English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

حقُّ الرعيَّةِ

الحقوق متبادلة بين الحاكِم والمحكوم؛ فمن لوازم أداء المحكوم لحقوقِ الحاكمِ أن يؤدِّي الحاكِمُ حقَّ المحكومِ والرعيَّة عليه، فالحقوق لا تُعطَى من طرفٍ واحدٍ وحسب وإنما تُعطى من الطرفين للطرفين

ومِن حقِّ الرعيَّةِ على الحاكِم، أن يَحكم فيهم بالسويَّة والعدل، وبما أنزلَ الله، وأن يُحِطَهُم بالنُّصْحِ والرِّعاية، والحماية، وأن يُجاهِد عنهم وعن حرماتهم العدوَّ، وأن يَقلقَ لراحتهم وخدمتهم، وأن يكون رحيماً رفيقاً بهم، لا يُغلِق بابَه دُونَ حاجَتِهم، وفقرائهم وضعفائهم.

عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "ألا كُلُّكُم راعٍ، وكُلكُم مسؤولٌ عن رعيَّتِه؛ فالإمامُ الأعظمُ الذي على الناسِ راعٍ وهو مَسؤولٌ عن رعيتِه[[١]]، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتهِ وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِه، والمرأةُ راعيةٌ على أهلِ بيتِ زوجِها وولدِه وهي مسؤولةٌ عنهم، وعبدُ الرجُلِ راعٍ على مالِ سيِّدِه وهو مسؤولٌ عنه، ألا فَكلُّكم راعٍ وكُلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّته"متفق عليه.

[١] مسؤول عن رعيته؛ هل أحاطهم بالنصح والرعاية، والحماية .. وحكمهم بقانون العدل .. وهل أدى لهم كامل حقوقهم عليه .. أم أنه فرَّط بما يجب عليه نحوهم .. وحكمهم بقوانين الظلم والكفر!

عن معقل بن يسار، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ما مِن عبدٍ يَسترعيهُ اللهُ رعيَّةً، فلَم يُحِطْها بِنُصحِه لم يجدْ رائحةَ الجنَّةِ "متفق عليه.

وعنه، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "ما مِن والٍ يَلي رعيَّةً من المسلمين فيموت وهو غاشٌّ [[٢]] لهم إلا حرَّمَ اللهُ عليه الجنَّةَ "متفق عليه.

[٢] من غش الحاكم لرعيته أن يزين لهم الفساد والفجور، والحكم بالقانون الجاهلي الوضعي .. وأن يختار لهم الذي هو أدنى فيما يُخير فيه .. وأن يجعل البلاد وثرواتها وخيراتها لقمة سائغة سهلة لأعداء الأمة وعُرضة للنهب والسلب وكذلك أن يهمل إعداد القوة التي ترهب العدو، وتردعه من التطلع للاعتداء على بلاد وحرمات المسلمين

وفي روايةٍ لمسلم: "ما من عبدٍ يَسترعيَه اللهُ رعيَّةً، يموتُ يومَ يموت وهو غاشٌ لرعيَّتِه، إلا حرَّمَ اللهُ عليه الجنَّة".

وفي رواية: "أيما راعٍ استرعى رعيةً فغشَّها فهو في النَّار".

وعنه، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" : "رجُلانِ ما تنالهما شفَاعتي: إمامٌ ظَلومٌ غَشُومٌ[[٣]]، وآخرُ غالٍ في الدينِ مارقٌ منهُ"[[٤]].

[٣] الغشوم هو الذي يخبط الناس خبطاً فيأخذ منهم كل ما يقدر عليه؛ ما يحق له ومالا يحق. و المراد من الحديث؛ أي الحاكم الظالم الذي يعدو على أموال الناس وحقوقهم فيأخذها منهم غصباً، ومن دون أن يتحرى ما يحق له ومالا يحق؛ كحاطب ليل!

[٤] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: ٤١.

وعن خالد بن الوليد، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أشدُّ الناسِ عذاباً للناس في الدُّنيا، أشدُّ الناسِ عَذاباً عندَ الله يومَ القيامَة"[[٥]].

[٥] رواه البيهقي، صحيح الجامع: ٩٩٨.

وعن أبي سعيدٍ، قال: قالَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أشدُّ الناسِ يومَ القيامةِ عذاباً، إمامٌ جائرٌ"[[٦]].

[٦] رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى في مسنده، صحيح الجامع: ١٠٠١.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أربعةٌ يبغضُهم اللهُ "سبحانه وتعالى": البيَّاع الحلاَّف، والفقيرُ المختالُ، والشيخُ الزَّاني، والإمامُ الجائِرُ"[[٧]].

[٧] رواه النسائي، وابن حبان، السلسلة الصحيحة: ٣٦٣.

وعن سلمان قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: الشيخُ الزَّاني، والإمامُ الكذَّاب، والعائلُ المَزهُوّ"[[٨]].

[٨] أخرجه البزَّار في مسنده، السلسلة الصحيحة: ٣٤٦١.

وعن عائذ بن عمرو، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إنَّ شَرَّ الرُّعاءِ الحُطَمَة [[٩]]" مسلم.

[٩] الذي يظلم الرعية ويبطش بهم، ويسلك معهم مسلك العنف والشدة.

وعن معاوية، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "لا تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لا يُقضَى فيها بالحقِّ، ولا يأخذُ الضعيفُ حقَّهُ من القويِّ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ"[[١٠]].

[١٠] أخرجه الطبراني، صحيح الترغيب: ٢١٩١.

قلت: العادة في ظل الأنظمة الظالمة أن الضعيف لا يمكن أن يأخذ أو يُطالب بحقه من القوي ـ وبخاصة إن كان هذا القوي من ذوي النفوذ والسلطان ـ إلا وهو خائف ترتجف شفتيه وأوصاله .. تخرج منه كلماته وهو يتعتع لشدة خوفه من مخاصمة القوي في ساحات القضاء .. وخوفاً من أن تنعكس عليه هذه المخاصمة بمزيد من الشر، وضياع الحقوق .

هذا إذا كان لا يستطيع أن يتحصل على حقه إلا وهو يتعتع .. فكيف إذا كان لا يستطيع أن يتحصل على حقه مطلقاً لا هو متعتع ولا غير ذلك .. ولو حاول يُغيب في سجون الظالمين. عندما تصل الأمة إلى هذا الموصل من الظلم فإن الله تعالى لا يقدسها ولا يباركها!

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إنما الإمامُ جُنَّةٌ[[١١]] يُقاتَل من ورائِه، ويُتَّقَى به، فإن أمَرَ بتقوى الله وعدَلَ فإنَّ له بذلك أجراً، وإن أمرَ بغيرِه فإنَّ عليه وِزراً" متفق عليه.

[١١] أي واقٍ يُحتمى به من العدو؛ ومنه نعلم أن للخليفة صفات ومهام عِظام يُعرف بها وتُعرف به .. مهما عجز عنها أو انتفت عنه لم يعد يستحق وصف الخليفة والإمام .

وهذا يعني أنه ليس من السهل أو المستساغ شرعاً وعقلاً أن يزعم أي امرئٍ من الأمة ـ يعيش ظروف القهر والذل والاستضعاف، لا يستطيع أن يحمي نفسه من العدو فضلاً عن أن يحمي الأمة أو من يرعاهم ويحكمهم ـ بأنه الخليفة العام للمسلمين .. حقه على المسلمين كل المسلمين البيعة على السمع والطاعة، ومن لا يفعل فهو آثم، وإن مات على ذلك مات ميتة جاهلية!

وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "ما مِن رجلٍ يلي أمرَ عشرةٍ فما فوق ذلك، إلا أتى اللهَ مَغلولاً يدَه إلى عُنِقِه، فَكَّهُ برُّهُ، أو أوثقَهُ إثمُه، أولها ملامةٌ، وأوسَطُها ندامةٌ، وآخِرُها خِزيٌ يومَ القيامة"[[١٢]].

[١٢] رواه أحمد، صحيح الجامع: ٥٧١٨.

وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "ما من أميرٍ يلي أمرَ المسلمين، ثم لا يجهدُ لهم ويَنصح، إلا لم يدخلْ معهم الجنَّة" مسلم.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسُهم الأنبياءُ، كلما هلَكَ نبٌّي خلفَه نبي، وإنَّه لا نبيَّ بعدي، وسيكون خُلفاء، فيكثرون"، قالوا: فما تأمرُنا؟ قال: "فُوا بيعةَ الأولِ فالأول، أعطوهم حقَّهم، فإن الله سائلَهم عمَّا استرمل استرعاهم" متفق عليه.

وعن عائشةَ، قالت: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "اللهمَّ من وليَ من أمرِ أمَّتي شيئاً فشقَّ عليهم فاشقُقْ عليه، ومَن وليَ من أمرِ أمتي شيئاً فرفَقَ بهم، فارفُقْ به" مسلم.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إن المُقْسِطين عندَ اللهِ على منابِر من نورٍ عن يمين الرحمن، وكلتا يَدَيه يمين، الذين يَعدلون في حُكمِهم، وأهلِيهم، وما وُلُّوا" مسلم.

وعن عياض بن حِماد، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أهلُ الجنةِ ثلاثةٌ: ذُو سلطانٍ مُقسِطٌ[[١٣]] مُتصدِّقٌ مُوفَّقٌ، ورجلٌ رقيقُ القلبِ لكلِّ ذِي قُربى ومُسلم، وعَفِيفٌ مُتعفِّفٌ ذُو عِيالٍ"[[١٤]].

[١٣] أي عادل يحكم بالعدل، وينصف رعيته؛ فيؤدي ما لهم من الحقوق.

[١٤] رواه أحمد، ومسلم، صحيح الجامع: ٢٦٣٧.

وعن معاوية بن أبي سفيان ، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "يكونُ أمراءٌ فلا يُرَدُّ عليهم قولُهم[[١٥]]، يَتهافَتون في النَّار، يَتْبَعُ بَعضُهم بَعضاً"[[١٦]].

[١٥] أي لا يجرؤ أحد من الرعية أن يعقب على قولهم وحكمهم؛ لشدة ظلمهم وتجبرهم وطغيانهم، فهم لا يقبلون رأياً أو قولاً يُخالف رأيهم وقولهم .. فهم فوق التعقيب أو المساءلة .. وما أكثر هؤلاء الطواغيت في زماننا المعاصر!

[١٦] رواه أبو يعلى، السلسلة الصحيحة: ١٧٩٠.

وعن عروة، أن حكيم بن حُزام مرَّ بعمير بن سعد وهو يعذِّب الناسَ في الجِزيةِ في الشمس، فقال: يا عُمير إني سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إنَّ اللهَ يُعذِّبُ الذين يُعذِّبون الناسَ في الدنيا". اذهَبْ فخلِّ سبيلَهم[[١٧]].

[١٧] صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: ١٣٠٠. في هذا الحديث وغيره رد على بعض ذوي الفهم السقيم الذين يزعمون بأن الرحمة ينبغي أن تكون محصورة بين المسلمين بعضهم مع بعض .. من دون أن تمتد لتشمل غيرهم .. قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء: ١٠٧.

عن ابن عباس، قال: "كان "صلى الله عليه وسلم" لا يُدفَعُ عنه الناسُ، ولا يُضرَبوا عنه"[[١]].

[١] أخرجه الطبراني، وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢١٠٧. قلت: مما أفاد به الحديث أنه "صلى الله عليه وسلم" لم يكن بينه وبين ذوي الحاجة حاجب يمنعهم منه أو يردهم عنه.

وعن عمرو بن مُرَّة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "ما مِن إمامٍ أو والٍ يُغلِق بابَه دونَ ذَوي الحاجَةِ والخَلَّةِ[[٢]] والمسْكَنَةِ، إلا أغلقَ اللهُ أبوابَ السماءِ دونَ خَلَّتِه، وحاجَتِه، ومَسكنته"[[٣]].

[٢] الحاجة والفقر.

[٣] رواه أحمد، والترمذي، والحاكم، صحيح الجامع: ٥٦٨٥.

وعن أبي مريم الأُزدي، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "مَن ولِيَ من أمورِ المسلمين شيئاً، فاحتجَبَ دونَ خَلَّتِهم، وحاجتِهم، وفقرِهم، وفاقتِهم، احتجَبَ اللهُ عنه يومَ القيامةِ دونَ خَلَّتِه، وحاجَتِه، وفاقتِه، وفَقرِه"[[٤]].

[٤] رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، صحيح الجامع: ٦٥٩٥.

وعن معاذ بن جبل قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من ولِيَ من أمرِ النَّاسِ شيئاً فاحتجبَ عن أُولِي الضَّعفِ والحاجةِ، احتجبَ اللهُ عنه يومَ القيامةِ"[[٥]].

[٥] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الترغيب: ٢٢٠٩.

وعن عمر بن الخطاب "رضي الله عنه"، أنه كان إذا بعَثَ عُمَّالَه[[٦]] شرطَ عليهم: "أن لا تركبوا بِرْذَوناً[[٧]]، ولا تأكلُوا نقيَّاً[[٨]]، ولا تلبسوا رقيقاً[[٩]]، ولا تُغلقوا أبوابَكم دونَ حوائجِ الناسِ، فإن فعلتُم شيئاً من ذلك؛ فقد حلَّت بكم العقوبَة، ثم يُشيِّعُهم"[[١٠]].

[٦] هم الولاة على الأمصار.

[٧] هو الفرس الأعجمي؛ لما يحصل لراكبه من خيلاء، وكبر.

[٨] هو الطعام المنقى مرة بعد مرة، لما في ذلك من التميز عن الرعية.

[٩] لما في ذلك من تنعم، وإسراف.

[١٠] رواه البيهقي في شعب الإيمان، المشكاة: ٣٧٣٠. قلت: هكذا كان الأمراء في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه .. وبمثل هؤلاء الأمراء سادت الأمة وحكمت الأمصار!

قال تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} الحجرات:١٢[[١]].

[١] ذُكِرَ النهي عن الغيبة بعد النهي عن التجسس مباشرة؛ لأن من لوازم التجسس الوقوع في غيبة المتجسَّس عليه ولا بد، فالذنب يدل على صاحبه، ويؤدي إليه.

عن معاوية، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم"، يقول: "إنَّكَ إن اتَّبَعتَ عوراتِ الناسِ أفسدتَهم أو كِدتَ أن تُفْسِدَهُم".

قال أبو الدرداء: كلمةٌ سمعَها معاويةُ من رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم"، نفعَه اللهُ تعالى بها[[٢]].

[٢] صحيح سنن أبي داود: ٤٠٨٨.

وعن جبير بن نفير، وكثير بن مرة، وعمرو بن الأسود، والمقداد بن معد يكرب، وأبي أُمامة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إن الأميرَ إذا ابتغى الرِّيبَةَ في الناسِ أفسدَهم"[[٣]].

[٣] صحيح سنن أبي داود: ٤٠٨٩

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا تحسَّسُوا[[٤]]، ولا تجَسَّسوا، ولا تَدابَروا، ولا تَبَاغَضُوا، وكونوا عبادَ الله إخواناً" البخاري.

[٤] التحسس: التفتيش عن بواطن وخفايا الأمور، وطلب معرفة أخبار من تتحسَّس عليهم وتتجسَّس!

وعن المستورد بن شدَّاد، أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "من أكلَ برجلٍ مُسلمٍ أكلَةً[[٥]]فإن الله يُطعِمُه مثلَها من جهنَّم، ومن كُسِي ثوبَاً برجلٍ مُسلمٍ فإن اللهَ يكسُوه مثلَهُ من جهنَّم، ومن قامَ برجلٍ مقامَ سمعةٍ ورياءٍ فإنَّ اللهَ يقومُ به مقامَ سمعةٍ ورياءٍ يَومَ القيامة"[[٦]].

[٥] الحديث فيه وعيد شديد وذلك يكون عندما يتجسس المرء على مسلم من المسلمين لصالح الظالمين مقابل مبلغٍ من المال يُعطَاه يأكل ويلبس منه و العقوبة تكون من جنس العمل.

[٦] صحيح سنن أبي داود: ٤٠٨٤. وصحيح الأدب المفرد: ١٧٩

وعن ابن عباس، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "مَن استمعَ إلى حديثِ قومٍ وهم يفرُّون منه، صُبَّ في أُذُنَيهِ الآنِك"[[٧]].

[٧] صحيح الأدب المفرد: ٨٨٣. و" الآنِك"؛ هو الرصاص الأبيض المُذاب، وفيه أن العقوبة من جنس العمل .. وهذا كله فيمن يستمع على وجه الفضول والتطفل، والآخرون لاستماعه لهم كارهون .. فكيف بمن يستمع على وجه التجسس على المسلمين لصالح أعدائهم من الكافرين المشركين .. لا شكَّ أن الوعيد بحقه يكون أشد وأنكى؟!

وعن أبي برزةَ الأسلمي، أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "يا معشَرَ من آمنَ بلسانِه ولم يدخُلِ الإيمانُ قلبَه، لا تَغتابُوا المسلمين، ولا تَتَّبعُوا عوراتِهم؛ فإنَّه من اتَّبعَ عوراتِهم يَتَّبَّعُ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعُ اللهُ عورتَه يَفضَحْهُ في بيتِه"[[٨]].

[٨] صحيح سنن أبي داود: ٤٠٨٣.

عن عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أخوف ما أخافُ على أمتي الأئمَّةُ المُضلُّون"[[١]].

[١] أخرجه أبو نعيم في الحلية، وأحمد، وغيرهما، السلسلة الصحيحة: ١٥٨٢.

وعن أبي ذرٍّ قال: كنت مُخاصراً للنبي "صلى الله عليه وسلم" يوماً إلى منزلهِ، فسمعته يقول: "غيرُ الدجَّالِ أخوفُ على أمتي من الدجَّال؛ الأئمة المُضلون"[[٢]].

[٢] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ١٩٨٩. قلت: هم خطر لأن بضلالهم ضلال الأمة .. فالحاكم إذا ضلَّ لا يقبل بأقل من أن تضل معه الأمة أو من يحكمهم من الناس .. ليضمن عدم خروجهم أو اعتراضهم عليه، عندما يرون منه المنكر أو الظلم والكفر!

وقوله " مخاصراً"؛ أي مرافقاً له .. أسير معه، قريباً منه.

عن أبي ذَر، قال: قلت: يا رسولَ الله! ألا تَستعمِلُني؟ قال: فضربَ بيده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذر إنَّك ضعيفٌ، وإنها أمانَةٌ، وإنها يومَ القيامةِ خِزيٌ وندَامَةٌ، إلا مَن أخذَها بحقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها".

وفي رواية، قال له: "يا أبا ذَر إني أراكَ ضَعيفاً، وإني أُحبُّ لكَ ما أحبُّ لنفسي، لا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا توَلَّينَّ مالَ يتيم"[[١]].

[١] رواه مسلم. أقول: قد صح أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال في أبي ذر: "ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء، من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر، شبه عيسى بن مريم".

فإذا كان أبو ذر "رضي الله عنه"، وهو بهذه الصفات العظيمة النبيلة، ينصحه النبي "صلى الله عليه وسلم" بأن لا يلي أمر اثنين، لحري بمن كان أقل شأناً من أبي ذر أن لا يجترئ ويقتحم هذا الأمر الجلل العظيم .. وما أكثر الذين يعتبرون الإمارة في زماننا مغنماً يضحون في سبيلها كل غالٍ ونفيس .. ويسلكون لأجلها جميع الدروب ما صح منها وما لا يصح!

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ليتمنينَّ أقوامٌ ولُّوا هذا الأمر، أنهم خَرُّوا من الثريَّا، وأنَّهم لم يَلُوا شيئاً"[[٢]].

[٢] رواه أحمد، صحيح الجامع: ٥٣٦٠.

وعنه، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "ويلٌ للأمراء! ليتمنينَّ أقوامٌ أنَّهم كانوا مُعلَّقين بذوائبِهم بالثريَّا، وأنهم لم يكونوا وَلُوا شيئاً قط"[[٣]].

[٣] صحيح موارد الظمآن: ١٢٩٥. والذوائب: جمع ذُؤابَةٍ وهي الشعر المضفور من شعر الرأس " النهاية". والثريَّا؛ السماء، أو النجم في السماء.

وعنه، أنَّ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "ويلٌ للأمراء، ويلٌ للعُرَفاء، ويلٌ للأُمناء؛ ليتمنَّيَنَّ أقوامٌ يومَ القيامة أنَّ ذوائبَهم معلقةٌ بالثُّريَّا يُدَلْدَلُون بين السماء والأرض، وأنهم لم يَلوا عملاً"[[٤]].

[٤] أخرجه ابن حبان، والحاكم، صحيح الترغيب: ٢١٧٩.

العرفاء أو العريف؛ هو المختار الذي يمثل قومه أو بلدته أو منطقته عند السلطان الحاكم، ليعرِّفه على أحوالهم وحاجياتهم .. فيكون الوسيط بين من يمثلهم من الناس وبين الحاكم.

والأمناء؛ من يستأمنهم السلطان الحاكم على ولاية ورعاية وإدارة بعض المدن أو الأقطار .. ويُحمل كذلك على الجباة؛ الذين يجبون الزكاة والحقوق .. فهؤلاء كذلك أمناء.

وعنه، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ما مِن أميِر عشرةٍ، إلا وهو يُؤتَى به يوم القيامةِ مَغلولاً، حتَّى يَفُكَّه العدلُ، أو يوبقَهُ الجورُ"[[٥]].

[٥] رواه البيهقي في السنن، صحيح الجامع: ٥٦٩٥.

وعن عوف بن مالك، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إن شئتم أنبأتُكُم عن الإمارة؛ أولُها ملامَةٌ، وثانيها ندامَةٌ، وثالِثُها عذابٌ يومَ القيامةِ؛ إلا مَن عدَل"[[٦]].

[٦] رواه الطبراني في الكبير، صحيح الجامع: ١٤٢٠.

وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إنا والله لا نُولِّي على هذا العملِ أحداً سألَه، ولا أحداً حَرِصَ عليه" مسلم.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إنَّكُم ستَحرصون على الإمارةِ، وإنها ستكونُ ندامةً وحسرةً يومَ القيامةِ" البخاري.

وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال لي رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارةَ، فإنَّكَ إن أُعطِيتَها عن مَسألَةٍ وُكِّلتَ إليها، وإن أُعطِيتَها عن غيرِ مَسألَةٍ أُعِنتَ عليها" مسلم.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسُولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "تجدونَ مِن خيرِ النَّاسِ أشدَّهُم كراهيةً لهذا الأمرِ حتى يقعَ فيه" متفق عليه.

وعن ابن عباس قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أولُ هذا الأمرِ نبوةٌ ورحمةٌ، ثم يكونُ خلافةً ورحمةً، ثم يكونُ مُلكاً ورحمةً، ثم يَتكادَمونَ عليه تكادُمَ الحُمُرِ[[٧]]، فعليكم بالجهادِ، وإنَّ أفضلَ جهادِكم الرباطُ، وإنَّ أفضلَ رباطِكُم عَسْقلانُ"[[٨]].

[٧] أي يحرصون، ويتنافسون ويتدافعون على الإمارة كما تتدافع الحمير فيما بينها .. ونحن في هذا الزمان؛ زمن التكادم على الإمارة والزعامة والمناصب .. والحديث فيه فضل الرباط في فلسطين بعامة، ومدينة عَسقلان بخاصة.

[٨] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: ٣٢٧٠.

وعن مالك بن الحارث، عن رجلٍ قال: استعمل النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" رجلاً على سريَّةً، فلما مضى ورجع إليه قال له: "كيف وجدت الإمارة؟". فقال: كنت كبعض القوم؛ كنتُ إذا ركبتُ ركَبوا، وإذا نزلتُ نزَلوا، فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ صاحِبَ السلطانِ على بابِ عنَتٍ، إلا من عَصمَ اللهُ "جل جلاله". فقال الرجلُ: والله لا أعملُ لك ولا لغيرِكَ أبداً،" فضحِك النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" حتى بدَت نواجِذُه"[[٩]].

[٩] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: ٣٢٣٩. قوله " باب عنَتٍ"؛ أي باب مشقة وشدة وبلاء، وخطر. وقول الصحابي " لا أعملُ لك"؛ ليس من قبيل الاعتراض أو رد أمر النبي "صلى الله عليه وسلم" لو أمره بأمر .. وإنما من قبيل طلب السلامة .. والبعد بالنفس عن مواطن العنت والخطر!

وصلَّى اللهُ على محمدٍ النبيِّ الأُمِّي، وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم.