English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

مِن شروطِ صحَّةِ الصَّدقَةِ وقبولِها أن تكونَ مِن كَسْبٍ طيِّبٍ حلالٍ؛ فالله تعالى طيِّبٌ لا يَقبلُ إلا طيِّباً

مِن شروطِ صحَّةِ الصَّدقَةِ وقبولِها أن تكونَ مِن كَسْبٍ طيِّبٍ حلالٍ؛ فالله تعالى طيِّبٌ لا يَقبلُ إلا طيِّباً[[١]].

[١] إذ جرت العادة عند كثير من الناس أن ينفقوا ويتصدقوا من فائض مالهم الحرام؛ الناتج عن معاملات وتعاملات محرمة .. ولهؤلاء نقول: لا يقبلُ الله من الصدقات إلا ما كان طيباً حلالاً، فدرهم حلال يُتصدق به أبرك لصاحبه، وأحب إلى الله تعالى من ملايين الدنانير من الحرام أو أن تكون ملوثة بالحرام.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}[[٢]] البقرة:٢٦٧.

[٢] قال ابن كثير رحمه الله في التفسير: قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولهذا قال: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ}؛ أي تقصدوا الخبيث {مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ}؛ أي لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون، وقيل معناه: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ}؛ أي لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام فتجعلوا نفقتكم منه.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ}؛ يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم، لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، قال فذلك قوله: {إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ}؛ فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟ ا- هـ.

وقال عبد الرحمن السعدي رحمه الله في التفسير: يحث الباري عباده على الإنفاق مما كسبوا في التجارات ومما أخرج لهم من الأرض من الحبوب والثمار، وهذا يشمل زكاة النقدين والعروض كلها المعدة للبيع والشراء والخارج من الأرض من الحبوب والثمار، ويدخل في عمومها الفرض والنفل

وأمر تعالى أن يقصدوا الطيب منها، ولا يقصدوا الخبيث؛ وهو الرديء الدون يجعلونه لله، ولو بذله لهم من لهم حق عليه لم يرتضوه ولم يقبلوه إلا على وجه المغاضاة والإغماض، فالواجب إخراج الوسط من هذه الأشياء، والكمال إخراج العالي، والممنوع إخراج الرديء؛ فإن هذا لا يجزئ عن الواجب، ولا يحصل فيه الثواب التام في المندوب ا- هـ.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أيُّها الناسُ إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يَقبلُ إلا طيِّباً، وإن الله أمرَ المؤمنين بما أمَرَ به المُرسَلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} المؤمنون:٥١، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} البقرة:١٧٢. ثمَّ ذَكَرَ الرجلَ يُطيلُ السَّفَرَ أشعَثَ أغبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السماءِ: يا رَبِّ، يا رَبِّ! ومَطعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حرامٌ، ومَلبَسُهُ حرامٌ، وغُذِّيَ بالحَرامِ؛ فأنَّى يُستجَابُ لذلِك" رواه مسلم.

وعنه "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "مَن جمَعَ مالاً حراماً ثمَّ تصدَّق به، لم يكن له فيه أجرٌ، وكان إصْرُه عليه"[[٣]].

[٣] رواه ابن خزيمة، وابن حبان، صحيح الترغيب والترهيب: ٨٨٠. وقوله "وكان إصره"؛ أي وكان ذنبه وإثمه عليه.

وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من كسَبَ مالاً من حرامٍ فأعتقَ منه، ووصلَ رحمَهُ؛ كان ذلك إصراً عليه"[[٤]].

[٤] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: ١٧٢٠.

وعن القاسم بن مخيمرة "رحمه الله" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من اكتسَبَ مالاً من مأثَمٍ، فوصَلَ به رَحِمَهُ، أو تَصدَّقَ به، أو أنفقَهُ في سبيلِ الله؛ جُمِعَ ذلك كلُّهُ جميعاً فقُذِفَ به في جهنَّمَ"[[٥]].

[٥] رواه أبو داود، صحيح الترغيب: ١٧٢١. قلت: أحاديث الباب أعلاه فيها رد صريح على من تُطاوعه نفسه الأمارة بالسوء على الغدر والخيانة والسرقة في ديار العهد والأمان، بحجة أن ما يحتطبه من حرام سيصرف جزءاً منه للجهاد وفي مصاريف الجهاد ..!!

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "مَن تَصدَّقَ بِعَدْلِ تمرةٍ من كَسْبٍ طيِّبٍ، ولا يَقبلُ اللهُ إلا الطيِّبَ، فإنَّ الله يتقَبَّلُها بيمينه، ثم يُرَبِّيهَا لصاحبِها كما يُربي أحَدُكُم فَلُوَّهُ، حتى تكونَ مِثلَ الجَبَلِ"[[٦]] متفق عليه.

[٦] الفَلُو: هو المهر الصغير؛ أول ما يولد.

وعن عوف بن مالك "رضي الله عنه"، قال: خَرَج رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" وبيدِه عَصَا، وقد علَّقَ رجلٌ قِنْوَ حَشَفٍ، فجعلَ يطعنُ في ذلك القِنْوَ، فقال: "لو شاءَ رَبُّ هذه الصدقةِ تصدَّقَ بأطيبَ من هذا، إنَّ ربَّ هذه الصدقة يأكل حَشَفَاً يومَ القيامة"[[٧]].

[٧] رواه النسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم، صحيح الترغيب: ٨٧٩. القنو: "العِذق بما فيه من الرطب، وجمعه أقناء". والحشف: "أردأ التمر؛ وهو الذي يجفُّ من غيرِ نضجٍ ولا إدراك". ورب الصدقة: صاحبها الذي تصدَّق بها. قلت: هذا الوعيد الشديد الوارد في الحديث هو لمن يتصدق بتمرٍ رديء، فما يكون القول: فيمن يتصدق بالحرام، وبمالٍ من كسبٍ حرام ...؟!