English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

إمامَةُ العبدِ المملوكِ للحر في الصلاة، وشؤون الحكم، والسياسة

إمامَةُ العبدِ المملوكِ للحر في الصلاة، وشؤون الحكم، والسياسة، إن ولِّيَ أميراً من قِبَل الخليفةِ أو الحاكِمِ العام.

عن أبي سعيد مولى أبي أُسيد "رضي الله عنه"، قال: تزوجتُ وأنا مملوكٌ، فدَعوتُ نفَراً من أصحابِ النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" فيهم ابن مسعود، وأبو ذر، وحذيفة، قال: وأُقيمَت الصلاة، قال: فذهبَ أبو ذر ليتقدَّم، فقالوا: إليك[[١]]! قال: أوَكَذلك؟ قالوا: نعم، قال: فتقدَّمتُ بهم وأنا عبدٌ مملوك[[٢]].

[١] أي تأخر وارجع فالإمامة ليست لك؛ لأن من السنة أن لا يُؤم المرء في بيته وسلطانه .. هذا في الإسلام، وكان ذلك قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام .. أما عند الأمم الأخرى فالقوانين الأمريكية والغربية العنصرية كانت تقضي بأن لا يجلس الأسود أمام الأبيض، وأن لا يدخل أو يخرج من الباب الذي يدخل أو يخرج منه الأبيض؛ حتى لا يتأذى نظر الأبيض، ولما في ذلك من انتقاص من قدره .. وظلت هذه القوانين نافذة ويُعمل بها عند القوم إلى مطلع القرن العشرين!

[٢] أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف"، وصححه الشيخ ناصر في كتابه آداب الزفاف، ص٢٢.

وعن أُمِّ الحصين "رضي الله عنها"، قالت: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «إن أُمِّرَ عليكم عبدٌ مُجَدَّعٌ[[٣]] يقودُكم بكتابِ الله، فاسمعوا له وأطيعوا» مسلم.

[٣] لفظة كلمة العبد لا يُراد منها في الأحاديث النبوية من كان لونه أسوداً أو غير ذلك، وإنما يُراد منها العبد المملوك لسيده ومولاه، وقد يكون السيد أسود البشرة والعبد المملوك أبيض البشرة، فتنبه لذلك .. وقوله «مُجَدَّعٌ»؛ أي مقطوع الأطراف.

وعن أنس بن مالك "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «اسمعُوا وأَطيعُوا، وإن استُعمِلَ عليكم عبدٌ حبَشيٌّ، كأنَّ رأسَهُ زَبيبَةٌ» البخاري.

وعن العِرباض بن سارية "رضي الله عنه" قال: صلَّى بنا رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" ذاتَ يومٍ، ثم أقبلَ علينا، فوعَظنا موعِظَةً بليغةً، ذرفَت منها العيون، ووَجلَت منها القلوب، فقال قائلٌ: يا رسولَ الله كأن هذه موعِظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أُوصيكُم بتقوى الله، والسَّمْعِ والطَّاعةِ وإن عبداً حبَشيَّاً، فإنَّه مَن يَعِشْ منكم بعدي فسيَرَى اختلافاً كثيراً، فعليكُم بِسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ المهْدِيِّينَ الرَّاشدين؛ تمَسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكُم ومُحْدَثاتِ الأمورِ فإنَّ كُلَّ مُحْدَثةٍ بِدْعَةٍ، وكُلَّ بدعةٍ ضلالةٌ»[[٤]].

[٤] صحيح سنن أبي داود: ٣٨٥١. وقوله "صلى الله عليه وسلم": «وإن عبداً حبشيَّاً»؛ أي وإن ولي عليكم عبد مملوك حبشي فاسمعوا له وأطيعوا في المعروف.

أقول: هذه التوجيهات النبوية العظيمة .. وهذا التعزيز من قبل النبي "صلى الله عليه وسلم" لحقوق العبد المملوك ولمكانته .. هو الذي سمح للمماليك بأن ينطلقوا ويُمارسوا حقوقهم ودورهم السياسي على أكمل وجه .. مما مكنهم أن يقيموا فيما بعد دولة في مصر عُرفت باسمهم "دولة المماليك"، وكان لهم الفضل الكبير في نصرة الإسلام والذود عن حرماته، وحرمات المسلمين.

ومن حقوق المسلم المملوك السياسية والاجتماعية في الإسلام أنه يحق له ـ شأنه شأن المسلم الحر ـ أن يؤمِّن من شاء من الأحرار من غير المسلمين .. فأمانه وعهده لهم نافذ وملزم لسيده ولجميع المسلمين .. كما لو أمَّنهم المسلم الحر .. وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.

هذه الحقوق والقوانين والقيم جاء بها الإسلام وألزم بها أتباعه قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام .. يوم أن كان العبد المملوك ـ عند الشعوب والأمم الأخرى كلها ومن دون استثناء ـ شيئاً من أشياء ومتاع سيده ومالكه يفعل به ما يشاء من دون أن يُسأل أو يُحاسَب .. وكان الحديث عن حقوق العبيد يومئذٍ ضربٌ من ضروب الخيال والشذوذ والتمرد عن المألوف الذي تآلفت عليه جميع شعوب وأمم الأرض.

فتأمل ذلك لتعرف عظمة الإسلام، وعظمة نبي الإسلام ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ وفضله على البشرية جمعاء، صدق الله العظيم إذ قال في نبيه صلوات الله عليه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} الأنبياء:١٠٧.