English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

النهي عن تعذيبِ الحيوانات والدواب، وتكليفها ما لا تُطيق

النهي عن تعذيبِ الحيوانات والدواب، وتكليفها ما لا تُطيق، أو استخدامها بطريقة خاطئة، أو قتلها عبَثاً من غير سببٍ يستدعي قتلها.

عن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "أخِّروا الأحمالَ على الإبل؛ فإن اليدَ معلَّقةٌ والرِجلَ موثَقَةٌ"[[١]].

[١] رواه أبو القاسم بن الجراح في المجلس السابع من " الأمالي " وغيره، السلسلة الصحيحة: ١١٣٠.

وعن أنس بن مالك قال: "كنَّا إذا نزلنا منزلاً، لا نُسبِّح حتى نَحُلَّ الرِّحال"[[٢]].

[٢] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٢٤. وقوله " لا نسبح حتى نحل الرحال"؛ أي لا ننشغل بصلاة الضحى، وغيرها من النوافل إلا بعد أن ننزل الرحال عن ظهور الإبل وغيرها من البهائم التي يرتحل عليها، طلباً لراحتها، ورفقاً بها، ومراعاة لحقها.

وعن جابر: أنَّ النبي "صلى الله عليه وسلم" مُرَّ عليه بحمار قد وُسِمَ في وجهه، فقال: "أما بلَغَكُم أني قد لعنتُ من وسَمَ البهيمةَ في وجهها، أو ضربها في وجهها؟" فنهى عن ذلك[[٣]].

[٣] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٣٥. والوسم؛ أثَر الكيِّ لتُميَّز به الدواب عن غيرها.

وعن ابن عمر، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم": "أمر بحدِّ الشِّفار، وأن تُوارى عن البهائم، وإذا ذبح أحدكم؛ فليُجهِز"[[٤]].

[٤] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: ٣١٣٠.

وعن أنس، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "اركبوا هذه الدَّوابَ سالمةً، وايتدِعوها سالمةً، ولا تتخذوها كراسِيَّ"[[٥]].

[٥] أخرجه الجاكم، والبيهقي، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٢١. وقوله " ولا تتخذوها كراسي"؛ أي مقاعد، للراحة والسمر، لغير أغراض التنقل والسفر .. ففي الأرض غناً عن ذلك. وقوله " اركبوا هذه الدَّوابَ سالمةً"؛ فيه نهي عن استخدامها أو ركوبها وهي مريضة.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إيَّاكم أن تتخذوا ظهورَ دوابِّكم منابِرَ؛ فإن اللهَ إنما سخَّرها لكم لتبلغكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بِشِقِّ الأنفُسِ، وجعل لكم الأرضَ؛ فعليها فاقضوا حاجاتكم"[[٦]].

[٦] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٣٨.

وعن سهل بن الحنظليَّة، قال: مرَّ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" ببعيرٍ قد لحقَ ظهرَه ببطنِه، فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم المُعجمَة؛ فاركبوها صالحةً، وكلوها صالحةً"[[٧]].

[٧] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٢١.

عن عبد الله بن جعفر، قال: دخل النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" حائطاً لرجلٍ من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبيَّ "صلى الله عليه وسلم"؛ حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبيُّ "صلى الله عليه وسلم"، فمسَحَ ذَفرَاه، فسكَتَ، فقال: "من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟!"، فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسولَ الله! فقال: "أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكَكَ اللهُ إيَّاها، فإنه شكا إليَّ أنك تُجيعهُ وتُدئِبه"[[٨]].

[٨] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٢٢. قوله " فمسح ذفراه"؛ أي ذفر دمعه عن موضعه. وقوله " وتُدئبه"؛ أي وتتعبه في العمل، وتكلفه فوق طاقته.

عن ابن عباس، قال: مرَّ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" على رجل واضعٌ رجلَه على صَفحَةِ شاة، وهو يحدُّ شفرَته، وهي تلحظُ إليه ببصرها، فقال: "أفلا قبلَ هذا؟! أتُريد أن تُميتها موتتين؟!"[[٩]].

[٩] رواه الطبراني في الكبير، وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٤. قوله " على صفحة شاة"؛ أي على عنق شاة .. والشاة التي تلحظ ذابحها وهو يحد شفرته ليذبحها .. يُميتها قبل أن يذبحها .. ويجعلها تعيش ألم الموت ومصيره قبل أن تموت .. وهذا ليس من الرفقق والإحسان إليها؛ لذا ورد النهي عن ذلك.

ومن العادات الخاطئة التي تُذكر فيما يتعلق بعملية الذبح، أنني رأيت في السودان ـ في عهد حكم المهدي ـ أناساً يذبحون الثيران في المكان المخصص للذبح، بعد أن يجتمع على الثور الواحد مجموعة من الرجال بيد كل واحد منهم عصاة غليظة يضربونه بها على رأسه إلى أن يقع على الأرض مغمياً عليه .. ثم بعد ذلك يُجهزون عليه .

وهذه طريقة ظالمة قاسية .. تتنافى مع تعاليم الإسلام، ومع الرحمة والرفق والإحسان الذي أمرنا به تجاه البهائم . ثم أن الثور من الممكن أن يموت بسبب هذا الضرب قبل أن يُذبح .. فحينئذٍ يحرم أكله، ويصبح حكمه حكم الميتة .. نذكر ذلك رجاء أن يتنبه المسلمون في السودان لمثل هذه الممارسات الخاطئة، ويعنوها اهتمامهم، وهم أهل لكل رفقٍ وإحسان.

وفي رواية: "أتريدُ أن تُميتَها موتات؟! هلاَّ حدَدتَ شفرَتَك قبلَ أن تَضجَعها ؟!"[[١٠]].

[١٠] أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/٢٣١، وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.

وعن عبد الله بن عمر، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "عُذِّبت امرأةٌ في هرَّةٍ سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها ولا سقتها إذْ حبستها، ولا هي تركتها تأكلُ من خشَاشِ الأرض"[[١١]] متفق عليه.

[١١] خشاش الأرض؛ أي هوامِّها وحشراتها. " النهاية". وفي الحديث وعيد شديد لمن يحبس عنده في البيت شيئاً من تلك الحيوانات والبهائم، كالطيور، والأسماك وغيرها .. ليتمتع برؤيتها .. ثم هو يقصِّر في خدمتها، وإطعامها!

وعن أسماء بنت أبي بكر: أنََّ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" صلَّى صلاةَ الكُسوف، فقال: "دنَت منِّي النارُ، حتى قلت: أي رَبِّ وأنا معهم، فإذا امرأةٌ تخدشُها هِرَّةٌ، فقال: ما شأنُ هذه؟ قالوا: حبَسَتْها حتى ماتتْ جُوعاً؛ لا أطعَمَتها ولا أرسَلَتْها تأكُلُ من خَشَاشِ الأرض" البخاري.

عن أبي الدرداء، عن النبي "صلى الله عليه وسلم": "لو غُفِر لكم ما تأتون إلى البهائم لغُفِر لكم كثيراً"[[١٢]].

[١٢] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٥١٤. والمراد من الحديث أن الله تعالى لو غفر لابن آدم تقصيره بحقوق الحيوانات، وما يتسببه لها من أذى وضرر لغفر له كثيراً من ذنوبه وخطاياه.

عن سوادة بن الربيع، قال: أتيت النبي "صلى الله عليه وسلم"، وأمر لي بذَود، قال لي: "مُرْ بنيك أن يقصوا أظافِرَهم عن ضروعِ إبلهم ومواشِيهم"، وقل لهم: "فليحتلبوا عليها سِخَالها، لا تدركها السَّنَةُ وهي عِجَافٌ"[[١٣]].

[١٣] أخرجه البخاري في التاريخ، السلسلة الصحيحة: ١٩٣٦. الذود؛ الإبل. وقوله " لا تدركها السَّنَةُ وهي عِجَافٌ"؛ أي لا ينبغي أن تبلغ السِّخال ابناء المواشي السنة وهي ضعيفة؛ إذ يجب أن تُعطى حقها من الرضاعة، ومن حليب أمهاتها. والأمر بقص الأظافر عند ضروع الإبل والمواشي؛ أي عند احتلابها، وحتى لا تتأذى الضروع بأظافر حالبها.

عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إذا باع أحدُكم الشاةَ واللِّقحة؛ فلا يُحفِّلها"[[١٤]].

[١٤] صحيح سنن النسائي: ٤١٧٨. وقوله " فلا يُحفِّلها"؛ أي لا يتركها أياماً من غير احتلاب، فينتفخ ضرعها، فيحسبها المشتري غزيرة الحليب، وهي ليست كذلك. ثم أن احتباس الحليب في الضرع من غير احتلاب فيه أذى للشاة ذاتها.

وعن عبد الله بن مسعود: أنَّ النَّبي "صلى الله عليه وسلم" نزل منزلاً فأخذ رجلٌ بيضَ حُمَّرة، فجاءت تَرِفُّ على رأسِ رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: "أيُّكم فَجَعَ هذه بيضتها؟" فقال رجل: يا رسولَ الله أنا أخذتُ بيضتها، فقال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم": "اردُدْهُ؛ رحمةً لها"[[١٥]].

[١٥] صحيح الأدب المفرد: ٢٩٥. والحُمّرة؛ طائر صغير أحمر اللون.

وفي رواية عنه، قال: كنا مع رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" في سفرٍ، فانطلَقَ لحاجته، فرأينا حُمَّرةً معها فرخان، فأخذنا فرخَيها، فجاءت الحمَّرة فجعلت تَفرشُ، فجاء النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" فقال: "مَن فجعَ هذه بولدها؟ رُدُّوا ولَدَها إليها"، ورأى قرية نملٍ قد حرقناها، فقال: "من حرَقَ هذه؟"، قلنا: نحنُ، قال: "إنه لا ينبغي أن يُعذِّبَ بالنارِ إلا ربُّ النار"[[١٦]].

[١٦] صحيح سنن أبي داود: ٢٣٢٩.

وعن أبي هريرة، عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "أنَّ نملةً قرصَت نبياً من الأنبياء، فأمرَ بقريَّة النَّملِ فأُحرِقَت، فأوحى الله "سبحانه وتعالى" إليه: أفي أنْ قَرصَتْكَ نملةٌ، أهلكتَ أمَّةً من الأممِ تُسَبِّحُ" متفق عليه.

وعنه، أن النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "نزلَ نبيٌّ من الأنبياء تحتَ شجرةٍ، فلدَغَتْهُ نملةٌ، فأمرَ بجهازه، فأُخرِجَ مِن تحتِها، ثم أمرَ بها فأُحرِقت، فأوحى اللهُ إليه: فهَلاَّ نملةً واحدةً [[١٧]]" مسلم.

[١٧] أي فهلا عاقبت نملة واحدة التي لدغتك وحسب .. وقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} الأنعام:١٦٤. كما يُحمل على الإنسان، فإنه يُحمل على التعامل مع الحيوانات والبهائم كذلك.

وفي رواية، عن الحسن: "نزل نبي من الأنبياء تحت شجرةٍ، فلدغته نملةٌ، فأمرَ ببيتهنَّ فحُرق على ما فيها، فأوحى الله إليه: فهَلاَّ نملةً واحدةً"[[١٨]].

[١٨] قال الشيخ ناصر: صحيح مقطوع، صحيح سنن النسائي " ٤٠٦٦".

وعن عبد الله بن عباس، قال: "إنَّ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" نهى عن قتل أربعٍ من الدواب: النَّملةُ، والنَّحْلةُ، والهُدهُد، والصُّرَد"[[١٩]].

[١٩] صحيح سنن أبي داود: ٤٣٨٧. والصرد؛ هو طائر ضخم الرأس والمِنقار، له ريشٌ عظيم، نصفه أبيض، ونصفه أسود " النهاية".

وعن أبي هريرة قال: "نهى رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" عن قتلِ الصُّرَدِ، والضُّفدَعِ، والنملَةِ، والهُدهد"[[٢٠]].

[٢٠] صحيح سنن ابن ماجه: ٢٦٠٨.

وعن هشام بن زيدٍ قال: دخلتُ مع أنسٍ على الحَكَم بن أيوب، فرأى غلماناً أو فتياناً نصبوا دجاجةً يرمونَها، فقال أنَس: "نهى النبيُّ أن تُصْبَرَ البهائمُ"[[٢١]] متفق عليه.

[٢١] قوله " أن تُصبر"؛ أي أن تكون غرضاً وهدفاً للرمي؛ فتقتل صبراً!

وعن ابن عمر، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إن أعظمَ الذنوبِ عند الله رجلٌ تزوَّجَ امرأةً، فلمَّا قضى حاجتَه منها طلَّقها وذَهبَ بمهرها، ورجلٌ استعملَ رجلاً فذهبَ بأجرته، وآخَرُ يقتلُ دابَّةً عَبَثاً"[[٢٢]].

[٢٢]أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: ٩٩٩. قلت: ومن قتلِ الدواب عبثاً؛ قتلها من أجل متعة الصيد، أو تجريب السلاح، ونحو ذلك مصارعة الثيران، كما يفعل ذلك كثير من الناس في زماننا!

وعن عبد الله بن عمر أنه دخلَ على يحيى بن سعيد، وغلامٌ من بني يحيى رابطٌ دجاجةً يرميها، فمشى إليها ابن عمرَ حتَّى حلَّها، ثم أقبلَ وبالغلام معهُ فقال: ازجروا غلامَكُم عن أن يَصْبِرَ هذا الطيرَ للقتلِ، فإني سمعتُ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم": "نهى أن تُصبَرَ بهيمةٌ أو غيرُها للقتل [[٢٣]]" متفق عليه.

[٢٣] قلت: يُستفاد من هذا الحديث وغيره، حرمة إقامة حد القتل على المحدود رمياً بالرصاص، كما هو دارج في زماننا المعاصر؛ لأنه من القتل صبراً، وقد نهى النبي "صلى الله عليه وسلم" عن ذلك، كما في الحديث أعلاه، وفي قوله "صلى الله عليه وسلم" في صحيح مسلم وغيره: "لا تتخذوا شيئاً فيه الروحُ غرَضاً"؛ أي غرضاً وهدفاً للرمي، والله تعالى أعلم.

وعن سعيد بن جُبير، قال: كنتُ عند ابن عمرَ، فمرُّوا بِفتيةٍ أو نفرٍ، نصبوا دجاجةً يرمونَها، فلما رأَوا ابن عمر تفرَّقوا عنها. وقال ابن عمر: "من فعلَ هذا؟! إنَّ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" لعَنَ مَن فعلَ هذا" متفق عليه.

وفي رواية عنه: "لعنَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" مَن مثَّلَ بالحيوان" متفق عليه.

وعن عبد الله بن جعفر قال: مرَّ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" على أناسٍ وهم يرمون كَبشَاً بالنبلِ، فكره ذلك، وقال: "لا تُمثِّلوا بالبهائمِ"[[٢٤]].

[٢٤] صحيح سنن النسائي: ٤١٣٧.والتمثيل بالبهيمة، يكون بتشويه جثتها بعد موتها لغير ضرورة أكلها .. فحقها محفوظ .. وحرمتها مصانة في الإسلام وهي حية وبعد موتها .. فهل بلغ دعاة حقوق الحيوان في زماننا المعاصر هذا المبلغ، وهذه الدرجة من الاهتمام بالحيوان وحقوقه؟!

وفي الأثر، عن المسيب بن دار، قال: رأيتُ عمرَ بن الخطاب "رضي الله عنه" ضرَبَ جمَّالاً، وقال: لِمَ تحملُ على بعيرك مالا يُطيق؟!

وعن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب: أن رجلاً حدَّ شفرة، وأخذ شاةً ليذبحها، فضربَهُ عمرُ بالدُّرَّةِ وقال: أتعذِّبُ الروحَ، ألا فعلتَ هذا قبل أن تأخذَها؟!

وعن محمد بن سيرين أن عمرَ "رضي الله عنه" رأى رجلاً يجرُّ شاةً ليذبحها فضربه بالدُّرَّةِ وقال: سقها ـ لا أمَّ لك ـ إلى الموتِ سَوقاً جميلاً.

وعن وهب بن كيسان أن ابن عمر رأى غنماً في مكانٍ قبيح، وقد رأى ابن عمر مكاناً أمثلَ منه، فقال ابن عمر: ويحكَ يا راعي حوِّلها، فإني سمعت النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" يقول: "كلُّ راعٍ مسؤولٌ عن رعيته".

وعن معاوية بن قرة قال: كان لأبي الدرداء جمل يُقال له" دمون"، فكان إذا استعاروه منه قال: لا تحملوا عليه إلا كذا وكذا؛ فإنه لا يطيق أكثر من ذلك، فلما حضرته الوفاة قال: يا دمون لا تخاصمني غداً عند ربي، فإني لم أكن أحمل عليك إلا ما تُطيق!

وعن أبي عثمان الثقفي قال: كان لعمر بن عبد العزيز "رضي الله عنه" غلام يعمل على بغلٍ له يأتيه بدرهم كل يوم، فجاء يوماً بدرهم ونصف، فقال: أما بَدا لك؟ قال: نفقت السوق، قال: لا ولكنك أتعبت البغل؛ أجمّه ثلاثةَ أيام![[٢٥]].

[٢٥] أي دعه يتجمم ويستريح ثلاثة أيام .. لأنك أجهدته بالعمل، بدليل أن انتاجه اليوم زاد نصف درهم عن بقية أيامه الأخرى!

قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، وبعد أن ذكر الآثار أعلاه ١/٣٧:

تلك هي بعض الآثار التي وقفت عليها حتى الآن، وهي تدل على مبلغ تأثر المسلمين الأولين بتوجيهات النبي "صلى الله عليه وسلم" في الرفق بالحيوان، وهي في الحقيقة قل من جُل ونقطة من بحر، وفي ذلك بيان واضح أن الإسلام هو الذي وضع للناس مبدأ الرفق بالحيوان

خلافاً لما يظنه بعض الجهال بالإسلام أنه من وضع الكفار، بل ذلك من الآداب التي تلقوها عن المسلمين الأولين، ثم توسعوا فيها، ونظموها تنظيماً دقيقاً، وتبنتها دولهم حتى صار الرفق بالحيوان من مزاياهم اليوم، حتى توهم الجهال أنه من خصوصياتهم، وغرَّهم في ذلك أنه لا يكاد يرى هذا النظام مطبقاً في دولة من دول الإسلام، وكانوا هم أحق بها ا- هـ.

قلت: لو كانت هذه الدول التي سماها الشيخ بدول الإسلام! اقتصر تقصيرها وظلمها على التفريط بحقوق الحيوان لهان الخطب، وخفَّ المصاب؛ فهي فيما يتعلق بحقوق الإنسان أكثر تفريطاً وظلماً من تفريطها بحقوق الحيوان .. لذا فهي تعيش ذروة التخلف والجهل، والفقر، والذل، والانحطاط، والتبعية للغير، وبصورة لم تعرفها الأمة من قبل .

ولكي تُعاد الدولة والسيادة والريادة والخلافة للمسلمين من جديد لا بد أن يتفوقوا أولاً ـ عملاً وتطبيقاً ـ على غيرهم من الشعوب والملل والأمم بالعدل، والرفق، والرحمة، والمجالات الإنسانية .. قبل أن يتفوقوا عليهم، أو يُنافسوهم في الماديات والمجالات الاقتصادية والتصنيعية .. والتطاول في العمران .. إذ أن من سنن الله تعالى في خلقه أن يجعل التمكين في الأرض حليفاً للعدل، وللقائمين بالعدل، والحاكمين بالعدل، ولو كانوا من غير المسلمين!

نحن نملك رصيداً قِيَمِيَّاً، وثقافياً، وحضارياً ضخماً ما لا يملكه غيرنا .. لكن ما قيمة ذلك وأثره في حياتنا إن لم يُرافقه عمل، وتطبيق، وتنفيذ والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} الصف:٢-٣.

نحن لم نفقد العمل بذلك الرصيد الضخم وحسب .. بل فقدنا حتى الاحترام لذلك الرصيد .. ونتعامل معه أمام الآخرين على استحياء وخجل .. ولكي يُعاد المجد كما كان .. وتُعاد للأمة هيبتها ومكانتها بين الأمم .. لا بد أولاً من أن يعود الاحترام لذلك الرصيد، ويعود العمل به معاً .. وإلا فلا نرجو قائمة مما نحن فيه من ذل وتخلف وهوان .. فنحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فإذا ما ابتغينا العزة بغيره أذلَّنا الله!