English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

حقُّ الخادم

مِمَّا فطرَ اللهُ عليه الخلقَ في الحياة الدنيا أنْ جعلَ الناسَ في المعاشِ والرِّزقِ درجاتٍ ليَبْتَلِيَ بعضَهم ببعضٍ، ويَتَّخِذَ بَعضُهم بَعضَاً سُخْرِيّاً[[١]].

[١] من نعم الله تعالى على خلقه في الحياة الدنيا أنه تعالى لم يجعل الناس سواء في الرزق والمعاش، وتعاطي الأسباب، ليكمِّل الناس بعضهم بعضاً، وبذلك تعمر الحياة وتزدهر وتنهض وتمضي .. تصور لو أن الناس كلهم كانوا ملوكاً أو أطباء أو نجارين أو حدادين أو مزارعين أو فلاحين أو تجاراً، أو من ذوي المهنة الواحدة، أو الاهتمامات الواحدة، والميول الواحد .. أو المستوى الواحد في كل شيء .. كيف ستكون هذه الحياة

لا شك أن الحياة حينئذٍ ستكون مستحيلة على بني البشر، إذ أن الدنيا لا يُمكن أن تعمر بمثل هكذا نظام.

لكن هذا التفاوت بين الناس في الرزق والمعاش والاهتمامات الذي قدره الله تعالى لا يجوز أن يكون سبباً أو مدعاة لظلم القوي للضعيف، أو استعلاء الكبير على الصغير، والغني على الفقير .. كما لا يجوز أن يكون سبباً لتطاول الصغير على الكبير .. وسطو الفقير على ما في يد الغني .. فهذا مما منعته شريعة السماء التي دعت إلى عطف وإحسان الكبير على الصغير، واحترام الصغير للكبير.

فإن قيل: لماذا لم يقدر الله أن يكون الناس جميعهم سواء في الرزق والمعاش والمنصب ...؟!

أقول: أولاً هي مشيئة وإرادة الله تعالى .. والله تعالى لا يُسأل عما يفعل. وثانياً: أن الحياة الدنيا ليست دار مقام وجزاء، وإنما هي دار عمل وتمحيص وبلاء ومدافعة .. وهذا من مقتضاه إيجاد هذا النوع من التفاوت في القوى وفي الرزق وسُبل الكسب والرزق بين بني البشر .. ليبتلى الغني بالفقير، والفقير بالغني .. والقوي بالضعيف والضعيف بالقوي

هل يلتزم كل منهما نحو الآخر بما قسم الله لكل منهما من رزق ومعاش .. بما أمر الله تعالى به عن طريق أنبيائه ورسله أم لا .. هل يحقق كل منهما الطاعة والعبودية لله "سبحانه وتعالى" فيما هما فيه أم لا .. ليترتب على ذلك الجزاء يوم الخلود؛ يوم القيامة؛ ذلك اليوم الذي تذهب فيه جميع الفوارق الأرضية .. ليبقى التفاضل على أساس العمل والتقوى، وأيهم أحسن عملاً.

قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} الزخرف:٣٢[[٢]].

[٢] قال ابن كثير في التفسير: ثم قال "سبحانه وتعالى" مبيناً أنه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية. وقوله جلت عظمته: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً}؛ قيل معناه ليسخّر بعضهم بعضاً في الأعمال لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، قاله السدي وغيره ا- هـ.

قال تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} النحل:٧١.

قال تعالى: {كَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} الأنعام:٥٣[[٣]].

[٣] قال عبد الرحمن السعدي في التفسير: أي هذا من ابتلاء الله لعباده؛ حيث جعل بعضهم غنياً، وبعضهم فقيراً، وبعضهم شريفاً، وبعضهم وضيعاً. فإذا منَّ الله بالإيمان على الفقير، أو الوضيع؛ كان محل محنة للغني والشريف؛ فإن كان قصده الحق واتباعه، آمن وأسلم، ولم يمنعه من ذلك مشاركة الذي يراه دونه بالغنى أو الشرف. وإن لم يكن صادقاً في طلب الحق، كانت هذه عقبة ترده عن اتباع الحق، وقالوا ـ محتقرين لمن يرونهم دونهم ـ: {أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} ا- هـ.

قال تعالى: {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} محمد:٤.

الأمر بالتواضع والرفق والإحسان إلى الخادم أو العبد المملوك؛ فيُطْعَمُ مما يأكل سيدُه، ويلبس مما يلبِس .. ولا يُكلَّف من الأعمال ما لا يطيق.

قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} النساء:٣٦[[١]].

[١] الجار ذي القربى؛ هو الجار القريب. {وَالْجَارِ الْجُنُبِ}؛ الجار غير القريب الذي ليس بينك وبينه قرابة. وقيل: الأول هو الجار المسلم. والآخر هو الجار اليهودي أو النصراني، فهذا أيضاً مما أمر الله تعالى باحترامه والإحسان إليه، وقد تقدم الحديث عن حق الجار على جاره، فراجعه إن شئت.

عن أبي هريرة "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: «إذا أتى أحدَكُم خادِمُهُ بطعامٍ قد وَلِيَ حَرَّه ومَشَّقَتَه ومؤنَتَهُ، فلْيُجلِسْهُ معه، فإن أبى فليُناولْه أُكْلَةً بيَدِهِ»[[٢]].

[٢] أخرجه البخاري، والدارمي، وأحمد، واللفظ له، السلسلة الصحيحة: ١٢٨٥. قوله «وَلِيَ حَرَّه»؛ أي تولى إعداده وطبخه وتجهيزه.

وعنه "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: «إذا جاءَ خادمُ أحَدِكُم بطعامِه؛ قد كفاهُ حرَّهُ وعملَهُ، فإن لم يُقعِدْه معه لياكُلَ، فليُناوِلْه أُكْلَةً من طعامِه»[[٣]].

[٣] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ١٠٤٣.

وعنه "رضي الله عنه"، قال: قالَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «إذا صَنَعَ لأحدِكُم خادِمُهُ طعامَهُ ثم جاءَهُ به، وقد ولِيَ حَرَّهُ ودُخانَه، فلْيُقْعِدْهُ معهُ فليأكُلْ، فإن كانَ الطعامُ مشْفوهاً قليلاً فليَضَعْ في يَدِهِ منهُ أُكْلَةً أو أكلَتَينِ» قال داود: يعني لُقمَةً أو لُقْمتين[[٤]].

[٤] المشفوه: القليل؛ وأصله الماء الذي كثُرَت عليه الشفاه حتى قَلَّ، وقيل: أراد فإن كان مكثوراً عليه؛ أي كثُرت أكلَتُه. "النهاية". مسلم.

وعن عبد الله بن مسعود "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: «إذا جاء خادمُ أحَدِكُم بطعامِه فلْيُقْعِدْهُ معه أو ليُناولْهُ منه؛ فإنَّه هو الذي ولِيَ حرَّهُ ودُخانَهُ»[[٥]].

[٥] أخرجه ابن ماجه، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ١٠٤٢.

عن زيد بن جارية، قال: قال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" في حجَّة الوداع: «أرِقَّاءَكُم، أرِقَّاءَكُم، أرِقَّاءَكُم؛ أَطعموهم مما تأكلون، وأَكْسُهُم مما تلبِسونَ، فإن جاؤُوا بذَنبٍ لا تُريدونَ أن تَغفِرُوهُ؛ فبيعوا عبادَ الله ولا تُعَذِّبُوهُم»[[٦]].

[٦] أخرجه أحمد والطبراني، السلسلة الصحيحة: ٧٤٠.

وعن أبي ذر "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: «مَن لاءَمَكُم من خَدَمِكُم فأطعموهم مِمَّا تأكلون، وألبسوهُم مما تلْبسُونَ، ومن لا يُلائِمُكُم من خدَمِكُم فبيعوا، ولا تُعَذِّبوا خَلْقَ اللهِ "سبحانه وتعالى"»[[٧]].

[٧] أخرجه أحمد، وأبو داود، السلسلة الصحيحة: ٧٣٩.

وعن أبي ذر "رضي الله عنه"، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: «إنَّ إخوانَكُم خوَلُكُم، جعلَهُم اللهُ تحتَ أيديكُم؛ فمن كان أخوه تحت يديه فليُطْعِمهُ ممَّا يأكُلُ، وليُلبِسْهُ مما يلبَسُ، ولا تُكلِّفوهُم ما يغْلِبُهُم؛ فإنْ كلَّفتُمُوهم ما يَغلِبُهُم فأعينوهم»[[٨]].

[٨] الخول: حشَمُ الرجل وأتباعه، واحدهم خائل. ويقع على العبد والأمة، وهو مأخوذ من التخويل؛ التمليك، وقيل الرعاية "النهاية". متفق عليه.

وعن خادِمٍ للنبي "صلى الله عليه وسلم" ـ رَجُلٌ أو امرأةٌ ـ، قال: «كانَ مما يقولُ "صلى الله عليه وسلم" للخادِمِ ألكَ حاجَةٌ؟ قال: حتَّى كانَ ذاتَ يومٍ فقال: يا رسولَ اللهِ حاجتِي؟ قال: "وما حاجَتُك؟" قال: حاجتي أن تَشْفَعَ لي يومَ القيامة. قال: "ومَن دلَّكَ على هذا؟ قال: ربِّي. قال: "أمَّا لا؛ فأَعِنِّي بكثرةِ السجودِ"»[[٩]].

[٩] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٢١٠٢. وقوله «أمَّا لا؛ فأَعِنِّي بكثرةِ السجودِ»؛ أي إن كنت ترغب في أن أشفع لك يوم القيامة؛ فأعني على ذلك بكثرة السجود لله. ومثل هذا الطلب من النبي "صلى الله عليه وسلم" في حياته كان مشروعاً، أما بعد وفاته "صلى الله عليه وسلم" فلا يُشرع، ولم يثبت عن أحدٍ من الصحابة أنه كان يتوجه للنبي "صلى الله عليه وسلم" في السؤال أو الدعاء أو طلب الشفاعة ونحو ذلك.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «ما استَكْبَرَ مَنْ أكلَ معهُ خادِمُهُ، ورَكِبَ الحِمارَ بالأسواقِ، واعتَقَلَ الشَّاةَ فحَلَبَها»[[١٠]].

[١٠] أخرجه البخاري في الأدب والمفرد، والديلمي، السلسلة الصحيحة: ٢٢١٨.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: «المملوكُ أخوكَ؛ فإذا صنَعَ لكَ طعاماً فأجْلِسْهُ معَكَ، فإنْ أبَى فأَطعِمْهُ، ولا تَضرِبوا وجُوهَهُم»[[١١]].

[١١] أخرجه الطيالسي، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٢٥٢٧. هكذا هي العلاقة بين المملوك وسيده في الإسلام؛ هي علاقة أخوَّة، وعلاقة الأخ بأخيه، بعيدة كل البعد عن مظاهر الاستعلاء أو الظلم أو القهر.

وعن أبي مَحْذُورةٍ "رضي الله عنه" قال: «كنتُ جالِساً عند عمر "رضي الله عنه"، إذ جاء صفوان بنُ أُميَّةَ بِجَفْنَةٍ يحمِلُها نفرٌ في عباءَةٍ، فوضعوها بين يدَي عمر، فدعا عمرُ ناساً مساكين وأرِقَّاءَ من أرِقَّاء النَّاس حولَه، فأكلوا معه، ثمَّ قال عندَ ذلك: فعلَ اللهُ بقومٍ ـ أو قال: لحا اللهُ قوماً ـ يرغبون عن أرِقَّائِهم أن يأكلوا معهم»[[١٢]].

[١٢] صحيح الأدب المفرد: ١٤٨. "لحا قوماً .."؛ أي قبحهم وأبعدهم ولعنهم.

وعن ابن عباس "رضي الله عنهما" مرفوعاً: «كان "صلى الله عليه وسلم" يجلسُ على الأرضِ، ويَعتَقِلُ الشَّاةَ، ويُجيبُ دعوةَ المملوكِ على خُبزِ الشَّعِيرِ»[[١٣]].

[١٣] أخرجه الطبراني في الكبير، السلسلة الصحيحة: ٢١٢٥.

وعن المقدام بن معدي كرب "رضي الله عنه" مرفوعاً: «ما أَطْعَمْتَ نفسَكَ فهو لك صدقةٌ، وما أطعمتَ ولدَكَ فهو لك صدقةٌ، وما أطعمتَ زوجَكَ فهو لك صدقةٌ، وما أطعمتَ خادمَكَ فهو لك صدَقةٌ»[[١٤]].

[١٤] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٤٥٢.

وعن أنسٍ "رضي الله عنه" قال: قدِمَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" المدينَةَ ليس له خَادمٌ، فأخذَ أبو طلحَةَ بيدي، فانطلقَ بِي إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" فقال: يا رسولَ الله إنَّ أنَسَاً غلامٌ كيِّسٌ فليخْدُمكَ، قال: «فخَدَمتُه في الحَضَرِ والسَّفرِ، فواللهِ ما قال لي لشيءٍ صَنعتُهُ: لِمَ صَنعتَ هذا هكَذا؟ ولا لشيءٍ لم أصنَعْهُ: لِمَ لم تصنَعْ هذا هكذا» متفق عليه.

وعنه "رضي الله عنه"، قال: خدَمتُ رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" عَشْرَ سِنينَ، والله ما قالَ لي أُفَّاً قَطُّ، ولا قالَ لي لشيءٍ: لِمَ فَعَلتَ كذا، وهَلاَّ فَعلْتَ كذا؟ مسلم.

وعن أمِّ سلَمَةَ "رضي الله عنها"، أن رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" كانَ يقولُ في مرَضِه: «اتَّقوا الله في الصَّلاةِ، وما مَلَكت أَيْمَانُكُم» وجعلَ يُكرِّرها[[١٥]].

[١٥] أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد، وغيره، السلسلة الصحيحة: ٨٦٨. إذا كانت من آخر كلمات النبي "صلى الله عليه وسلم" التي أوصى بها أمته «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم»، أدركت كم هي المساحة الواسعة من العناية والرعاية التي خصها الإسلام للخادم المملوك .. وأدركت كذلك أن هذه الممارسات الخاطئة والظالمة التي تُمارس بحق من يُستدعون للخدمة من الأحرار في بعض البلاد العربية وغيرها .. مستغلين ضعفهم وفقرهم وحاجتهم .. لا تمت إلى الإسلام وأخلاق الإسلام بأدنى صلة .. وأن الإسلام بريء منها .. وقد توعد أصحابها بالعذاب الشديد يوم القيامة.

وعن أبي هريرةَ "رضي الله عنه"، عن رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" أنَّه قالَ: «للمملوكِ طعامُهُ وكُسْوَتُهُ، ولا يُكلَّفُ من العملِ إلا ما يُطيقُ» مسلم.

وعن جابر بن عبد الله "رضي الله عنهما" قال: كان النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" يوصي بالمملوكين خيراً، ويقول: «أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم من لبوسِكم، ولا تُعَذِّبوا خلقَ الله "سبحانه وتعالى"»[[١٦]].

[١٦] صحيح الأدب المفرد: ١٣٩.

وعن المعرورِ بنِ سُوَيْدٍ "رضي الله عنه" قال: مرَرنا بأبي ذرٍّ "رضي الله عنه" بالرَّبَذَةِ، وعليه بُردٌ وعلى غُلامِه مثلُهُ، فقلنا: يا أبَا ذَرٍّ لو جمعتَ بينهما كانت حُلَّةً، فقال: إنَّه كان بيني وبين رجلٍ من إخواني كلامٌ، وكانت أُمُّه أعجميَّةً، فعَيَّرْتُهُ بأُمِّه، فشكاني إلى النبيِّ "صلى الله عليه وسلم"

فلقيتُ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" فقال: «يا أبَا ذَرٍّ إنَّكَ امرؤٌ فيكَ جاهليَّةٌ، هم إخوانُكُم، جعلَهُمُ اللهُ تحتَ أيدِيكُم، فأطعموهُم مِمَّا تأكلُون، وألبِسُوهُم مِمَّا تلْبَسُونَ، ولا تُكَلِّفُوهم ما يَغلِبُهم، فإن كلَّفتُمُوهم فأعينُوهُم» مسلم.

عن عُبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنُ الصَّامتِ "رضي الله عنه" قال: خرجتُ أنا وأبي نَطلُبُ العلمَ في هذا الحيِّ من الأنصارِ، قبل أن يَهلِكُوا، فكان أوَّلُ مَن لَقِينا أبا اليَسَرِ؛ صاحِبَ رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، ومعَهُ غلامٌ له، معهُ ضِمامةٌ من صُحُفٍ، وعلى أبي اليَسَر بُردَةٌ ومَعَافِرِيٌّ، وعلى غُلامِه بُردَةٌ ومعافرِيٌّ

قال: فقلت له: ياعَمِّ لو أنَّكَ أخذتَ بُردَةَ غلامِكَ وأعْطَيتَهُ معَافِرِيَّكَ، وأخذتَ مَعَافِرِيَّهُ وأعطيتَهُ بُردَتَكَ، فكانت عليك حُلَّةٌ وعليه حُلَّةٌ، فمسَحَ رأسي وقال: اللهمَّ باركْ فيه، يا ابنَ أخي بَصَرُ عينَيَّ هاتَينِ، وسَمْعُ أُذُنَيَّ هاتَيْنِ، ووعَاهُ قلبي هذا ـ وأشار إلى مَناطِ قلبِه ـ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" وهو يقول: «أطعِمُوهُم مِمَّا تأكلونَ، وألبِسوهُم مِمَّا تَلْبَسُونَ»، وكان أن أعطيتُهُ من متاعِ الدنيا أهونَ عليَّ من أن يأخُذَ من حسَناتي يومَ القيامةِ. مسلم[[١٧]].

[١٧] قوله «قبل أن يهلكوا»؛ أي في الجهاد .. فكانوا رضي الله عنهم مادة الجهاد والاستشهاد. وقوله «معافِري»؛ برود يمنية منسوبة إلى قبيلة معافِر. "النهاية".

وعن جابر بن عبد الله "رضي الله عنهما" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه نَشرَ اللهُ عليه كنَفَهُ، وأدخلَهُ الجنَّة: رِفقٌ بالضعيفِ، والشَّفَقَةُ على الوالدين، والإحسانُ على المملوكِ»[[١٨]].

[١٨] أخرجه الترمذي في السنن "٢٤٩٤"، وقال: حديثٌ حسن غريب. «نشر عليه كنفه»؛ أي نشر عليه ستره وعطفه ورحمته.

الاسم الذي يُنادَى السيِّدُ به خادمَه المملوك .. والاسم الذي يُنادِي به المملوكُ سيدَه.

عن أبي هريرة "رضي الله عنه"، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: «لا يَقولَنَّ أحدُكُم: عَبدِي؛ فكلُّكُم عبيدُ اللهِ، ولكن ليقُلْ: فتاي، ولا يَقل العبدُ: ربِّي، ولكن ليقُلْ: سيدي» مسلم.

وعنه "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: «لا يقولَنَّ أحدُكُم: عبدي وأمَتي، ولا يقولَنَّ المملوكُ: ربِّي وربَّتي، وليقُل: فتاي، وفتاتي، وسيدي وسيدتي؛ كلُّكُم مملوكٌ، والربُّ اللهُ "جل جلاله"» متفق عليه.

وعنه "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" أنه قال: «لا يَقُلْ أحدُكُم: أطعِمْ ربَّكَ، وضِّئْ ربَّكَ، اسقِ ربَّكَ، وليقُل سيدي مولاي، ولا يقُلْ أحَدُكُم: عبدي أمَتي، وليَقُل: فتَايَ وفتاتي، وغُلامي»[[١٩]] متفق عليه.

[١٩] قلت: الغاية من هذا التوجيه النبوي: أمران مراعاة واحترام إنسانية المملوك، وحتى لا تختلط المعاني والكلمات التي تُصرف للعباد بالمعاني والكلمات التي تُصرف للخالق "سبحانه وتعالى" .. وهذا من تمام العمل بالتوحيد ومقتضياته.

عن معاوية بن حيدَة "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: «لا يأتي رجلٌ مولاهُ يسألُهُ فضلاً عندَهُ فيمْنعهُ إيَّاه إلا دُعِيَ له يومَ القيامَةِ شُجَاعاً يتلمَّظُ فضلَه الذي منَعَ»[[١]].

[١] رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٢٤٣٨.

وعن ابن عمر "رضي الله عنهما"، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: «إن أعظمَ الذنوبِ عند الله رجلٌ استعملَ رجلاً فذهبَ بأجرته ...»[[٢]].

[٢] أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: ٩٩٩.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: «قالَ اللهُ: ثلاثةٌ أنا خَصمُهُم يومَ القيامة ـ منهم ـ: ورجلٌ استأجرَ أجيراً فاستوفى مِنْهُ ولم يُعْطِهِ أجرَه»[[٣]] البخاري.

[٣] أي استوفى حقه من الأجير، فقام الأجير بما طلب منه المستأجر ثم بعد ذلك يمتنع المستأجر عن أداء حقه وأجره .. وما أكثر من يفعل ذلك في زماننا .. فكم من جسر وشركة وعمارة شامخة تشيَّدُ على أكتاف العمال وبعرقهم .. ثم بعد ذلك أرباب العمل يظلمونهم في حقوقهم وأجورهم!!

الأمرُ بالصَّبر على الخادِمِ، والعفوِ عن أخطائهِ وزَلَّاتِه ما أمكن لذلك سبيلاً، ما لم يكن قد أصابَ حَدَّاً من حدودِ الله.

عن العباس بن جُليدٍ الحجري "رضي الله عنه"، قال: سمعتُ عبد الله بن عمرو "رضي الله عنهما" يقول: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" فقال: يا رسولَ الله كم نعفو عن الخادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثمَّ أعادَ عليه الكلامَ، فصَمَت، فلما كان في الثَّالِثةِ، قال: «اعْفُوا عنه في كُلِّ يومٍ سَبعينَ مرةً»[[٤]].

[٤] أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: ٤٨٨. قلت: الذي أريده منك أيها القارئ أن تتأمل هذا الرفق والإحسان في المعاملة التي يحظى بها العبد المملوك في الإسلام، ثم تقيس على ذلك وتنظر هل الأحرار في زماننا يتعاملون مع من يستخدمونهم من الأحرار .. بشيء من هذا الإحسان والرفق والرحمة .. وهل القوانين العصرية ذات العلاقة بحقوق العمال والخدَّام الأحرار تُلزم أرباب الأعمال نحو عمالهم الأحرار بما يُلزم الإسلام السيد نحو خادمه ومملوكه .. لتدرك أن نظام وقوانين العبودية في الإسلام أرقى من نظام وقوانين الأحرار عند الآخرين من غير المسلمين؟!

وعن عمرو بن حبيب "رحمه الله" أنه قال لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان: أمَا علِمتَ أنَّ رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" قال: «خابَ عبدٌ وخَسِرَ لم يجعَلِ اللهُ تعالى في قلبِهِ رحمةً لِلبَشَرِ»[[٥]].

[٥] أخرجه الدولابي، وابن عساكر في تاريخ دمشق، السلسلة الصحيحة: ٤٥٦. وقوله "صلى الله عليه وسلم" «للبشر»؛ عام لجميع البشر؛ مسلمهم وغير مسلمهم.

إمامَةُ العبدِ المملوكِ للحر في الصلاة، وشؤون الحكم، والسياسة، إن ولِّيَ أميراً من قِبَل الخليفةِ أو الحاكِمِ العام.

عن أبي سعيد مولى أبي أُسيد "رضي الله عنه"، قال: تزوجتُ وأنا مملوكٌ، فدَعوتُ نفَراً من أصحابِ النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" فيهم ابن مسعود، وأبو ذر، وحذيفة، قال: وأُقيمَت الصلاة، قال: فذهبَ أبو ذر ليتقدَّم، فقالوا: إليك[[١]]! قال: أوَكَذلك؟ قالوا: نعم، قال: فتقدَّمتُ بهم وأنا عبدٌ مملوك[[٢]].

[١] أي تأخر وارجع فالإمامة ليست لك؛ لأن من السنة أن لا يُؤم المرء في بيته وسلطانه .. هذا في الإسلام، وكان ذلك قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام .. أما عند الأمم الأخرى فالقوانين الأمريكية والغربية العنصرية كانت تقضي بأن لا يجلس الأسود أمام الأبيض، وأن لا يدخل أو يخرج من الباب الذي يدخل أو يخرج منه الأبيض؛ حتى لا يتأذى نظر الأبيض، ولما في ذلك من انتقاص من قدره .. وظلت هذه القوانين نافذة ويُعمل بها عند القوم إلى مطلع القرن العشرين!

[٢] أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف"، وصححه الشيخ ناصر في كتابه آداب الزفاف، ص٢٢.

وعن أُمِّ الحصين "رضي الله عنها"، قالت: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «إن أُمِّرَ عليكم عبدٌ مُجَدَّعٌ[[٣]] يقودُكم بكتابِ الله، فاسمعوا له وأطيعوا» مسلم.

[٣] لفظة كلمة العبد لا يُراد منها في الأحاديث النبوية من كان لونه أسوداً أو غير ذلك، وإنما يُراد منها العبد المملوك لسيده ومولاه، وقد يكون السيد أسود البشرة والعبد المملوك أبيض البشرة، فتنبه لذلك .. وقوله «مُجَدَّعٌ»؛ أي مقطوع الأطراف.

وعن أنس بن مالك "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «اسمعُوا وأَطيعُوا، وإن استُعمِلَ عليكم عبدٌ حبَشيٌّ، كأنَّ رأسَهُ زَبيبَةٌ» البخاري.

وعن العِرباض بن سارية "رضي الله عنه" قال: صلَّى بنا رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" ذاتَ يومٍ، ثم أقبلَ علينا، فوعَظنا موعِظَةً بليغةً، ذرفَت منها العيون، ووَجلَت منها القلوب، فقال قائلٌ: يا رسولَ الله كأن هذه موعِظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أُوصيكُم بتقوى الله، والسَّمْعِ والطَّاعةِ وإن عبداً حبَشيَّاً، فإنَّه مَن يَعِشْ منكم بعدي فسيَرَى اختلافاً كثيراً، فعليكُم بِسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ المهْدِيِّينَ الرَّاشدين؛ تمَسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكُم ومُحْدَثاتِ الأمورِ فإنَّ كُلَّ مُحْدَثةٍ بِدْعَةٍ، وكُلَّ بدعةٍ ضلالةٌ»[[٤]].

[٤] صحيح سنن أبي داود: ٣٨٥١. وقوله "صلى الله عليه وسلم": «وإن عبداً حبشيَّاً»؛ أي وإن ولي عليكم عبد مملوك حبشي فاسمعوا له وأطيعوا في المعروف.

أقول: هذه التوجيهات النبوية العظيمة .. وهذا التعزيز من قبل النبي "صلى الله عليه وسلم" لحقوق العبد المملوك ولمكانته .. هو الذي سمح للمماليك بأن ينطلقوا ويُمارسوا حقوقهم ودورهم السياسي على أكمل وجه .. مما مكنهم أن يقيموا فيما بعد دولة في مصر عُرفت باسمهم "دولة المماليك"، وكان لهم الفضل الكبير في نصرة الإسلام والذود عن حرماته، وحرمات المسلمين.

ومن حقوق المسلم المملوك السياسية والاجتماعية في الإسلام أنه يحق له ـ شأنه شأن المسلم الحر ـ أن يؤمِّن من شاء من الأحرار من غير المسلمين .. فأمانه وعهده لهم نافذ وملزم لسيده ولجميع المسلمين .. كما لو أمَّنهم المسلم الحر .. وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.

هذه الحقوق والقوانين والقيم جاء بها الإسلام وألزم بها أتباعه قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام .. يوم أن كان العبد المملوك ـ عند الشعوب والأمم الأخرى كلها ومن دون استثناء ـ شيئاً من أشياء ومتاع سيده ومالكه يفعل به ما يشاء من دون أن يُسأل أو يُحاسَب .. وكان الحديث عن حقوق العبيد يومئذٍ ضربٌ من ضروب الخيال والشذوذ والتمرد عن المألوف الذي تآلفت عليه جميع شعوب وأمم الأرض.

فتأمل ذلك لتعرف عظمة الإسلام، وعظمة نبي الإسلام ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ وفضله على البشرية جمعاء، صدق الله العظيم إذ قال في نبيه صلوات الله عليه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} الأنبياء:١٠٧.

الأمر بعتقِ الرقاب وتحريرها[[١]].

[١] قد عمل الإسلام على تحرير العبيد ـ بطريقة سلسلة ومنظمة، ومن دون مضاعفات سيئة ترتد على العبيد والمجتمعات في آنٍ واحد ـ من خلال ثلاثة طرق:

أولاً من خلال الحض والترغيب على عتق الرقاب وتحريرها.

ثانياً: من خلال جعل عتق الرقاب كفارة لكثير من الخطايا والذنوب؛ كالقتل الخطأ، وكفارة اليمين، وكفارة من يُظاهر زوجته .. وغيرها من الذنوب والخطايا التي توجب على صاحبها أن يعتق رقبة من العبودية ويحررها.

ثالثاً: من خلال المكاتبة فيُكاتب العبد سيده على مبلغ محدد في زمن محدد مقابل حريته، والسيد لا بد له شرعاً من أن يستجيب للكتابة لا مناص له من ذلك

كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} النور:٣٣

من خلال هذه الطرق الثلاث ضمن الإسلام تحرير العبيد بصورة سلسة ومنظمة من دون مشاكل ولا مُضاعفات سيئة.

فإن قيل: علام الإسلام لم يصدر أمراً فورياً بتحرير الرقاب، وتحريم اقتنائها ؟ أقول: لسببين:

السبب الأول

أن إصدار مثل هذا القرار الفوري سيشكل كارثة ـ بكل ما تعني معنى الكارثة من معنى ـ على العبيد أولاً، والأسياد وأعمالهم ثانياً، والمجتمع ككل ثالثاً .

نحن في زماننا المعاصر لا يُقبل من صاحب عمل أن يستخدم عاملاً عنده لعشر سنوات مثلاً ثم فجأة يقول له إذهب .. قد سرَّحتك من العمل .. ابحث عن عمل عند غيري .. من دون سابق إشعار أو إنذار .. ولا إعطاء فرصة كافية للبحث عن بديل قبل الطرد .. ولا تعويض .. ولعُد ذلك من الجور والظلم للعامل .

وكذلك أن يترك العامل رب العمل من دون سابق إنذار أو فرصة تمكن صاحب العمل من البحث عن البديل .. لعد ذلك من الظلم لصاحب العمل أيضاً .. فما بالك بأن يصدر قانوناً يلزم الأمة والشعوب بشكل فوري بتحرير مئات الملايين من الرقاب، وعلى كل سيد أن يطرد من عنده من المماليك .. ومن دون أن يُعدَّوا مادياً ونفسياً وثقافياً لهذه الخطوة .. لذا كان لا بد من التدرج في عملية التحرير كما فعل الإسلام!

السبب الثاني

لم يغلق الإسلام باب الرق كلياً؛ لتبقى فرصة معاملة الآخرين بالمثل ممكنة وهو من تمام العدل والإنصاف .. إذ أن الأمم والشعوب الأخرى كلها كانت ـ ولا تزال ـ تقوم ثقافاتها وعاداتها واعتقاداتها على استرقاق العبيد وبصورة لا تليق بالحيوانات .

فليس من العدل أن يقوموا باسترقاق أبناء ونساء المسلمين في أي فرصة تكون لهم فيها الغلبة على المسلمين .. ثم في المقابل يُقال للمسلمين لا يحق لكم أن تُقابلوهم بالمثل أو تنالوا منهم مثل ما نالوا منكم .. مع التنبيه للاختلاف الضخم والواسع بين معاملة المسلمين الراقية والعادلة للمماليك وبين معاملة غيرهم لهم .. الظالمة والمتخلفة!

ويُقال كذلك: عندما عمل الإسلام على تحرير العبيد وفق إسلوبه الرباني العادل والهادئ .. جعل مبدأ التحرير ديناً وثقافة تسري في ضمائر واعتقادات الناس .. وعبادة يُتقرب بها إلى الله تعالى .. قبل أن يُكتب كقانون على الورق .

بينما الأطراف الأخرى لما اهتدت مؤخراً في مطلع القرن العشرين إلى تحريم الرق .. نجدهم قد حرموه كقانون وحبر على ورق .. من دون أن يُلامس اعتقاد وثقافة وقيم الناس .. فهم يحرمون الرق والعنصرية كقانون على الورق .

وفي المقابل تراهم يُمارسونها في حياتهم العامة والخاصة في أبشع صوره ـ حتى في زماننا هذا ـ وبخاصة عند غياب رقابة القانون .. وما أكثر ما يغيب .. وما أكثر التقارير والإحصائيات التي تحدثنا وتُطالعنا عن التجارة بالرق الأبيض .. وعن الملايين من النساء اللاتي يتعرضن للاسترقاق والتجارة الجنسية .. بثمن بخس .

وكذلك الأطفال .. وبخاصة الأطفال الذين ينتمون إلى البلاد الفقيرة .. مستغلين حاجتهم وحاجة أهاليهم .. هذا غير الاستعباد غير المباشر، الذي يدخل فيه عموم الشعوب التي ارتضت لنفسها أن تدخل في طاعة وربوبية البشر من دون الله "سبحانه وتعالى" .. فاتخذوا بعضهم بعضاً أرباباً ومشرعين يُحلون ويحرمون .. من دون الله.

قال تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ} البلد:١١-١٣.

وقال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} البقرة:١٧٧.

قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} التوبة:٦٠[[٢]].

[٢] فمن مصاريف الزكاة السعي في عتق الرقاب، ومساعدة العبيد على سداد ما كاتبوا عليه أسيادهم. كما في الأثر عن يحيى بن سعيد، قال: «بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية، فجمعتها ثم طلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيراً، ولم نجد من يأخذها منا، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناسَ، فاشتريت بها عبيداً فاعتقتهم».

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} النور:٣٣.

وعن البراء بن عازب "رضي الله عنه" قال: جاء أعرابي إلى رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" فقال: يا رسولَ الله! علِّمني عمَلاً يُدخِلَني الجنَّة. قال: «إن كنت أقصَرتَ الخُطبَة لقد أعرَضتَ المسألة؛ أعتِقِ النَّسمةَ، وفُكَّ الرقَبةَ». قال: أليستا واحدةً؟ قال: «لا؛ عِتقُ النَّسمَةِ أن تَفرَّدَ بعتقِها، وفكُّ الرَّقَبةِ أَن تُعطي في ثَمَنها»[[٣]].

[٣] رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب والترهيب: ١٨٩٨. وقوله "صلى الله عليه وسلم": «إن كنت أقصَرتَ الخُطبَة لقد أعرَضتَ المسألة»؛ أي وإن كان سؤالك قصيراً وموجزاً كلماته قليلة إلا أن معناه واسع وعريض وعظيم.

وعن أبي أُمامة "رضي الله عنه"، قال: أقبَلَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" معهُ غُلامان، فوهبَ أحدَهُما لعليِّ، وقال: «لا تضْرِبهُ؛ فإنِّي نُهيتُ عن ضربِ أهلِ الصلاةِ، وإنِّي رأيتُهُ يُصلي منذُ أقبلنا». وأعطى أبا ذرٍّ غلاماً، وقال: «استوصِ به معروفاً»، فأعتقَهُ، فقال: «ما فعل؟»، قال: أمرتني أن أستوصي به خيراً؛ فأعتَقتُه[[٤]].

[٤] صحيح الأدب المفرد: ١٢١.

وعن أسماء بنت أبي بكر "رضي الله عنهما"، قالت: «أمَرَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" بالعتَاقَةِ في كُسُوفِ الشمس» البخاري.

وعنها "رضي الله عنها"، قالت: «كنَّا نؤمَر عِندَ الخُسُوفِ بالعَتَاقَةِ»[[٥]] البخاري.

[٥] إطلاق الخسوف على الشمس منفردة؛ فلاشتراك الخسوف والكسوف في معنى ذهاب نورهما وإظلامهما "النهاية".

وعن عائشة "رضي الله عنها"، قالت: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «ما زالَ جبريلُ يُوصيني بالجارِ حتى ظننتُ أنه يُورِّثُه، وما زال يوصيني بالمملوكِ حتى ظننتُ أنه يَضربُ له أجَلاً أو وقتاً إذا بلغَه أُعتِق»[[٦]].

[٦] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان "٨٥٥٤"، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين.

ومما أوصى به عمر "رضي الله عنه" حين طُعِن، وحضرته الوفاة: «كلُّ مملوكٍ لي عَتِيق»[[٧]]. أي هو حر.

[٧] قال الشيخ ناصر في الإرواء "١٦٨٦" إسناده صحيح.

فيمن يعتق رقاب العبيد كم له من الأجر والثوابٍ.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «أيُّما رجلٍ أعتَقَ امرأ مسلماً؛ استنقَذَ اللهُ بكلِّ عُضوٍ منهُ عضواً منه منَ النارِ». قال سعيد بن مُرجانَة: فانطلقتُ به إلى عليِّ بن الحُسين، فعمَدَ عليُّ بنُ الحسين إلى عبدٍ له ـ قد أعطاهُ به عبدُ الله بن جعفر عشرَةَ آلافِ دِرهم أو ألفَ دينارٍ ـ فأَعتَقَه. متفق عليه.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: «مَن أعتَقَ رقبةً مُسلمةً؛ أعتَقَ اللهُ بكلِّ عُضْوٍ منه عضواً من النارِ حتى فَرْجَهُ بِفَرْجِه» متفق عليه.

وعن أبي موسى "رضي الله عنه" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «مَن كانت له جاريةٌ فَعَالَهَا فأحسَنَ إليها، ثم أعتَقَها وتزوجَها كان له أجران» متفق عليه.

وعن أبي أُمَامَةَ "رضي الله عنه"، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: «أيما امرئٍ مسلم أعتقَ امرأً مسلماً؛ كان فكاكَه من النار؛ يُجزئُ كلُّ عضوٍ منه عُضواً منه. وأيُّما امرئ مسلمٍ أعتقَ امرأتين مُسلمتين كانت فكَاكَهُ من النار؛ يُجزئُ كلُّ عضوٍ منهما عُضواً منه. وأيُما امرأةٍ مُسلمةٍ أعتَقَت امرأةً مسلمةً؛ كانت فَكاكها من النار؛ يُجزئُ كلُّ عضوٍ منها عضواً منها»[[٨]].

[٨] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، صحيح الترغيب: ١٨٩١.

وعن عقبة بن عامر "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «مَن أعتَقَ رقبةً مؤمِنةً فهي فَكَاكُه من النارِ»[[٩]].

[٩] رواه أحمد بإسناد صحيح، وغيره، صحيح الترغيب: ١٨٩٣.

وعن شُعبة الكوفي قال: كنا عند أبي بردة بن أبي موسى فقال: أي بَنيَّ! ألا أُحدثُكم حديثاً حدَّثني أبي عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم"؟ قال: «من أعتقَ رقبةً؛ أعتَقَ اللهُ بكلِّ عضوٍ منها عضواً منه من النارِ»[[١٠]].

[١٠] رواه أحمد، ورواته ثقاة، صحيح الترغيب: ١٨٩٤.

وعن أبي نجيح السلمي "رضي الله عنه" قال: «حاصَرنا مع رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" الطائفَ، وسمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: «أيما رجلٍ مسلمٍ أعتقَ رجلاً مسلماً؛ فإنَّ الله "سبحانه وتعالى" جاعلٌ وِقاءَ كلِّ عظمٍ من عظامِه عَظْماً من عِظامِ محرَّرِه. وأيما امرأةٍ مسلمة أعتقت امرأةً مسلمةً؛ فإن الله "سبحانه وتعالى" جاعلٌ وِقاءَ كلِّ عظمٍ من عظامِها عظماً من عظامِ مُحرَّرِتها من النار»»[[١١]].

[١١] رواه أبو داود، وابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب: ١٨٩٧.

وعنه "رضي الله عنه" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «مَن أعتَقَ رقبةً مؤمنةً؛ كانت فِداءَهُ من النار»[[١٢]].

[١٢] رواه أبو داود والنسائي، صحيح الترغيب: ١٨٩٧.

وعن أبي سعيدٍ الخدري "رضي الله عنه"؛ أنه سمعَ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: «خمسٌ من عمِلَهُنَّ في يومٍ كَتَبهُ الله من أهل الجنة: من عاد مريضاً، وشهِدَ جنازةً، وصامَ يوماً، وراحَ إلى الجمعَةِ، وأعتَقَ رَقَبةً»[[١٣]].

[١٣] رواه ابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب: ١٨٩٩.

وعن حكيم بنُ حِزامٍ "رضي الله عنه"، وكان قد أعتَق في الجاهليَّةِ مائةَ رقَبَة، وحَمَلَ على مائةِ بعيرٍ، فلما أسلم حمَلَ على مائة بعيرٍ، وأعتَقَ مائةَ رقبةٍ، قال: فسألتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم"، أرأيتَ أشياءَ كنتُ أصنَعُها في الجاهلية، كنتُ أتحَنَّثُ بها؛ يعني أتبرَّرُ بها؟ قال: فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «أسلمْتَ على ما سَلَفَ من خيرٍ»[[١٤]] متفق عليه.

[١٤] الحديث تضمن فوائد عدة منها: أن الحسنات التي تُفعل قبل الإسلام مما يتقرب به إلى الله تنفع صاحبها بعد الإسلام لو أسلم. ومنها جواز التصدق والإحسان على غير المسلمين ومن ذلك عتق رقابهم من العبودية .. والمسلم الذي يفعل ذلك له أجر.

عن أبي هريرة "رضي الله عنه" قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": «لا يجزي ولَدٌ والِدَهُ إلا أن يجِدَه مملوكاً فيشتريَهُ فيُعْتِقَهُ» مسلم.

وعن عبد الرحمن بن عوف "رضي الله عنه" قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": «أيُّما امرئٍ مسلمٍ أعتَقَ امرأً مُسلماً، فهو فكاكُه من النَّارِ، يُجزَى بكلِّ عظمٍ منه عظماً منه. وأيَّما امرأةٍ مُسلمةٍ أعتَقَت امرأةً مُسلمةً فهي فكاكُها من النارِ؛ يُجزى بكلِّ عظمٍ منها عظماً منها، وأيَّما امرئٍ مُسلمٍ أعتَقَ امرأتين مُسلمتين فهما فَكاكُهُ من النَّارِ؛ يُجزى بكل عظمين من عِظامها عظماً منه»[[١٥]].

[١٥] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: ١٨٦٩. فيمن يقتل أو يعذِّبُ أو يَضربُ عبداً مملوكاً.

وعن أبي مسعود "رضي الله عنه"، قال: كنتُ أضربُ غلاماً لي فسمعتُ من خلفي صوتاً: «اعلَم أبا مسعودٍ للَّهُ أقدَرُ عليك منك عليه»، فالتفَتُّ فإذا هو رسولُ اللهِ "صلى الله عليه وسلم"، قلتُ: يا رسولَ الله هو حُرٌّ لوجهِ الله، فقال: «أمَا لو لم تفعَلْ للفَحَتكَ النارُ أو لَمَسَّتْكَ النَّارُ» مسلم.

وعن زَاذَان أنَّ ابن عُمر "رضي الله عنهما" دعا بِغُلامٍ له، فرأى بظهره أثَراً، فقال له: أوجعتُكَ؟ قال: لا، قال: فأنتَ عَتِيقٌ. قال: ثُمَّ أخذَ شيئاً من الأرضِ ـ وفي رواية: عوداً ـ، فقال: ما لِي فيه من الأجرِ ما يَزِنُ هذا؛ إنِّي سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: «مَن ضرَبَ غُلاماً له حدَّاً لم يأتِهِ، أو لَطَمَهُ، فإنَّ كفَّارتَهُ أن يُعْتِقَهُ» مسلم.

وفي رواية عن ابن عمر "رضي الله عنهما" قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: «مَن لطمَ مملوكَهُ أو ضَرَبَه فكفَّارَتُهُ أن يُعْتِقَهُ»[[١٦]].

[١٦] صحيح سنن أبي داود: ٤٣٠٥. قلت: العمل بمقتضى هذه الأحاديث ـ الملزم للأمة ـ كان السبب الأكبر ـ كما تقدمت الإشارة ـ في عتق الرقاب وتحريرها، وإلغاء ظاهرة العبودية في الأمة الإسلامية في وقت مبكرٍ جداً قياساً للأمم والشعوب الأخرى التي لاحقتها مظاهر العبودية والرق إلى منتصف القرن العشرين المنصرم!

وعن هِلالِ بن يَسَافٍ، قال: عَجِلَ شيخٌ فلَطَمَ خادِماً له، فقال له سُوَيْدُ بنُ مُقَرِّنٍ: عجَزَ عليكَ إلاَّ حُرُّ وجهها؟! لقد رأيتُني سابِعَ سَبعةٍ من بني مُقَرِّنٍ، ما لَنا خادِمٌ إلا واحدةً لطمَها أصغَرُنا، فأمَرنا رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" أن نُعْتِقَها. مسلم.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه" قال: قال أبو القاسم "صلى الله عليه وسلم": «مَنْ قَذَفَ مَمْلوكَهُ بالزِّنا، يُقامُ عليه الحدُّ يومَ القيامَةِ؛ إلا أن يكونَ كَما قالَ» مسلم.

وعنه "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «مَن ضربَ مملوكَهُ ظلماً اقتُصَّ منه يومَ القيامَةِ»[[١٧]].

[١٧] رواه البزار، والطبراني بإسنادٍ حسن، صحيح الترغيب: ٣٦٠٧.

وعن عمَّار بن ياسر "رضي الله عنه" قال: لا يضربُ أحدٌ عبداً له، وهو ظالمٌ له، إلا أُقِيدَ منهُ يومَ القيامَةِ[[١٨]].

[١٨] صحيح الأدب المفرد: ١٣٤.

وعن عائشة "رضي الله عنها": أنَّ رجلاً قعد بين يدي رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" فقال: يا رسولَ الله إنَّ لي مملوكين؛ يكذبونني، ويخونونني، ويَعصونني، وأشتُمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟

قال "صلى الله عليه وسلم": «يُحسَبُ ما خانُوكَ وعَصَوكَ وكذَّبُوكُ وعقابُك إيَّاهُم؛ فإن كان إيَّاهم بقَدْرِ ذنوبِهمْ كان كفَافَاً؛ لا لَكَ ولا عليك، وإن كان عِقابُكَ إيَّاهُم دونَ ذُنوبهم كان فَضْلاً لك، وإن كان عِقابُكَ إيَّاهُم فوقَ ذنوبِهم اقتُصَّ لهم مِنك الفِضْلُ». قال: فتنحَّى الرجلُ فجعلَ يبكي ويهتفُ، فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": أما تقرأ كتابَ الله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} الأنبياء:٤٧. فقال الرجلُ: واللهِ يا رسولَ الله ما أجدُ لي ولهم شيئاً خيراً من مُفارقَتِهم؛ أُشهِدُك أنَّهم أحرارٌ كلُّهم[[١٩]].

[١٩] صحيح سنن الترمذي: ٢٥٣١.

وعن سَمُرَةَ بن جُندب "رضي الله عنه" أنَّ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" قال: «مَن قتَلَ عبدَه قتلناهُ، ومَن جدَعَ عبدَهُ جدَعْناهُ، ومَن أخصَى عبدَهُ أخْصيناه»[[٢٠]].

[٢٠] أخرج البغوي في شرح السنة، وقال: حديث حسن غريب. وصححه ابن حزم في المحلى: ٨/٢٠٦. ونصر العمل بمقتضى الحديث من غير تأويل. أقول: هذا هو القانون الإسلامي ..وكان ذلك قبل أكثر من ألف وأربعمائة عامٍ .. بينما كان قانون الرق في أمريكا وبلاد الغرب ـ وظل ذلك إلى أوائل القرن المنصرم ـ يسمح للسيد الحر بأن يجرب سلاحه على جسد العبد المملوك .. ليختبر مدى جودة وفاعلية سلاحه!

وعن عبد الله بن عمرو "رضي الله عنهما" قال: جاء رجلٌ مُستصرِخ إلى النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" فقال: جاريةٌ له يا رسولَ الله! فقال: «وَيْحَك ما لَك»؟ قال: شرَّاً؛ أبصرَ لسيدِهِ جارية له، فغارَ؛ فجبَّ مذاكيرَهُ، فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «عليَّ بالرجلِ»، فطُلِبَ فلم يُقدَر عليه، فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «اذهَبْ فأنتَ حُرٌّ»، فقال: يا رسولَ الله على مَن نُصرَتي؟ قال: «على كلِّ مؤمنٍ» أو قال: «كُلِّ مُسلمٍ»[[٢١]].

[٢١] صحيح سنن أبي داود: ٣٧٨٩. وقوله: «فجبَّ مذاكيرَهُ»؛ أي قطع له ذكرَه. وقوله "صلى الله عليه وسلم": «على كلِّ مؤمنٍ»؛ أي على كل مؤمن نصرتك في إحضار الجاني إلى القضاء العادل لينال القصاص والجزاء العادل الذي يستحقه .. وإن كان الجاني هو سيدك!

ـ للخادم المملوك واجبٌ نحو سيدِه[[٢٢]].

[٢٢] الحقوق متبادلة؛ فكما أن للمملوك حق على سيده ومولاه، وقد تقدم ذكره، كذلك السيد فله حق على مملوكه وخادمه؛ من ذلك الطاعة في المعروف؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن يُخلص في رعاية ما يستخلفه عليه سيده من مال وغير ذلك.

وعن ابن عمر "رضي الله عنهما"، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" أنه قال: «أَلا كلُّكُم راعٍ، وكلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّتِه؛ فالأميرُ الذي على النَّاس راعٍ، وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِه، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم، والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بَعلِها ووَلَدِه، وهي مسؤولةٌ عنهُم، والعَبْدُ راعٍ على مالِ سيِّدِه وهو مسؤولٌ عنه، أَلا فكلُّكُم راعٍ، وكلُّكُم مسؤولٌ عن رعِيَّتِهِ» متفق عليه. وفي رواية عند البخاري: «والخادِمُ في مالِ سيِّدِه راعٍ، وهو مَسؤولٌ عن رعيَّتِه»[[٢٣]].

[٢٣] الراعي هو الذي يُحيط ما استُخلف واستؤمن عليه بالحفظ والرعاية والإصلاح .. ويبذل قصارى جهده المستطاع في ذلك.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه"، أنَّ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: «نِعِمَّا لأحَدِهم أن يُطيعَ الله، ويؤدِّي حقَّ سيِّدِه»؛ يعني المملوك[[٢٤]].

[٢٤] رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، صحيح الترغيب: ١٨٨٤.

ـ للخادم المملوك أن يتصدَّقَ من مالِ سيده من دون علمه.

عن عُمير مولى آبِي اللَّحمِ "رضي الله عنه"، قال: كُنتُ مملوكاً، فسألتُ رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم": أَأَتصدَّقُ من مالِ موالِيَّ بشيءٍ؟ قال: «نعم، والأجرُ بينكما» مسلم.

ـ ما للخادِم المملوكِ من أجرٍ إن أدى حقَّ سيدِه عليه.

وعن أبي هريرة "رضي الله عنه" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «إذا أدَّى العبدُ حقَّ اللهِ وحقَّ مواليه؛ كانَ له أجران» مسلم.

وعن ابن عمر "رضي الله عنهما"، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: «العبدُ إذا نصحَ سيِّدَهُ، وأحسنَ عبادَة ربهِ، كان له أجرُهُ مرتين» متفق عليه.

وعن أبي هريرةَ "رضي الله عنه" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «للعبد المملوك المُصْلِح أجران»؛ والذي نفسُ أبي هريرة بيده، لولا الجهادُ في سبيلِ الله، والحَجُّ، وبِرُّ أُمي؛ لأحببتُ أن أموتَ وأنا مملوكٌ. متفق عليه.

وعن أبي موسى الأشعري "رضي الله عنه" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «المملوكُ الذي يُحسِنُ عبادَةَ رَبِّه، ويؤدِّي على سيِّدِه الذي عليه من الحقِّ والنصيحة والطاعة؛ له أجران» البخاري.

وعنه "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «ثلاثةٌ لهم أجران: رجلٌ من أهلِ الكتابِ آمنَ بنبيِّهِ وآمَنَ بمحمدٍ "صلى الله عليه وسلم"، والعبدُ المملوكُ إذا أدَّى حقَّ الله وحقََّ مواليهِ، ورجلٌ كانت له أمَةٌ فأدَّبها فأحسنَ تأديبَها، وعلَّمَها فأحسَنَ تعليمَها، ثمَّ أعتقَها فتزوَّجها؛ فله أجران» متفق عليه.

وعن أبي بكر الصديق "رضي الله عنه" قال: «لا يدخل الجنَّةَ بخيل، ولا خبٌّ، ولا خائنٌ، ولا سيءُ الملكَةِ، وأول من يقرع بابَ الجنةِ المملوكون إذا أحسنوا فيما بينهم وبين الله "عز وجل"، وفيما بينهم وبين مواليهم»[[٢٥]].

[٢٥] قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/٤١١: رواه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وأبو يعلى، وحسَّنه الترمذي بهذا الإسناد. الخب: المخادع الذي يُخادع الناس، فيفسد بخداعه في الأرض. سيء الملَكَة: أي سيء المعاملة لمملوكيه، فلا يُحسن معاملتهم!

ـ في العبدِ الآبقِ والعاقِّ لسيِّدِه.

وعن جرير "رضي الله عنه" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «أيُّما عبدٍ أبَقَ فقد بَرِئَتْ منهُ الذِّمَّةُ» مسلم.

وعنه "رضي الله عنه"، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: «إذا أبَقَ العبدُ لم تُقبَل له صلاةٌ» وفي رواية: «فقد كفَرَ حتى يَرْجِعَ إليهم»[[٢٦]] مسلم.

[٢٦] قوله "صلى الله عليه وسلم" «فقد كفَرَ»؛ ليس الكفر الأكبر الذي يُخرج صاحبه من الملة، وإنما المراد كفر النعمة؛ أي كفَرَ نعمة ومعروف وفضل سيده عليه، والله تعالى أعلم.

وعن فضالة بن عُبيدٍ "رضي الله عنه"، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: «ثلاثة لا تسأل عنهم ـ منهم ـ: وعبدٌ أَبَقَ من سيِّدِه فماتَ»[[٢٧]].

[٢٧] رواه ابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب: ١٨٨٧. وقوله "صلى الله عليه وسلم" «لا تسأل عنهم»؛ أي لا تسأل عن هلكتهم وما لهم من وعيد وخزي وعذاب يوم القيامة.

ـ فيمن يُفسِد ويُخبِّب مملوكاً على سيدِه.

عن أبي هريرة "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «مَن خَبَّبَ زوجةَ امرئٍ، أو مملوكَهُ فليس مِنَّا»[[٢٨]].

[٢٨] صحيح سنن أبي داود: ٤٣٠٧. خبَّب المملوك: أي أفسَدَه وخدَعَه وجرَّأه على العصيان من غير مبرر شرعي، فيكون بمثابة المخادع الدال لغيره على الشر.

عن بُرَيْدةَ "رضي الله عنه"، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": «ليس منَّا من حلَفَ بالأمانةِ، ومَن خَبَّبَ على امرئٍ زوجَتَهُ أو مَمْلُوكَهُ فليس مِنَّا»[[٢٩]].

[٢٩] رواه أحمد بإسنادٍ صحيح، والبزار، وابن حبان في صحيحه، صحيح الترغيب: ٢٠١٣.

وصلى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.