English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

ذَمُّ الحرصِ على الإمارةِ، وبيانُ أنها تكليفٌ ومسؤوليةٌ عظيمةٌ، وأنها يومَ القيامةِ خِزيٌ ونَدامَةٌ، إلا من أخذَها بحقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها

عن أبي ذَر، قال: قلت: يا رسولَ الله! ألا تَستعمِلُني؟ قال: فضربَ بيده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذر إنَّك ضعيفٌ، وإنها أمانَةٌ، وإنها يومَ القيامةِ خِزيٌ وندَامَةٌ، إلا مَن أخذَها بحقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها".

وفي رواية، قال له: "يا أبا ذَر إني أراكَ ضَعيفاً، وإني أُحبُّ لكَ ما أحبُّ لنفسي، لا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا توَلَّينَّ مالَ يتيم"[[١]].

[١] رواه مسلم. أقول: قد صح أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال في أبي ذر: "ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء، من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر، شبه عيسى بن مريم".

فإذا كان أبو ذر "رضي الله عنه"، وهو بهذه الصفات العظيمة النبيلة، ينصحه النبي "صلى الله عليه وسلم" بأن لا يلي أمر اثنين، لحري بمن كان أقل شأناً من أبي ذر أن لا يجترئ ويقتحم هذا الأمر الجلل العظيم .. وما أكثر الذين يعتبرون الإمارة في زماننا مغنماً يضحون في سبيلها كل غالٍ ونفيس .. ويسلكون لأجلها جميع الدروب ما صح منها وما لا يصح!

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ليتمنينَّ أقوامٌ ولُّوا هذا الأمر، أنهم خَرُّوا من الثريَّا، وأنَّهم لم يَلُوا شيئاً"[[٢]].

[٢] رواه أحمد، صحيح الجامع: ٥٣٦٠.

وعنه، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "ويلٌ للأمراء! ليتمنينَّ أقوامٌ أنَّهم كانوا مُعلَّقين بذوائبِهم بالثريَّا، وأنهم لم يكونوا وَلُوا شيئاً قط"[[٣]].

[٣] صحيح موارد الظمآن: ١٢٩٥. والذوائب: جمع ذُؤابَةٍ وهي الشعر المضفور من شعر الرأس " النهاية". والثريَّا؛ السماء، أو النجم في السماء.

وعنه، أنَّ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "ويلٌ للأمراء، ويلٌ للعُرَفاء، ويلٌ للأُمناء؛ ليتمنَّيَنَّ أقوامٌ يومَ القيامة أنَّ ذوائبَهم معلقةٌ بالثُّريَّا يُدَلْدَلُون بين السماء والأرض، وأنهم لم يَلوا عملاً"[[٤]].

[٤] أخرجه ابن حبان، والحاكم، صحيح الترغيب: ٢١٧٩.

العرفاء أو العريف؛ هو المختار الذي يمثل قومه أو بلدته أو منطقته عند السلطان الحاكم، ليعرِّفه على أحوالهم وحاجياتهم .. فيكون الوسيط بين من يمثلهم من الناس وبين الحاكم.

والأمناء؛ من يستأمنهم السلطان الحاكم على ولاية ورعاية وإدارة بعض المدن أو الأقطار .. ويُحمل كذلك على الجباة؛ الذين يجبون الزكاة والحقوق .. فهؤلاء كذلك أمناء.

وعنه، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ما مِن أميِر عشرةٍ، إلا وهو يُؤتَى به يوم القيامةِ مَغلولاً، حتَّى يَفُكَّه العدلُ، أو يوبقَهُ الجورُ"[[٥]].

[٥] رواه البيهقي في السنن، صحيح الجامع: ٥٦٩٥.

وعن عوف بن مالك، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إن شئتم أنبأتُكُم عن الإمارة؛ أولُها ملامَةٌ، وثانيها ندامَةٌ، وثالِثُها عذابٌ يومَ القيامةِ؛ إلا مَن عدَل"[[٦]].

[٦] رواه الطبراني في الكبير، صحيح الجامع: ١٤٢٠.

وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إنا والله لا نُولِّي على هذا العملِ أحداً سألَه، ولا أحداً حَرِصَ عليه" مسلم.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إنَّكُم ستَحرصون على الإمارةِ، وإنها ستكونُ ندامةً وحسرةً يومَ القيامةِ" البخاري.

وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال لي رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارةَ، فإنَّكَ إن أُعطِيتَها عن مَسألَةٍ وُكِّلتَ إليها، وإن أُعطِيتَها عن غيرِ مَسألَةٍ أُعِنتَ عليها" مسلم.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسُولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "تجدونَ مِن خيرِ النَّاسِ أشدَّهُم كراهيةً لهذا الأمرِ حتى يقعَ فيه" متفق عليه.

وعن ابن عباس قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أولُ هذا الأمرِ نبوةٌ ورحمةٌ، ثم يكونُ خلافةً ورحمةً، ثم يكونُ مُلكاً ورحمةً، ثم يَتكادَمونَ عليه تكادُمَ الحُمُرِ[[٧]]، فعليكم بالجهادِ، وإنَّ أفضلَ جهادِكم الرباطُ، وإنَّ أفضلَ رباطِكُم عَسْقلانُ"[[٨]].

[٧] أي يحرصون، ويتنافسون ويتدافعون على الإمارة كما تتدافع الحمير فيما بينها .. ونحن في هذا الزمان؛ زمن التكادم على الإمارة والزعامة والمناصب .. والحديث فيه فضل الرباط في فلسطين بعامة، ومدينة عَسقلان بخاصة.

[٨] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: ٣٢٧٠.

وعن مالك بن الحارث، عن رجلٍ قال: استعمل النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" رجلاً على سريَّةً، فلما مضى ورجع إليه قال له: "كيف وجدت الإمارة؟". فقال: كنت كبعض القوم؛ كنتُ إذا ركبتُ ركَبوا، وإذا نزلتُ نزَلوا، فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ صاحِبَ السلطانِ على بابِ عنَتٍ، إلا من عَصمَ اللهُ "جل جلاله". فقال الرجلُ: والله لا أعملُ لك ولا لغيرِكَ أبداً،" فضحِك النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" حتى بدَت نواجِذُه"[[٩]].

[٩] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: ٣٢٣٩. قوله " باب عنَتٍ"؛ أي باب مشقة وشدة وبلاء، وخطر. وقول الصحابي " لا أعملُ لك"؛ ليس من قبيل الاعتراض أو رد أمر النبي "صلى الله عليه وسلم" لو أمره بأمر .. وإنما من قبيل طلب السلامة .. والبعد بالنفس عن مواطن العنت والخطر!

وصلَّى اللهُ على محمدٍ النبيِّ الأُمِّي، وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم.