English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

الحقوق متبادلة بين الحاكِم والمحكوم

الحقوق متبادلة بين الحاكِم والمحكوم؛ فمن لوازم أداء المحكوم لحقوقِ الحاكمِ أن يؤدِّي الحاكِمُ حقَّ المحكومِ والرعيَّة عليه، فالحقوق لا تُعطَى من طرفٍ واحدٍ وحسب وإنما تُعطى من الطرفين للطرفين

ومِن حقِّ الرعيَّةِ على الحاكِم، أن يَحكم فيهم بالسويَّة والعدل، وبما أنزلَ الله، وأن يُحِطَهُم بالنُّصْحِ والرِّعاية، والحماية، وأن يُجاهِد عنهم وعن حرماتهم العدوَّ، وأن يَقلقَ لراحتهم وخدمتهم، وأن يكون رحيماً رفيقاً بهم، لا يُغلِق بابَه دُونَ حاجَتِهم، وفقرائهم وضعفائهم.

عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "ألا كُلُّكُم راعٍ، وكُلكُم مسؤولٌ عن رعيَّتِه؛ فالإمامُ الأعظمُ الذي على الناسِ راعٍ وهو مَسؤولٌ عن رعيتِه[[١]]، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتهِ وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِه، والمرأةُ راعيةٌ على أهلِ بيتِ زوجِها وولدِه وهي مسؤولةٌ عنهم، وعبدُ الرجُلِ راعٍ على مالِ سيِّدِه وهو مسؤولٌ عنه، ألا فَكلُّكم راعٍ وكُلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّته"متفق عليه.

[١] مسؤول عن رعيته؛ هل أحاطهم بالنصح والرعاية، والحماية .. وحكمهم بقانون العدل .. وهل أدى لهم كامل حقوقهم عليه .. أم أنه فرَّط بما يجب عليه نحوهم .. وحكمهم بقوانين الظلم والكفر!

عن معقل بن يسار، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ما مِن عبدٍ يَسترعيهُ اللهُ رعيَّةً، فلَم يُحِطْها بِنُصحِه لم يجدْ رائحةَ الجنَّةِ "متفق عليه.

وعنه، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "ما مِن والٍ يَلي رعيَّةً من المسلمين فيموت وهو غاشٌّ [[٢]] لهم إلا حرَّمَ اللهُ عليه الجنَّةَ "متفق عليه.

[٢] من غش الحاكم لرعيته أن يزين لهم الفساد والفجور، والحكم بالقانون الجاهلي الوضعي .. وأن يختار لهم الذي هو أدنى فيما يُخير فيه .. وأن يجعل البلاد وثرواتها وخيراتها لقمة سائغة سهلة لأعداء الأمة وعُرضة للنهب والسلب وكذلك أن يهمل إعداد القوة التي ترهب العدو، وتردعه من التطلع للاعتداء على بلاد وحرمات المسلمين

وفي روايةٍ لمسلم: "ما من عبدٍ يَسترعيَه اللهُ رعيَّةً، يموتُ يومَ يموت وهو غاشٌ لرعيَّتِه، إلا حرَّمَ اللهُ عليه الجنَّة".

وفي رواية: "أيما راعٍ استرعى رعيةً فغشَّها فهو في النَّار".

وعنه، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" : "رجُلانِ ما تنالهما شفَاعتي: إمامٌ ظَلومٌ غَشُومٌ[[٣]]، وآخرُ غالٍ في الدينِ مارقٌ منهُ"[[٤]].

[٣] الغشوم هو الذي يخبط الناس خبطاً فيأخذ منهم كل ما يقدر عليه؛ ما يحق له ومالا يحق. و المراد من الحديث؛ أي الحاكم الظالم الذي يعدو على أموال الناس وحقوقهم فيأخذها منهم غصباً، ومن دون أن يتحرى ما يحق له ومالا يحق؛ كحاطب ليل!

[٤] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: ٤١.

وعن خالد بن الوليد، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أشدُّ الناسِ عذاباً للناس في الدُّنيا، أشدُّ الناسِ عَذاباً عندَ الله يومَ القيامَة"[[٥]].

[٥] رواه البيهقي، صحيح الجامع: ٩٩٨.

وعن أبي سعيدٍ، قال: قالَ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أشدُّ الناسِ يومَ القيامةِ عذاباً، إمامٌ جائرٌ"[[٦]].

[٦] رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى في مسنده، صحيح الجامع: ١٠٠١.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أربعةٌ يبغضُهم اللهُ "سبحانه وتعالى": البيَّاع الحلاَّف، والفقيرُ المختالُ، والشيخُ الزَّاني، والإمامُ الجائِرُ"[[٧]].

[٧] رواه النسائي، وابن حبان، السلسلة الصحيحة: ٣٦٣.

وعن سلمان قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: الشيخُ الزَّاني، والإمامُ الكذَّاب، والعائلُ المَزهُوّ"[[٨]].

[٨] أخرجه البزَّار في مسنده، السلسلة الصحيحة: ٣٤٦١.

وعن عائذ بن عمرو، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إنَّ شَرَّ الرُّعاءِ الحُطَمَة [[٩]]" مسلم.

[٩] الذي يظلم الرعية ويبطش بهم، ويسلك معهم مسلك العنف والشدة.

وعن معاوية، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "لا تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لا يُقضَى فيها بالحقِّ، ولا يأخذُ الضعيفُ حقَّهُ من القويِّ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ"[[١٠]].

[١٠] أخرجه الطبراني، صحيح الترغيب: ٢١٩١.

قلت: العادة في ظل الأنظمة الظالمة أن الضعيف لا يمكن أن يأخذ أو يُطالب بحقه من القوي ـ وبخاصة إن كان هذا القوي من ذوي النفوذ والسلطان ـ إلا وهو خائف ترتجف شفتيه وأوصاله .. تخرج منه كلماته وهو يتعتع لشدة خوفه من مخاصمة القوي في ساحات القضاء .. وخوفاً من أن تنعكس عليه هذه المخاصمة بمزيد من الشر، وضياع الحقوق .

هذا إذا كان لا يستطيع أن يتحصل على حقه إلا وهو يتعتع .. فكيف إذا كان لا يستطيع أن يتحصل على حقه مطلقاً لا هو متعتع ولا غير ذلك .. ولو حاول يُغيب في سجون الظالمين. عندما تصل الأمة إلى هذا الموصل من الظلم فإن الله تعالى لا يقدسها ولا يباركها!

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إنما الإمامُ جُنَّةٌ[[١١]] يُقاتَل من ورائِه، ويُتَّقَى به، فإن أمَرَ بتقوى الله وعدَلَ فإنَّ له بذلك أجراً، وإن أمرَ بغيرِه فإنَّ عليه وِزراً" متفق عليه.

[١١] أي واقٍ يُحتمى به من العدو؛ ومنه نعلم أن للخليفة صفات ومهام عِظام يُعرف بها وتُعرف به .. مهما عجز عنها أو انتفت عنه لم يعد يستحق وصف الخليفة والإمام .

وهذا يعني أنه ليس من السهل أو المستساغ شرعاً وعقلاً أن يزعم أي امرئٍ من الأمة ـ يعيش ظروف القهر والذل والاستضعاف، لا يستطيع أن يحمي نفسه من العدو فضلاً عن أن يحمي الأمة أو من يرعاهم ويحكمهم ـ بأنه الخليفة العام للمسلمين .. حقه على المسلمين كل المسلمين البيعة على السمع والطاعة، ومن لا يفعل فهو آثم، وإن مات على ذلك مات ميتة جاهلية!

وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "ما مِن رجلٍ يلي أمرَ عشرةٍ فما فوق ذلك، إلا أتى اللهَ مَغلولاً يدَه إلى عُنِقِه، فَكَّهُ برُّهُ، أو أوثقَهُ إثمُه، أولها ملامةٌ، وأوسَطُها ندامةٌ، وآخِرُها خِزيٌ يومَ القيامة"[[١٢]].

[١٢] رواه أحمد، صحيح الجامع: ٥٧١٨.

وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "ما من أميرٍ يلي أمرَ المسلمين، ثم لا يجهدُ لهم ويَنصح، إلا لم يدخلْ معهم الجنَّة" مسلم.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسُهم الأنبياءُ، كلما هلَكَ نبٌّي خلفَه نبي، وإنَّه لا نبيَّ بعدي، وسيكون خُلفاء، فيكثرون"، قالوا: فما تأمرُنا؟ قال: "فُوا بيعةَ الأولِ فالأول، أعطوهم حقَّهم، فإن الله سائلَهم عمَّا استرمل استرعاهم" متفق عليه.

وعن عائشةَ، قالت: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "اللهمَّ من وليَ من أمرِ أمَّتي شيئاً فشقَّ عليهم فاشقُقْ عليه، ومَن وليَ من أمرِ أمتي شيئاً فرفَقَ بهم، فارفُقْ به" مسلم.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إن المُقْسِطين عندَ اللهِ على منابِر من نورٍ عن يمين الرحمن، وكلتا يَدَيه يمين، الذين يَعدلون في حُكمِهم، وأهلِيهم، وما وُلُّوا" مسلم.

وعن عياض بن حِماد، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "أهلُ الجنةِ ثلاثةٌ: ذُو سلطانٍ مُقسِطٌ[[١٣]] مُتصدِّقٌ مُوفَّقٌ، ورجلٌ رقيقُ القلبِ لكلِّ ذِي قُربى ومُسلم، وعَفِيفٌ مُتعفِّفٌ ذُو عِيالٍ"[[١٤]].

[١٣] أي عادل يحكم بالعدل، وينصف رعيته؛ فيؤدي ما لهم من الحقوق.

[١٤] رواه أحمد، ومسلم، صحيح الجامع: ٢٦٣٧.

وعن معاوية بن أبي سفيان ، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "يكونُ أمراءٌ فلا يُرَدُّ عليهم قولُهم[[١٥]]، يَتهافَتون في النَّار، يَتْبَعُ بَعضُهم بَعضاً"[[١٦]].

[١٥] أي لا يجرؤ أحد من الرعية أن يعقب على قولهم وحكمهم؛ لشدة ظلمهم وتجبرهم وطغيانهم، فهم لا يقبلون رأياً أو قولاً يُخالف رأيهم وقولهم .. فهم فوق التعقيب أو المساءلة .. وما أكثر هؤلاء الطواغيت في زماننا المعاصر!

[١٦] رواه أبو يعلى، السلسلة الصحيحة: ١٧٩٠.

وعن عروة، أن حكيم بن حُزام مرَّ بعمير بن سعد وهو يعذِّب الناسَ في الجِزيةِ في الشمس، فقال: يا عُمير إني سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إنَّ اللهَ يُعذِّبُ الذين يُعذِّبون الناسَ في الدنيا". اذهَبْ فخلِّ سبيلَهم[[١٧]].

[١٧] صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: ١٣٠٠. في هذا الحديث وغيره رد على بعض ذوي الفهم السقيم الذين يزعمون بأن الرحمة ينبغي أن تكون محصورة بين المسلمين بعضهم مع بعض .. من دون أن تمتد لتشمل غيرهم .. قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء: ١٠٧.