English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

مِمَّا فطرَ اللهُ عليه الخلقَ في الحياة الدنيا أنْ جعلَ الناسَ في المعاشِ والرِّزقِ درجاتٍ ليَبْتَلِيَ بعضَهم ببعضٍ

مِمَّا فطرَ اللهُ عليه الخلقَ في الحياة الدنيا أنْ جعلَ الناسَ في المعاشِ والرِّزقِ درجاتٍ ليَبْتَلِيَ بعضَهم ببعضٍ، ويَتَّخِذَ بَعضُهم بَعضَاً سُخْرِيّاً[[١]].

[١] من نعم الله تعالى على خلقه في الحياة الدنيا أنه تعالى لم يجعل الناس سواء في الرزق والمعاش، وتعاطي الأسباب، ليكمِّل الناس بعضهم بعضاً، وبذلك تعمر الحياة وتزدهر وتنهض وتمضي .. تصور لو أن الناس كلهم كانوا ملوكاً أو أطباء أو نجارين أو حدادين أو مزارعين أو فلاحين أو تجاراً، أو من ذوي المهنة الواحدة، أو الاهتمامات الواحدة، والميول الواحد .. أو المستوى الواحد في كل شيء .. كيف ستكون هذه الحياة

لا شك أن الحياة حينئذٍ ستكون مستحيلة على بني البشر، إذ أن الدنيا لا يُمكن أن تعمر بمثل هكذا نظام.

لكن هذا التفاوت بين الناس في الرزق والمعاش والاهتمامات الذي قدره الله تعالى لا يجوز أن يكون سبباً أو مدعاة لظلم القوي للضعيف، أو استعلاء الكبير على الصغير، والغني على الفقير .. كما لا يجوز أن يكون سبباً لتطاول الصغير على الكبير .. وسطو الفقير على ما في يد الغني .. فهذا مما منعته شريعة السماء التي دعت إلى عطف وإحسان الكبير على الصغير، واحترام الصغير للكبير.

فإن قيل: لماذا لم يقدر الله أن يكون الناس جميعهم سواء في الرزق والمعاش والمنصب ...؟!

أقول: أولاً هي مشيئة وإرادة الله تعالى .. والله تعالى لا يُسأل عما يفعل. وثانياً: أن الحياة الدنيا ليست دار مقام وجزاء، وإنما هي دار عمل وتمحيص وبلاء ومدافعة .. وهذا من مقتضاه إيجاد هذا النوع من التفاوت في القوى وفي الرزق وسُبل الكسب والرزق بين بني البشر .. ليبتلى الغني بالفقير، والفقير بالغني .. والقوي بالضعيف والضعيف بالقوي

هل يلتزم كل منهما نحو الآخر بما قسم الله لكل منهما من رزق ومعاش .. بما أمر الله تعالى به عن طريق أنبيائه ورسله أم لا .. هل يحقق كل منهما الطاعة والعبودية لله "سبحانه وتعالى" فيما هما فيه أم لا .. ليترتب على ذلك الجزاء يوم الخلود؛ يوم القيامة؛ ذلك اليوم الذي تذهب فيه جميع الفوارق الأرضية .. ليبقى التفاضل على أساس العمل والتقوى، وأيهم أحسن عملاً.

قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} الزخرف:٣٢[[٢]].

[٢] قال ابن كثير في التفسير: ثم قال "سبحانه وتعالى" مبيناً أنه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية. وقوله جلت عظمته: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً}؛ قيل معناه ليسخّر بعضهم بعضاً في الأعمال لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، قاله السدي وغيره ا- هـ.

قال تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} النحل:٧١.

قال تعالى: {كَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} الأنعام:٥٣[[٣]].

[٣] قال عبد الرحمن السعدي في التفسير: أي هذا من ابتلاء الله لعباده؛ حيث جعل بعضهم غنياً، وبعضهم فقيراً، وبعضهم شريفاً، وبعضهم وضيعاً. فإذا منَّ الله بالإيمان على الفقير، أو الوضيع؛ كان محل محنة للغني والشريف؛ فإن كان قصده الحق واتباعه، آمن وأسلم، ولم يمنعه من ذلك مشاركة الذي يراه دونه بالغنى أو الشرف. وإن لم يكن صادقاً في طلب الحق، كانت هذه عقبة ترده عن اتباع الحق، وقالوا ـ محتقرين لمن يرونهم دونهم ـ: {أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} ا- هـ.

قال تعالى: {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} محمد:٤.