلسلة الصحيحة: ٣٤٥٣.

وعن ابن عمر، قال: "نهى رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أن يبيع حاضر لباد، وكان يقول: لا تلقوا البيوع، ولا يبع بعض على بعض ..."[[٢١]].

[٢١] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ١٠٣٠. وقوله: "لا يبيع حاضر لباد"؛ لأن ابن البادية لا يعرف الأسعار جيداً، فيخشى أن يغرر به إذا ما ابتاع أو اشترى، من ابن الحاضر فيغبن. أما إن كان عالماً بالأسعار وقيمة السلع جيداً فلا حرج. ونحو ذلك أن يتلقى التجار الباعة فيشترون منهم قبل أن يدخلوا السوق، وقبل أن يتعرفوا على الأسعار .. فيقع الغش والغبن والغرر .. فهذا منهي عنه.

وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "لا صاعي تمر بصاع، ولا صاعي حنطة بصاع، ولا درهم بدرهمين"[[٢٢]] متفق عليه.

[٢٢] قوله لا صاعي تمر بصاع: أي لا صاعي تمر رديء بصاع تمر جيد، وإن كان ولا بد بع التمر الرديء ثم اشتري بثمنه تمراً جيداً.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ"[[٢٣]].

[٢٣] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: ٣٣٦٢. والاحتكار: أن يمنع التاجر عن الناس ما يحتاجونه من السلع ـ رغم توفرها في مخازنه ـ رجاء ارتفاع أسعارها بعد أن يشتد عليها الطلب!

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم": "من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا"[[٢٤]].

[٢٤] رواه ابن أبي شيبة في المصنف وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٣٢٦. ومعنى البيعتين في بيعة: أن تباع السلعة في بيعتين: نقداً بسعر، ونسيئة بعد أجل بسعر آخر أكبر؛ كأن يقال للمشتري: هذه السلعة ثمنها نقداً مائة، ونسيئة بعد زمن بمائتين، فهذا حرام وهو من ضروب الربا.

وعن عبد الله بن أنيس، أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يوماً الصدقة، فقال عمر: ألم تسمع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" حين يذكر غلول الصدقة أنه: "من غل منها ـ يعني الصدقة ـ بعيراً أو شاة أتي به يوم القيامة يحمله"؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى[[٢٥]].

[٢٥] أخرجه ابن ماجه، السلسلة الصحيحة: ٢٣٥٤. ق conco: ونحوه الذي يغل من الأموال العامة؛ سواء كان الغال حاكماً أو محكوماً.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك"[[٢٦]].

[٢٦] أخرجه الترمذي، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٤٢٣. قلت: من دلالات وفقه الحديث أن مقابلة العدوان بعدوان مماثل ليس على إطلاقه؛ إذ هناك أمور محرمة لذاتها لا يجوز أن يعامل العدو بها، حتى لو اعتدى العدو بها. فإن قيل: ما هو الضابط في معرفة الأعمال التي يجوز فيها المقابلة ومعاملة العدو بالمثل مما سواها؟ أقول: الضابط هو النص: قال الله، قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" .. ولا شيء غير النص.

وعن أبي الخير قال: سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إن صاحب المكس في النار"[[٢٧]].

[٢٧] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٣٤٠٥. المكس: الضريبة، والماكس، أو صاحب المكس: الذي يسعى على تحصيل الضرائب من الناس بغير حق!

وعن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء، حرم عليهم ثمنه"[[٢٨]].

[٢٨] صحيح سنن أبي داود: ٢٩٧٨. قلت: دل الحديث على قاعدة مضطردة، وهي: أن ما حرم أكله حرم بيعه وثمنه.

وعن أبي حميد الساعدي قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "أجملوا في طلب الدنيا؛ فإن كلاً ميسر لما خلق له"[[٢٩]].

[٢٩] أخرجه ابن ماجه، وابن أبي عاصم في السنة، السلسلة الصحيحة: ٨٩٨. وقوله "أجملوا ..."؛ أي التزموا جادة الاعتدال والتأدة في طلب الدنيا، من غير طمع، ولا هلع، ولا توسع، ولا قلق على فوات الرزق .. فكل ميسر له رزقه الذي قدر وخلق له.

وعن جابر، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت؛ لأدركه رزقه كما يدركه الموت"[[٣٠]].

[٣٠] رواه أبو نعيم في الحلية، وابن عساكر، السلسلة الصحيحة: ٩٥٢.

وعن جابر بن عبد الله، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا تستبطئوا الرزق؛ فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له، فأجملوا في الطلب؛ أخذ الحلال، وترك الحرام"[[٣١]].

[٣١] أخرجه ابن حبان في صحيحه، والحاكم، والبيهقي، السلسلة الصحيحة: ٢٦٠٧. وقوله "لا تستبطئوا الرزق"؛ أي لا يحملنكم استبطاء الرزق وتأخره على أن تطلبوه بالحرام، فما عند الله لا يطلب بمعصيته. وفي الحديث تفسير لمعنى الإجمال في الطلب، وهو: أخذ الحلال، وترك الحرام، فمن فعل ذلك فقد أجمل في الطلب.

وعن أبي موسى، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم"[[٣٢]].

[٣٢] رواه أبو محمد بن شيبان العدل في الفوائد، السلسلة الصحيحة: ١٧٠٣. قلت: ويكون ذلك، عندما يكون المال مكانه في القلب وليس في اليد، ويكون غاية يطلب لذاته، وليس وسيلة لغيره.

قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} الأعراف:٣١.

وقال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} الإسراء:٢٦-٢٧[[١]].

[١] الإسراف: التوسع في الإنفاق أكثر من الحاجة، فيؤول الزائد منه إلى التلف أو الإلقاء في سلة القمامة. والتبذير: هو إنفاق المال وهدره في المعاصي، وفيما هو حرام؛ كالخمر والدخان، ونحو ذلك. وقد سئل ابن مسعود "رضي الله عنه" عن المبذرين؟ فقال: "الذين ينفقون بغير حق".

وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} الإسراء:٢٩[[٢]].

[٢] الإنفاق المحمود هو الإنفاق الذي يميل إلى الاعتدال من غير جنوح إلى الشح والتقطير، ولا إلى الإسراف، وإنما وسط بينهما.

وعن أنس بن مالك: "نهى "صلى الله عليه وسلم" عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة"[[٣]].

[٣] أخرجه النسائي، والبيهقي، السلسلة الصحيحة: ٣٥٦٨.

عن أم سلمة، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إن الذي يشرب في إناء الفضة والذهب؛ إنما يجرجر في بطنه نار جهنم؛ إلا أن يتوب"[[٤]].

[٤] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: ٣٤١٧.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "كلوا، واشربوا، وتصدقوا، والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة"[[٥]].

[٥] رواه النسائي، وابن ماجه، صحيح الترغيب والترهيب: ٢١٤٦.

وعن عبادة بن الصامت، عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "والذي نفسي بيده ليبيتن أناس من أمتي على أشر وبطر، ولعب ولهو، فيصبحوا قردة وخنازير باستحلالهم المحارم، واتخاذهم القينات، وشربهم الخمر، وبأكلهم الربا، ولبسهم الحرير"[[٦]].

[٦] رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده، صحيح الترغيب والترهيب: ٢٣٧٧. البطر: الطغيان عند النعمة وطول الغنى، والأشر: أشد البطر "النهاية". أي أشد أنواعه.

وعن فاطمة "رضي الله عنها" قالت: إن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم؛ الذين يطلبون ألوان الطعام، وألوان الثياب، يتشدقون بالكلام"[[٧]].

[٧] أخرجه أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا في الجوع، وابن عدي في الكامل، السلسلة الصحيحة: ١٨٩١. وقوله "يتشدقون بالكلام"؛ أي يتكلفون، ويتوسعون في الحديث فيما لا ينبغي، ويلوون بأشداقهم فيما لا يعنيهم، ولا يجوز، ومن دون احتراز لما يصدر منهم!

وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام، ويشربون ألوان الشراب، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون في الكلام؛ فأولئك شرار أمتي"[[٨]].

[٨] رواه ابن أبي الدنيا، والطبراني، صحيح الترغيب والترهيب: ٢١٤٧.

وعن ابن عباس: "كان "صلى الله عليه وسلم" يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله؛ لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم الشعير"[[٩]].

[٩] أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٢١١٩.

قلت: أعلم أن هذا الحديث ليس هنا موضعه، وموضوع الباب ليس للحديث عن حياة النبي صلوات ربي وسلامه عليه .. وإنما الذي حملني على ذكره في هذا الموضع، وتحت هذا الباب، هو أن أقول للمبذرين والمسرفين ـ الذين ينسبون أنفسهم لأمة محمد "صلى الله عليه وسلم" :

ارعوا على أنفسكم .. واتقوا الله .. لا تحسبوا المجد أو الشرف يطلب بالإسراف أو التبذير .. فها هو سيد الخلق .. وأكرم الخلق .. وأشرف الخلق .. وأحب الخلق إلى الله "جل وعلا" .. يبيت الليالي طاوياً وأهله من الجوع .. لا يجدون عشاءً .. وكان أكثر خبزهم من الشعير .. وهو "صلى الله عليه وسلم" لو أراد أن تحول له الجبال ذهباً لحولت بإذن الله.

من حق المال أن يمنع عن السفهاء أن يتملكوه، ويتصرفوا به بحرية من غير مراقبة، ولا رعاية، ولا مساءلة[[١]].

[١] السفيه هو الذي لا يحسن التصرف ولا التدبير؛ فيضع المال في غير موضعه المناسب، وفي غير الأوجه المشروعة والمباحة، ويتصرف به إسرافاً وتبذيراً من غير اكتراث للعواقب!

قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} النساء:٥.

وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "ثلاثة يدعون الله "جل جلاله" فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيهاً ماله، وقال الله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ}"[[٢]].

[٢] رواه الحاكم، صحيح الجامع الصغير: ٣٠٧٥.

القتال في سبيل الله دون المال، إن أريد أخذه عنوة بغير وجه حق[[١]].

[١] من مقاصد الإسلام، ومقاصد الجهاد في الإسلام الحفاظ على سلامة المال من أن يقصد بسوء.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} الشورى:٣٩.

عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "لا تعطه مالك"، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار" رواه مسلم.

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من قتل دون ماله فهو شهيد" متفق عليه.

وعنه، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد"[[٢]].

[٢] صحيح سنن الترمذي: ١١٧٤.

قال ابن المبارك: يقاتل عن ماله ولو درهمين[[٣]].

[٣] صحيح سنن الترمذي: ٢/٦٢.

أقول: لكن قبل الشروع في القتال لا بد من حسن تقدير الموقف، وتقدير قوة صاحب المال وقوة المعتدي، وتقدير النتائج؛ فإن كانت قوة صاحب المال متقاربة لقوة المعتدي، وكان احتمال إمكانية إنقاذ المال من السلب ممكنة وواردة بنسبة لا تقل عن ٥٠ % .. فحينئذ توجد للقتال مبرراته، أياً كانت نتائجه، وعليه وعلى أمثاله تحمل النصوص الآنفة الذكر أعلاه.

أما إن كان صاحب المال يعلم أنه لا طاقة له بالمعتدين، لقوتهم، ولعددهم، ولما يحملونه معهم من سلاح وغير ذلك .. ثم هو لو بادأهم القتال لن يستنقذ ماله منهم، بل سيفقد نفسه مع ماله .. فحينئذ النقل والعقل يطالبانِه بأن يمسك عن القتال، ويدفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر؛ والضرر الأصغر يكون حينئذ في الاقتصار على خسارة المال وفقده، لدفع الضرر الأكبر الذي يكمن في فقد المال والنفس معاً!

ـ لكن القتال آخر ما يلجأ إليه كوسيلة لرد المعتدي.

عن مخارق قال: جاء رجل إلى النبي "صلى الله عليه وسلم"، فقال: الرجل يأتيني فيريد مالي[[٤]]؟ قال: "ذكره بالله"، قال: فإن لم يذكر؟ قال: "فاستعن عليه من حولك من المسلمين"، قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: "فاستعن عليه بالسلطان"، قال: فإن نأى[[٥]] السلطان عني؟ قال: "قاتل دون مالك؛ حتى تكون من شهداء الآخرة أو تمنع مالك"[[٦]].

[٤] أي يريد أن يأخذ ماله عنوة بغير وجه حق.

[٥] أي أعرض ولم يجبه إلى حاجته، والحديث فيه أن من المنكر ما يجوز تغييره باليد من دون الرجوع إلى السلطان.

[٦] صحيح سنن النسائي: ٣٨٠٣.

نسأل الله تعالى أن يحفظنا بالحلال عن الحرام، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه، إنه تعالى سميع قريب مجيب.

وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.