English Français Español Русский العربية português हिन्दी বাংলা اردو More languages▾ Site Index

حقوق الحيوانات

حُقوق الحيوانات[[١]].

[١] اعلم أن الحيوانات بكل أنواعها وأصنافها؛ الطائر منها والذي يدب على الأرض .. وما يعيش في أعماق البحار والأنهار .. أمم ـ مثل الأمم الإنسية ـ لها نظامها، وعاداتها، ولغتها الخاصة بها، وطريقتها في الحياة، تحس، وتشعر، وتُحب، وتكره، وتتألم وتحزن وتفرح .. وتفهم الفهم الغريزي الذي يمكنها من أداء وظيفتها ورسالتها في هذه الحياة .. لم يُخلَقوا عبَثاً؛ بهم تكتمل الحياة وتحلو، وتزيَّن .. وهم متفاوتون فيما بينهم في درجة الفهم والإدراك

وجميعها قد فُطرت على عبادة الله تعالى وتوحيده؛ ليس منهم إلا المؤمن الموحد؛ فكلهم مؤمنون موحدون، يستغفرون، ويدعون، ويسبحون بحمد ربهم، كما قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} الإسراء:٤٤.

فالحيوانات من هذا الوجه أهدى سبيلاً من الكافر المشرك الذي ضلَّ وأعرض عن عبادة الله تعالى وتوحيده، على ما أوتي من نعمة العقل، والتفكير، وحرية الاختيار، فعطَّل بإرادته الانتفاع بما منَّ الله تعالى عليه من نِعَم، كما قال تعالى:

{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف:١٧٩.

وقال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} الفرقان:٤٤.

هذه المعاني وغيرها ستتضح بصورة أوسع عند الوقوف على مجموع النصوص الشرعية التي سنأتي على ذكرها ـ بإذن الله ـ والخاصة بهذا الحق، حق الحيوانات على الإنسان .. وهذا يستدعي منك ـ يا عبد الله ـ أن تتعامل بمسؤولية عالية، ورحمة ورفق مع كل ما يحيط بك أو تُصادفه في حياتك من الحيوانات والدواب.

قال تعالى "سبحانه وتعالى": {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} الأنعام:٣٨.

وقال تعالى "جل جلاله": {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} النور:٤٥.

وقال تعالى "عز وجل": {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} المؤمنون:٢١.

وقال تعالى "سبحانه وتعالى": {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} النحل:٥.

وقال تعالى "جل وعلا": {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} الغاشية:١٧.

وقال تعالى "عز وجل": {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} النحل:٨.

وقال تعالى "سبحانه وتعالى": {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} النور:٤١.

وقال تعالى "جل جلاله": {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} الملك:١٩.

وقال تعالى "عز وجل": {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} النمل:١٨.

وقال تعالى "سبحانه وتعالى": {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} النحل:٦٨.

وقال تعالى "جل جلاله": {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} النمل:٢٠-٢٦[[٢]].

[٢] هذا الهدهد لو كنا ممن يفهمون لغته، لصلح أن يكون معلماً وواعظاً في التوحيد والعقيدة لكثير من شيوخ ودعاة هذا الزمان!

وقال تعالى "سبحانه وتعالى": {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} الكهف:١٨[[٣]].

[٣] وغيرها كثير من الآيات قد أتت على ذكر الحيوانات والدواب .. ولأهمية هذا العالَم ـ عالم الحيوانات ـ وإكرام الله له .. قد سُميت أكثر من سورة في القرآن الكريم بأسماء بعض الحيوانات: كسورة البقرة، والنحل، والنمل، والعنكبوت، والعاديات، والفيل.

عن شَدَّاد بن أوسٍ، قال: ثنتان حفظتُهما عن رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" ، قال: "إن الله كتبَ الإحسانَ على كل شيءٍ؛ فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلَةَ، وإذا ذبحتُم فأحسِنوا الذَّبحَ، وليُحِدَّ أحدُكم شفرَتَهُ، فلْيُرِحْ ذبيحتَه" مسلم.

وعن عبد الله بن عمر، أنَّ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" أمرَ بحدِّ الشِّفَار، وأن تُوارى عن البهائم، وإذا ذبحَ أحدُكم فليُجْهِز"[[١]].

[١] أخرجه أحمد في المسند، وقال عنه الشيخ شاكر ٨/١٣٤: إسناده صحيح ا- هـ.

وقوله " الشِّفار"؛ أي السكاكين المُعدَّة للذبح، وقوله " أن توارى .."؛ أي تُخفَى عن البهيمة التي يُراد ذبحها، فلا يقع بصرها عليها؛ لأن ذلك يُخيفها ويؤذيها قبل أن تُذبَح. وقوله " فليُجهز"؛ أي فليُسرِع في الذبح، وأفضل الذبح حز الشفرة على موضع الذبح مرة واحدة .. وكلما كثرت الحزَّات كلما كان ذلك بعيداً عن معنى الإحسان للبهائم الذي أمرنا به .. وكان فيه تعذيباً لها.

عن أبي أمامة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "من رَحِمَ ولو ذبيحةَ عصفورٍ رَحِمه الله يومَ القيامة"[[٢]].

[٢] رواه البخاري في الأدب المفرد، وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٧.

عن معاوية بن قرّة، عن أبيه، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله! إنِّي لأَذبَحُ الشاةَ فأرحمها. قال: "والشَّاةَ إن رحمتَهَا رحِمَكَ اللهُ"[[٣]].

[٣] رواه البخاري في الأدب، والطبراني، وأحمد وغيرهم، السلسلة الصحيحة: ٢٦.

عن أنس بن مالك، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إذا أخصبَت الأرض فانزلوا عن ظهركم، وأعطوه حقَّه من الكَلأ، وإذا أجدبت الأرض فامضوا عليها، وعليكم بالدلجة؛ فإن الأرض تُطوى بالليل"[[٤]].

[٤] أخرجه الطحاوي في المشكل، والخطيب، والبيهقي، السلسلة الصحيحة: ٦٨٢. قوله " فانزلوا عن ظهركم"؛ أي عن دوابكم التي تركبونها؛ كالإبل، والخيل، والبغال، والحمير .. لتأخذ حقها من الراحة والمرعى .. فإن مررتم بأرض لا كلأ فيها ولا ماء فامضوا عليها، ولا تقيلوا دوابكم فيها؛ لأنها تُحرم فيها من حقها بالمرعى. وقوله " وعليكم بالدلجة"؛ أي بالسفر والسير ليلاً.

وعنه، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إذا سرتم في أرض خصبةٍ، فأعطوا الدواب حقَّها أو حظَّها، وإذا سرتم في أرضٍ جدبة فانجوا عليها، وعليكم بالدُّلجة؛ فإن الأرض تُطوى بالليل، وإذا عرَّستم، فلا تُعرِّسوا على قارعة الطريق فإنها مأوى كل دابة"[[٥]].

[٥] أخرجه البزار والبيهقي، السلسلة الصحيحة: ١٣٥٧. وقوله " فانجوا عليها"؛ أي أسرعوا عليها. وقوله " عرَّستم"؛ أي حططتم رحالكم وأمتعتكم للاستراحة أو المبيت.

وعن أبي هريرة، أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إذا سافرتم في الخصبِ فأعطوا الإبل حقَّها، وإذا سافرتم في الجدب فأسرعوا السَّيرَ، فإذا أردتم التَّعريس فتنكبوا عن الطريق"[[٦]].

[٦] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٣٩. والخصب؛ الأرض المليئة بالمرعى والعِشب. وقوله " فتنكَّبوا الطريق"؛ أي ابتعدوا عن الطريق.

عن سراقة بن مالك، قال: أتيت رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" بالجعرانة فلم أدرِ ما أسأله عنه، فقلت: يا رسولَ الله! إني أملأ حوضي انتظر ظهري يرد علي، فتجيء البهيمة فتشرب، فهل في ذلك من أجر؟ فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لك في كلِّ كَبدٍ حَرَّى أَجرٌ"[[٧]].

[٧] أخرجه الحميدي في مسنده، السلسلة الصحيحة: ٢١٥٢. وقوله " أنتظر ظهري"؛ أي ناقتي. وقوله " حرَّى"؛ أي عطشى لما أصابها من الحَرِّ والجفاف.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "بينما رجلٌ يمشي بطريق؛ إذا اشتدَّ عليه العطَشُ، فوجد بئراً، فنزلَ فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلبٌ يلهَثُ يأكل الثَّرَى من العطش، فقال الرجلُ: لقد بلغَ هذا الكلبَ من العطَشِ مِثلُ الذي كان بلغَ بي، فنزل البئرَ، فمَلأ خُفَّهُ، ثم أمسكَهُ بفِيه حتى رَقِيَ فسقى الكلبَ، فشكرَ اللهُ له، فغفرَ له". قالوا: يا رسولَ الله! وإنّ لنا في البهائِم لأجراً؟ فقال: "في كل ذاتِ كَبِدٍ رطَبَةٍ أجرٌ"[[٨]] متفق عليه.

[٨] قوله " يأكل الثَّرى"؛ أي يأكل التراب من شدة العطش. وقوله" في كل ذاتِ كَبِدٍ رطَبَةٍ أجرٌ"؛ يشمل الإنسان وكل حيوانٍ ذي كبدٍ يحتاج إلى ماء. وقوله " فشكرَ اللهُ له"؛ أي شكرَ معروفه وإحسانه للكلبِ، فغفرَ اللهُ له ذنوبه بسبب ذلك .. فإن الحسنات يُذهبن السيئات.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "بينما كَلبٌ يُطِيفُ بِرَكيّةٍ قد كادَ يقتلُه العطَشُ؛ إذْ رأته بغيٌّ من بغَايا بني إسرائيل، فنَزَعت مُوقَها، فاستقت له به فسقته إياه، فغُفِرَ لها به" متفق عليه[[٩]].

[٩] قوله " بِرَكيّةٍ"؛ أي بئر من الماء. و" موقها"؛ أي خفَّها أو حذاؤها. والحديث فيه أن الحسنات يُذهبن السيئات؛ بما في ذلك الكبائر عدا الشرك، ويُقال كذلك: على قدر قوة الحسنة وعِظَمها على قدر ما يكون أثرها قوياً في إزالة السيئات بإذن الله.

عن المنهال بن عمرو عن يعلى بن مرة، عن أبيه، قال: سافرتُ مع رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" فرأيتُ منه شيئاً عجباً، أتاه بعير فقام بين يديه، فرأى عينيه تدمُعان، فبعث إلى أصحابه، فقال: "ما لبعيركم هذا يشكوكم؟" فقالوا: كنا نعملُ عليه، فلما كبر وذهبَ عملُه، تواعدنا لننحره غداً. فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا تنحروه، واجعلوه في الإبل يكون معها"[[١٠]].

[١٠] أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، السلسلة الصحيحة: ٤٨٥.

عن يحيى بن سعيد: أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" رُؤي وهو يمسح وجه فرسه بردائِه، فسُئِل عن ذلك؟ فقال: "إني عُوتِبتُ الليلةَ في الخيل"[[١١]].

[١١] أخرجه مالك في الموطأ، السلسلة الصحيحة: ٣١٨٧.

النهي عن تعذيبِ الحيوانات والدواب، وتكليفها ما لا تُطيق، أو استخدامها بطريقة خاطئة، أو قتلها عبَثاً من غير سببٍ يستدعي قتلها.

عن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "أخِّروا الأحمالَ على الإبل؛ فإن اليدَ معلَّقةٌ والرِجلَ موثَقَةٌ"[[١]].

[١] رواه أبو القاسم بن الجراح في المجلس السابع من " الأمالي " وغيره، السلسلة الصحيحة: ١١٣٠.

وعن أنس بن مالك قال: "كنَّا إذا نزلنا منزلاً، لا نُسبِّح حتى نَحُلَّ الرِّحال"[[٢]].

[٢] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٢٤. وقوله " لا نسبح حتى نحل الرحال"؛ أي لا ننشغل بصلاة الضحى، وغيرها من النوافل إلا بعد أن ننزل الرحال عن ظهور الإبل وغيرها من البهائم التي يرتحل عليها، طلباً لراحتها، ورفقاً بها، ومراعاة لحقها.

وعن جابر: أنَّ النبي "صلى الله عليه وسلم" مُرَّ عليه بحمار قد وُسِمَ في وجهه، فقال: "أما بلَغَكُم أني قد لعنتُ من وسَمَ البهيمةَ في وجهها، أو ضربها في وجهها؟" فنهى عن ذلك[[٣]].

[٣] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٣٥. والوسم؛ أثَر الكيِّ لتُميَّز به الدواب عن غيرها.

وعن ابن عمر، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم": "أمر بحدِّ الشِّفار، وأن تُوارى عن البهائم، وإذا ذبح أحدكم؛ فليُجهِز"[[٤]].

[٤] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: ٣١٣٠.

وعن أنس، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "اركبوا هذه الدَّوابَ سالمةً، وايتدِعوها سالمةً، ولا تتخذوها كراسِيَّ"[[٥]].

[٥] أخرجه الجاكم، والبيهقي، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٢١. وقوله " ولا تتخذوها كراسي"؛ أي مقاعد، للراحة والسمر، لغير أغراض التنقل والسفر .. ففي الأرض غناً عن ذلك. وقوله " اركبوا هذه الدَّوابَ سالمةً"؛ فيه نهي عن استخدامها أو ركوبها وهي مريضة.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إيَّاكم أن تتخذوا ظهورَ دوابِّكم منابِرَ؛ فإن اللهَ إنما سخَّرها لكم لتبلغكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بِشِقِّ الأنفُسِ، وجعل لكم الأرضَ؛ فعليها فاقضوا حاجاتكم"[[٦]].

[٦] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٣٨.

وعن سهل بن الحنظليَّة، قال: مرَّ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" ببعيرٍ قد لحقَ ظهرَه ببطنِه، فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم المُعجمَة؛ فاركبوها صالحةً، وكلوها صالحةً"[[٧]].

[٧] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٢١.

عن عبد الله بن جعفر، قال: دخل النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" حائطاً لرجلٍ من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبيَّ "صلى الله عليه وسلم"؛ حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبيُّ "صلى الله عليه وسلم"، فمسَحَ ذَفرَاه، فسكَتَ، فقال: "من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟!"، فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسولَ الله! فقال: "أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكَكَ اللهُ إيَّاها، فإنه شكا إليَّ أنك تُجيعهُ وتُدئِبه"[[٨]].

[٨] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٢٢. قوله " فمسح ذفراه"؛ أي ذفر دمعه عن موضعه. وقوله " وتُدئبه"؛ أي وتتعبه في العمل، وتكلفه فوق طاقته.

عن ابن عباس، قال: مرَّ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" على رجل واضعٌ رجلَه على صَفحَةِ شاة، وهو يحدُّ شفرَته، وهي تلحظُ إليه ببصرها، فقال: "أفلا قبلَ هذا؟! أتُريد أن تُميتها موتتين؟!"[[٩]].

[٩] رواه الطبراني في الكبير، وغيره، السلسلة الصحيحة: ٢٤. قوله " على صفحة شاة"؛ أي على عنق شاة .. والشاة التي تلحظ ذابحها وهو يحد شفرته ليذبحها .. يُميتها قبل أن يذبحها .. ويجعلها تعيش ألم الموت ومصيره قبل أن تموت .. وهذا ليس من الرفقق والإحسان إليها؛ لذا ورد النهي عن ذلك.

ومن العادات الخاطئة التي تُذكر فيما يتعلق بعملية الذبح، أنني رأيت في السودان ـ في عهد حكم المهدي ـ أناساً يذبحون الثيران في المكان المخصص للذبح، بعد أن يجتمع على الثور الواحد مجموعة من الرجال بيد كل واحد منهم عصاة غليظة يضربونه بها على رأسه إلى أن يقع على الأرض مغمياً عليه .. ثم بعد ذلك يُجهزون عليه .

وهذه طريقة ظالمة قاسية .. تتنافى مع تعاليم الإسلام، ومع الرحمة والرفق والإحسان الذي أمرنا به تجاه البهائم . ثم أن الثور من الممكن أن يموت بسبب هذا الضرب قبل أن يُذبح .. فحينئذٍ يحرم أكله، ويصبح حكمه حكم الميتة .. نذكر ذلك رجاء أن يتنبه المسلمون في السودان لمثل هذه الممارسات الخاطئة، ويعنوها اهتمامهم، وهم أهل لكل رفقٍ وإحسان.

وفي رواية: "أتريدُ أن تُميتَها موتات؟! هلاَّ حدَدتَ شفرَتَك قبلَ أن تَضجَعها ؟!"[[١٠]].

[١٠] أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/٢٣١، وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.

وعن عبد الله بن عمر، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "عُذِّبت امرأةٌ في هرَّةٍ سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها ولا سقتها إذْ حبستها، ولا هي تركتها تأكلُ من خشَاشِ الأرض"[[١١]] متفق عليه.

[١١] خشاش الأرض؛ أي هوامِّها وحشراتها. " النهاية". وفي الحديث وعيد شديد لمن يحبس عنده في البيت شيئاً من تلك الحيوانات والبهائم، كالطيور، والأسماك وغيرها .. ليتمتع برؤيتها .. ثم هو يقصِّر في خدمتها، وإطعامها!

وعن أسماء بنت أبي بكر: أنََّ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" صلَّى صلاةَ الكُسوف، فقال: "دنَت منِّي النارُ، حتى قلت: أي رَبِّ وأنا معهم، فإذا امرأةٌ تخدشُها هِرَّةٌ، فقال: ما شأنُ هذه؟ قالوا: حبَسَتْها حتى ماتتْ جُوعاً؛ لا أطعَمَتها ولا أرسَلَتْها تأكُلُ من خَشَاشِ الأرض" البخاري.

عن أبي الدرداء، عن النبي "صلى الله عليه وسلم": "لو غُفِر لكم ما تأتون إلى البهائم لغُفِر لكم كثيراً"[[١٢]].

[١٢] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: ٥١٤. والمراد من الحديث أن الله تعالى لو غفر لابن آدم تقصيره بحقوق الحيوانات، وما يتسببه لها من أذى وضرر لغفر له كثيراً من ذنوبه وخطاياه.

عن سوادة بن الربيع، قال: أتيت النبي "صلى الله عليه وسلم"، وأمر لي بذَود، قال لي: "مُرْ بنيك أن يقصوا أظافِرَهم عن ضروعِ إبلهم ومواشِيهم"، وقل لهم: "فليحتلبوا عليها سِخَالها، لا تدركها السَّنَةُ وهي عِجَافٌ"[[١٣]].

[١٣] أخرجه البخاري في التاريخ، السلسلة الصحيحة: ١٩٣٦. الذود؛ الإبل. وقوله " لا تدركها السَّنَةُ وهي عِجَافٌ"؛ أي لا ينبغي أن تبلغ السِّخال ابناء المواشي السنة وهي ضعيفة؛ إذ يجب أن تُعطى حقها من الرضاعة، ومن حليب أمهاتها. والأمر بقص الأظافر عند ضروع الإبل والمواشي؛ أي عند احتلابها، وحتى لا تتأذى الضروع بأظافر حالبها.

عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إذا باع أحدُكم الشاةَ واللِّقحة؛ فلا يُحفِّلها"[[١٤]].

[١٤] صحيح سنن النسائي: ٤١٧٨. وقوله " فلا يُحفِّلها"؛ أي لا يتركها أياماً من غير احتلاب، فينتفخ ضرعها، فيحسبها المشتري غزيرة الحليب، وهي ليست كذلك. ثم أن احتباس الحليب في الضرع من غير احتلاب فيه أذى للشاة ذاتها.

وعن عبد الله بن مسعود: أنَّ النَّبي "صلى الله عليه وسلم" نزل منزلاً فأخذ رجلٌ بيضَ حُمَّرة، فجاءت تَرِفُّ على رأسِ رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: "أيُّكم فَجَعَ هذه بيضتها؟" فقال رجل: يا رسولَ الله أنا أخذتُ بيضتها، فقال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم": "اردُدْهُ؛ رحمةً لها"[[١٥]].

[١٥] صحيح الأدب المفرد: ٢٩٥. والحُمّرة؛ طائر صغير أحمر اللون.

وفي رواية عنه، قال: كنا مع رسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" في سفرٍ، فانطلَقَ لحاجته، فرأينا حُمَّرةً معها فرخان، فأخذنا فرخَيها، فجاءت الحمَّرة فجعلت تَفرشُ، فجاء النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" فقال: "مَن فجعَ هذه بولدها؟ رُدُّوا ولَدَها إليها"، ورأى قرية نملٍ قد حرقناها، فقال: "من حرَقَ هذه؟"، قلنا: نحنُ، قال: "إنه لا ينبغي أن يُعذِّبَ بالنارِ إلا ربُّ النار"[[١٦]].

[١٦] صحيح سنن أبي داود: ٢٣٢٩.

وعن أبي هريرة، عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "أنَّ نملةً قرصَت نبياً من الأنبياء، فأمرَ بقريَّة النَّملِ فأُحرِقَت، فأوحى الله "سبحانه وتعالى" إليه: أفي أنْ قَرصَتْكَ نملةٌ، أهلكتَ أمَّةً من الأممِ تُسَبِّحُ" متفق عليه.

وعنه، أن النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "نزلَ نبيٌّ من الأنبياء تحتَ شجرةٍ، فلدَغَتْهُ نملةٌ، فأمرَ بجهازه، فأُخرِجَ مِن تحتِها، ثم أمرَ بها فأُحرِقت، فأوحى اللهُ إليه: فهَلاَّ نملةً واحدةً [[١٧]]" مسلم.

[١٧] أي فهلا عاقبت نملة واحدة التي لدغتك وحسب .. وقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} الأنعام:١٦٤. كما يُحمل على الإنسان، فإنه يُحمل على التعامل مع الحيوانات والبهائم كذلك.

وفي رواية، عن الحسن: "نزل نبي من الأنبياء تحت شجرةٍ، فلدغته نملةٌ، فأمرَ ببيتهنَّ فحُرق على ما فيها، فأوحى الله إليه: فهَلاَّ نملةً واحدةً"[[١٨]].

[١٨] قال الشيخ ناصر: صحيح مقطوع، صحيح سنن النسائي " ٤٠٦٦".

وعن عبد الله بن عباس، قال: "إنَّ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" نهى عن قتل أربعٍ من الدواب: النَّملةُ، والنَّحْلةُ، والهُدهُد، والصُّرَد"[[١٩]].

[١٩] صحيح سنن أبي داود: ٤٣٨٧. والصرد؛ هو طائر ضخم الرأس والمِنقار، له ريشٌ عظيم، نصفه أبيض، ونصفه أسود " النهاية".

وعن أبي هريرة قال: "نهى رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" عن قتلِ الصُّرَدِ، والضُّفدَعِ، والنملَةِ، والهُدهد"[[٢٠]].

[٢٠] صحيح سنن ابن ماجه: ٢٦٠٨.

وعن هشام بن زيدٍ قال: دخلتُ مع أنسٍ على الحَكَم بن أيوب، فرأى غلماناً أو فتياناً نصبوا دجاجةً يرمونَها، فقال أنَس: "نهى النبيُّ أن تُصْبَرَ البهائمُ"[[٢١]] متفق عليه.

[٢١] قوله " أن تُصبر"؛ أي أن تكون غرضاً وهدفاً للرمي؛ فتقتل صبراً!

وعن ابن عمر، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "إن أعظمَ الذنوبِ عند الله رجلٌ تزوَّجَ امرأةً، فلمَّا قضى حاجتَه منها طلَّقها وذَهبَ بمهرها، ورجلٌ استعملَ رجلاً فذهبَ بأجرته، وآخَرُ يقتلُ دابَّةً عَبَثاً"[[٢٢]].

[٢٢]أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: ٩٩٩. قلت: ومن قتلِ الدواب عبثاً؛ قتلها من أجل متعة الصيد، أو تجريب السلاح، ونحو ذلك مصارعة الثيران، كما يفعل ذلك كثير من الناس في زماننا!

وعن عبد الله بن عمر أنه دخلَ على يحيى بن سعيد، وغلامٌ من بني يحيى رابطٌ دجاجةً يرميها، فمشى إليها ابن عمرَ حتَّى حلَّها، ثم أقبلَ وبالغلام معهُ فقال: ازجروا غلامَكُم عن أن يَصْبِرَ هذا الطيرَ للقتلِ، فإني سمعتُ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم": "نهى أن تُصبَرَ بهيمةٌ أو غيرُها للقتل [[٢٣]]" متفق عليه.

[٢٣] قلت: يُستفاد من هذا الحديث وغيره، حرمة إقامة حد القتل على المحدود رمياً بالرصاص، كما هو دارج في زماننا المعاصر؛ لأنه من القتل صبراً، وقد نهى النبي "صلى الله عليه وسلم" عن ذلك، كما في الحديث أعلاه، وفي قوله "صلى الله عليه وسلم" في صحيح مسلم وغيره: "لا تتخذوا شيئاً فيه الروحُ غرَضاً"؛ أي غرضاً وهدفاً للرمي، والله تعالى أعلم.

وعن سعيد بن جُبير، قال: كنتُ عند ابن عمرَ، فمرُّوا بِفتيةٍ أو نفرٍ، نصبوا دجاجةً يرمونَها، فلما رأَوا ابن عمر تفرَّقوا عنها. وقال ابن عمر: "من فعلَ هذا؟! إنَّ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" لعَنَ مَن فعلَ هذا" متفق عليه.

وفي رواية عنه: "لعنَ النبيُّ "صلى الله عليه وسلم" مَن مثَّلَ بالحيوان" متفق عليه.

وعن عبد الله بن جعفر قال: مرَّ رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" على أناسٍ وهم يرمون كَبشَاً بالنبلِ، فكره ذلك، وقال: "لا تُمثِّلوا بالبهائمِ"[[٢٤]].

[٢٤] صحيح سنن النسائي: ٤١٣٧.والتمثيل بالبهيمة، يكون بتشويه جثتها بعد موتها لغير ضرورة أكلها .. فحقها محفوظ .. وحرمتها مصانة في الإسلام وهي حية وبعد موتها .. فهل بلغ دعاة حقوق الحيوان في زماننا المعاصر هذا المبلغ، وهذه الدرجة من الاهتمام بالحيوان وحقوقه؟!

وفي الأثر، عن المسيب بن دار، قال: رأيتُ عمرَ بن الخطاب "رضي الله عنه" ضرَبَ جمَّالاً، وقال: لِمَ تحملُ على بعيرك مالا يُطيق؟!

وعن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب: أن رجلاً حدَّ شفرة، وأخذ شاةً ليذبحها، فضربَهُ عمرُ بالدُّرَّةِ وقال: أتعذِّبُ الروحَ، ألا فعلتَ هذا قبل أن تأخذَها؟!

وعن محمد بن سيرين أن عمرَ "رضي الله عنه" رأى رجلاً يجرُّ شاةً ليذبحها فضربه بالدُّرَّةِ وقال: سقها ـ لا أمَّ لك ـ إلى الموتِ سَوقاً جميلاً.

وعن وهب بن كيسان أن ابن عمر رأى غنماً في مكانٍ قبيح، وقد رأى ابن عمر مكاناً أمثلَ منه، فقال ابن عمر: ويحكَ يا راعي حوِّلها، فإني سمعت النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" يقول: "كلُّ راعٍ مسؤولٌ عن رعيته".

وعن معاوية بن قرة قال: كان لأبي الدرداء جمل يُقال له" دمون"، فكان إذا استعاروه منه قال: لا تحملوا عليه إلا كذا وكذا؛ فإنه لا يطيق أكثر من ذلك، فلما حضرته الوفاة قال: يا دمون لا تخاصمني غداً عند ربي، فإني لم أكن أحمل عليك إلا ما تُطيق!

وعن أبي عثمان الثقفي قال: كان لعمر بن عبد العزيز "رضي الله عنه" غلام يعمل على بغلٍ له يأتيه بدرهم كل يوم، فجاء يوماً بدرهم ونصف، فقال: أما بَدا لك؟ قال: نفقت السوق، قال: لا ولكنك أتعبت البغل؛ أجمّه ثلاثةَ أيام![[٢٥]].

[٢٥] أي دعه يتجمم ويستريح ثلاثة أيام .. لأنك أجهدته بالعمل، بدليل أن انتاجه اليوم زاد نصف درهم عن بقية أيامه الأخرى!

قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، وبعد أن ذكر الآثار أعلاه ١/٣٧:

تلك هي بعض الآثار التي وقفت عليها حتى الآن، وهي تدل على مبلغ تأثر المسلمين الأولين بتوجيهات النبي "صلى الله عليه وسلم" في الرفق بالحيوان، وهي في الحقيقة قل من جُل ونقطة من بحر، وفي ذلك بيان واضح أن الإسلام هو الذي وضع للناس مبدأ الرفق بالحيوان

خلافاً لما يظنه بعض الجهال بالإسلام أنه من وضع الكفار، بل ذلك من الآداب التي تلقوها عن المسلمين الأولين، ثم توسعوا فيها، ونظموها تنظيماً دقيقاً، وتبنتها دولهم حتى صار الرفق بالحيوان من مزاياهم اليوم، حتى توهم الجهال أنه من خصوصياتهم، وغرَّهم في ذلك أنه لا يكاد يرى هذا النظام مطبقاً في دولة من دول الإسلام، وكانوا هم أحق بها ا- هـ.

قلت: لو كانت هذه الدول التي سماها الشيخ بدول الإسلام! اقتصر تقصيرها وظلمها على التفريط بحقوق الحيوان لهان الخطب، وخفَّ المصاب؛ فهي فيما يتعلق بحقوق الإنسان أكثر تفريطاً وظلماً من تفريطها بحقوق الحيوان .. لذا فهي تعيش ذروة التخلف والجهل، والفقر، والذل، والانحطاط، والتبعية للغير، وبصورة لم تعرفها الأمة من قبل .

ولكي تُعاد الدولة والسيادة والريادة والخلافة للمسلمين من جديد لا بد أن يتفوقوا أولاً ـ عملاً وتطبيقاً ـ على غيرهم من الشعوب والملل والأمم بالعدل، والرفق، والرحمة، والمجالات الإنسانية .. قبل أن يتفوقوا عليهم، أو يُنافسوهم في الماديات والمجالات الاقتصادية والتصنيعية .. والتطاول في العمران .. إذ أن من سنن الله تعالى في خلقه أن يجعل التمكين في الأرض حليفاً للعدل، وللقائمين بالعدل، والحاكمين بالعدل، ولو كانوا من غير المسلمين!

نحن نملك رصيداً قِيَمِيَّاً، وثقافياً، وحضارياً ضخماً ما لا يملكه غيرنا .. لكن ما قيمة ذلك وأثره في حياتنا إن لم يُرافقه عمل، وتطبيق، وتنفيذ والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} الصف:٢-٣.

نحن لم نفقد العمل بذلك الرصيد الضخم وحسب .. بل فقدنا حتى الاحترام لذلك الرصيد .. ونتعامل معه أمام الآخرين على استحياء وخجل .. ولكي يُعاد المجد كما كان .. وتُعاد للأمة هيبتها ومكانتها بين الأمم .. لا بد أولاً من أن يعود الاحترام لذلك الرصيد، ويعود العمل به معاً .. وإلا فلا نرجو قائمة مما نحن فيه من ذل وتخلف وهوان .. فنحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فإذا ما ابتغينا العزة بغيره أذلَّنا الله!

النهي عن لعن الحيوانات

عن عمران بنُ حُصَين، قال: بينما رسولُ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" في بعضِ أسفاره، وامرأةٌ من الأنصار على ناقةٍ، فضَجِرت فلعَنَتْها، فسمعَ ذلك رسولُ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" فقال: "خُذوا ما عليها ودَعُوها؛ فإنها ملعونةٌ". قال عمران: فكأنِّي أراها الآنَ تمشي في النَّاسِ، ما يَعرِضُ لها أحدٌ. مسلم.

وفي رواية عن أبي بَرْزَةَ الأسلمي، قال: بينما جاريةٌ على ناقةٍ، عليها بعضُ متاعِ القومِ إذْ بَصُرَت بالنبيِّ "صلى الله عليه وسلم"، وتَضايقَ بهم الجبلُ، فقالت: حَلْ[[١]] اللهمَّ العنها، قال النبيُّ "صلى الله عليه وسلم": "لا تُصاحِبُنَا ناقةٌ عليها لَعنةٌ" مسلم.

[١] كلمة زجر يُستحث بها الإبل للحركة.

ـ النَّهي عن التحريشِ بين الحيوانات، أو إخصائها[[٢]].

[٢] التحريش هو أن تحمل البهائم على أن تقاتل بعضها البعض، وهناك من يُقامر على الفائز منها، وهذا مما يُغلِّظ التحريم. والإخصاء؛ هو قتل الفحولة عند ذكور الدواب لكي تقوى على الخدمة بصورة أحسن، أو تتفرغ للخدمة، فلا تجد في نفسها ميولاً نحو إناثها، وهذا لا يجوز!

عن ابن عمر: "أنه كره أن يُحرَّش بين البهائم"[[٣]].

[٣] صحيح الأدب المفرد: ٩٣٦.

وعن ابن عباس، عن النبي "صلى الله عليه وسلم": "نهى عن صبر الروحِ، وخِصاء البهائم"[[٤]].

[٤] رواه البيهقي في السنن، صحيح الجامع: ٦٩٦٠.

وعن ابن عمر، عن النبي "صلى الله عليه وسلم": "نهى عن خِصاء الخيل، والبهائم"[[٥]].

[٥] رواه أحمد، صحيح الجامع: ٦٩٥٦.

وعن ابن عباس: "أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" نهى عن صبرِ ذِي الروح، وعن إخصاء البهائم نهياً شديداً"[[٦]].

[٦] قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/٢٦٥: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.

أثرُ ذنوبِ ومعاصي ابن آدم سَلْباً على الحيوانات[[١]].

[١] لما كانت الدواب والبهائم تتأثر حياتها سلباً بمعاصي وذنوب ابن آدم؛ فإن من حقها على الإنسان أن يتقي الله فيها؛ فيجتنب المعاصي والآثام، ويلتزم التقوى والطاعات التي تتنزل البركات والرحمات بسببها .. وبالتالي فإن حقَّها على الإنسان يتعدى مجرد خدمتها والرفق بها، والإحسان إليها .. إلى اجتناب المعاصي والذنوب والآثام .. والتي تكون سبباً في هلاك كل شيء، بما في ذلك البهائم.

عن ابن عمر، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لم يمنَعْ قومٌ زكاةَ أموالهم إلا مُنِعُوا القَطْرَ من السَّماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا"[[٢]].

[٢] رواه الطبراني، صحيح الجامع: ٥٢٠٤.

وعن أبي الأحوص، قال: قرأ ابن مسعود: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} فاطر:٤٥. فقال: كادَ الجُعَلُ يُعَذَّبُ في جُحْرِهِ بذنبِ ابنِ آدَمَ[[٣]].

[٣] صحيح الترغيب والترهيب: ٢٤٧٧. وقال المنذري: رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. و" الجُعَل " بضم الجيم وفتحِ العين؛ دُويية تكاد تُشبه الخنفساء تُدحرج الرَّوثَ ا- هـ.

قال ابن القيم في كتابه الماتع " الجواب الكافي"، وهو يعدد آثار معاصي الإنسان وذنوبه: أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه، فيحترق هو وغيره بشؤوم الذنوب والظلم. قال أبو هريرة: إن الحبَارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم. وقال مجاهد: إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السَّنَة، وأمسكَ المطرُ، وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم. وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: مُنِعنا القطر بذنوب بني آدم. فلا يكفيه عقاب نفسه حتى يلعنه من لا ذنب له ا- هـ.

دعاءُ الحيتان والنمل وجميع البهائم والدواب للعالِم الذي يُعلِّمُ الناسَ الخيرَ[[١]].

[١] وذلك لفضله عليهم، ومن قبيل الشكر، ومقابلة المعروف بمعروف؛ فالعالم لمَّا يُعلِّم الناس الخيرَ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، تقل بسبب ذلك معاصي وذنوب ابن آدم، وينعكس خير ذلك على الحياة كلها بما في ذلك حياة الدواب والبهائم .. لذا ورد النص بأنهم يدعون ويستغفرون للعالم الذي يعلم الناس الخير.

عن أبي الدرداء، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "إن العالِمَ ليستغفرُ له مَن في السماواتِ ومَن في الأرض، حتى الحِيتان في الماءِ"[[٢]].

[٢] رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، صحيح الترغيب: ٧٠.

وعن جابر قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "مُعَلِّمُ الخيرِ يَسْتَغْفِرُ له كُلُّ شيءٍ حتى الحيتانُ في البحارِ"[[٣]].

[٣] أخرجه الطبراني في الأوسط، السلسلة الصحيحة: ٣٠٢٤.

وعن أبي أمامة الباهِلي، قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ اللهَ وملائكتَهُ وأهلَ السماوات والأرض حتى النَّملَة في جُحرها، وحتى الحوتَ، ليصلون على معلِّمي الناسِ الخيرَ"[[٤]].

[٤] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. صحيح الجامع: ١٨٣٨.

قال تعالى: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً} العاديات:١-٥[[١]].

[١] قال ابن كثير في التفسير: يُقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فعَدَت وضَبَحت؛ وهو الصوت الذي يُسمع من الفرس حين تعدو. )فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً(؛ يعني اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار. )فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً(؛ يعني الإغارة وقت الصباح، كما كان رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يغير صباحاً ويستمع الأذان فإن سمع أذاناً وإلا أغار. )فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً(؛ يعني غباراً في مكان معترك الخيول. )فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً(؛أي توسطن ذلك المكان كُلُّهُنَّ جُمعَ ا- هـ.

عن أنس بن مالك، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ" متفق عليه.

وعن ابن عمر، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "الخيلُ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة"[[٢]]متفق عليه.

[٢] الناصية؛ شَعر مقدمة الرأس. والخير؛ الغنيمة، وغيرها من الثمار المترتبة عن الجهاد في سبيل الله.

وعن عروة البارقي، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "الإبلُ عِزَُ لأهلها، والغنمُ بَركةٌ، والخيرُ معقودٌ في نواصي الخيلِ إلى يومِ القيامة"[[٣]].

[٣] أخرجه ابن ماجه، وغيره، السلسلة الصحيحة: ١٧٦٣.

وعنه، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "الخيلُ مَعقُودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ: الأجرُ، والمَغْنَمُ" متفق عليه.

وعن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "الخيلُ لثلاثةٍ: لرجلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سِترٌ، وعلى رجلٍ وزرٌ؛ فأما الذي له أجرٌ فرجلٌ ربطَها في سبيلِ الله، فأطالَ لها مَرْجٍ أو روضةٍ، وما أصابت في طِيَلِهَا من المرجِ أو الروضةِ كانت له حسنات، ولو أنَّها قطَعَت طِيَلَهَا فاستَنَّتْ شَرَفاً أو شَرَفين، كانت آثارُها وأوراثُها حسنات له، ولو أنها مَرَّت بنَهَرٍ فشَرِبَت ولم يُرِد أن يسقيَها، كان ذلك له حسناتٍ. ورجلٌ ربطَها تغنيَّاً وسِتراً وتعَفُّفَاً، ولم ينسَ حقَّ اللهِ في رقابِها وظهورِها فهي له كذلك سِترٌ، ورجلٌ ربطَها فخراً ورياءً ونِوَاءً لأهلِ الإسلامِ فهي وِزْرٌ"[[٤]] متفق عليه.

[٤] الطيَل؛ الحبل الطويل الذي يُربط طرفه في وتدٍ في الأرض، وطرفه الآخر بالخيل. وقوله " فاستَنَّتْ شَرَفاً أو شَرَفين"؛ استنَّ الفرَسُ يستنُّ استِناناً؛ أي عدا لِمَرَحِهِ ونشاطِهِ شوطاً أو شوطين، ولا راكِبَ له " النهاية".

وعن ابن عمر: "أنَّ نبيَّ اللهِ "صلى الله عليه وسلم"، كان يُضمِّرُ الخيلَ يُسابقُ بها"[[٥]].

[٥] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٤٦. تضمير الخيل: هو أن يُظاهر عليها بالعلَف حتى تسمَن، ثم لا تُعلَف إلا قوتاً لتخفَّ. وقيل: تُشدُّ عليها سرجها وتُجلَّل بالأجلَّة حنى تعرَق تحتها فيذهب رَهَلُها ويشتد لحمها " النهاية".

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "لا سبَقَ إلا في خُفٍّ أو حافِرٍ أو نَصْلٍ"[[٦]].

[٦] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٤٤. والمراد بالخف؛ الإبل، والحافر، الخيل التي تحفر الأرض بأرجلها عند جريها. والنصل؛ سهام الرمي، ونحوه في زماننا الرماية على الأسلحة الرشاشة وغيرها.

وعن ابن عمر: "أنَّ النبيَّ "صلى الله عليه وسلم" سبَّقَ بين الخيلِ، وأعطى السَّابق"[[٧]].

[٧] رواه أحمد، وصححه الشيخ ناصر في الإرواء: ١٥٠٧.

وعن أنسٍ قال: كانت ناقةٌ لرسولِ الله "صلى الله عليه وسلم" تُسَمَّى العضباء؛ وكانت لا تُسْبَقُ، فجاء أعرابيٌّ على قُعُودٍ له فسبَقَها، فاشتدَّ ذلك على المسلمين، وقالوا: سُبِقَت العَضْبَاءُ! فقال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّ حقَّاً على اللهِ أن لا يَرفَعَ شيئاً من الدُّنيا إلا وضَعَهُ"[[٨]]البخاري

[٨] القُعُود، هو ذكر الإبل، ويمتد عمره من سنتين إلى ست سنوات، ثم هو بعد ذلك يُسمى جملاً.

عن عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "الخيلُ ثلاثةٌ: فَرَسٌ للرحمن، وفرسٌ للإنسانِ، وفرسٌ للشيطان؛ فأما فرسُ الرحمن؛ فالذي يُربَط في سبيلِ الله، فعلفه و روثُه وبولُه ـ و ذكر ما شاء الله ـ أجر، وأما فرسُ الإنسانِ؛ فالفرسُ يرتبطها يلتمسُ بطنَها، فهي سِترٌ من فقر، و أما فرسُ الشيطان؛ فالذي يُقامَر و يُرهَن عليه"[[١]].

[١] أخرجه أحمد، والبيهقي، وصححه الشيخ ناصر في الإرواء: ١٥٠٨.

ـ النهي عن إرهاق الخيل في السباق، وتكليفه فوق طاقته[[٢]].

[٢] كثير ما نسمع عن خيول قد ماتت في ميادين السباق بسبب أن الفارس يحملها على الشد والجري فوق طاقتها .. ليفوز في السباق .. وهذا لا يجوز!

عن عبد الله بن عمر: "أنَّ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" سابقَ بين الخيل التي أُضمِرَت من الحَفْيَاء، وأمَدُها ثنيَّة الوداع، وسابَقَ بين الخيل التي لم تُضمَّر من الثنيَّة إلى مسجدِ بني زُرَيق، وأنَّ عبد الله بن عمر كان فيمن سابقَ بها" متفق عليه.

وفي رواية عند الترمذي: "أنَّ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" أجرى المضَمَّرَ من الخيل من الحَفْياء إلى ثنيَّة الوداع، وبينهما ستَّةَ أميالٍ، وما لم يُضمَّر من الخيل من ثنيَّة الوداع إلى مسجدِ بني زريق؛ وبينهما ميلٌ .."[[٣]].

[٣] صحيح سنن الترمذي: ١٣٨٩. والسبب في الفارق بين المسافتين؛ أن المُضمَّر أكثر تحملاً على الجري والسباق من غير المُضمَّر .. وبالتالي لا يجوز أن يُكلَّف غير المضمر ما يُطيقه المضمَّر.

عن ابن عباس، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "من جَلَبَ على الخَيْلِ يومِ الرِّهانِ، فليسَ منَّا"[[٤]].

[٤] أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة: ٢٣٣١. والجلب في السباق: هو أن يتبع الرجلُ فرسَهُ فيزجرُه ويجلب عليه حثاً له على الجري " النهاية". والسبَق.

ـ فضل النفقة على الخيل المعدَّة للجهادِ في سبيل الله.

عن أبي هريرة، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "الخيرُ معقودٌ بنواصي الخيلِ إلى يوم القيامةِ، والمنفقُ على الخيلِ كالباسِطِ كفَّهُ بالنفقةِ لا يقبضُها"[[٥]].

[٥] رواه الطبراني في الأوسط، صحيح الجامع: ٣٣٤٩. وقوله " يلتمسُ بطنَها"؛ أي يلتمس ما تلد، فيبيعه، فيستفيد.

وعن سهل بن الحنظليَّة، عن النبيِّ "صلى الله عليه وسلم" قال: "إن المنفِقَ على الخيلِ في سبيلِ الله، كالباسِطِ يدَيهِ بالصدَقَةِ لا يقبِضُها"[[٦]].

[٦] رواه الطبراني، صحيح الجامع: ١٩٦٤.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "الخيلُ لثلاثةٍ: هي لِرجُلٍ أجرٌ، وهي لرجلٍ سِترٌ، وهي على رجلٍ وزرٌ، فأما الذي هي له أجرٌ؛ فالذي يتخِذُها في سبيلِ الله، فيُعِدُّها له، هي له أجرٌ لا يُغيِّبُ في بطونها شيئاً إلا كتَبَ اللهُ له أجراً"[[٧]].

[٧] صحيح سنن الترمذي: ١٣٣٦.

النهي عن حملِ الحمير على الخيل[[١]].

[١] يُفعَل ذلك لكي تلد الخيل بغالاً؛ لأن البغال أجلد من الخيل على تحمل مشاق ووعثاء السفر .. وعلى حمل الأثقال، لكنها أبطأ وأقل رشاقة من الخيل بكثير .. وهذا لا يجوز، لورود النهي، ولما في ذلك من أذى وامتهان للخيل، وتعطيل لوظيفتها الأساسية والأهم؛ وهي استخدامها في ساحات وميادين القتال والجهاد في سبيل الله.

عن علي ابن أبي طالب، قال: أُهديَت لرسولِ اللهِ بغلةٌ فركبها، فقال علي: لو حملنا الحميرَ على الخيلِ، فكانت لنا مثلَ هذه، قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "إنَّما يفعلُ ذلك الذين لا يعلمون"[[٢]].

[٢] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٣٦.

وعن عبد الله بن عُبَيد الله بن عباس، قال: كنا جلوساً إلى عبدِ اللهِ بنِ عباس، فقال: والله ما خصَّنا رسولُ الله بشيء دون الناسِ، إلا بثلاثةِ أشياءٍ: "فإنه أمرَنا أن نسبغَ الوضوء، ولا نأكلَ الصَّدقَةَ، ولا نُنْزي الحمُر على الخيل"[[٣]].

[٣] صحيح سنن النسائي: ١٣٧.

ـ النهي عن قصِّ نواصي الخيل، ومعارِفها، وأذنابها.

عن عتبة بن عبد السلمي، أنه سمع رسولَ اللهِ "صلى الله عليه وسلم" يقول: "لا تَقُصُّوا نواصِيَ الخيلِ، ولا معارِفَها، ولا أذنابَها؛ فإن أذنابَها مذَابُّها، ومعارِفَها دِفاؤها، ونواصيها معقودٌ فيها الخير"[[٤]].

[٤] صحيح سنن أبي داود: ٢٢١٧. معارف الخيل؛ أي شعرها المتدلي على رقبتها. وقوله " أذنابها مذَابُّها"؛ أي تذب بأذنابها ما يعلق بها من حشرات، وأمور ضارة.

وعن أبي وهب الجشمي، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ارتبطُوا الخيلَ، وامسحوا بنواصيها وأعجازِها ـ أو قال أكفالها ـ وقلِّدُوها، ولا تقلِّدُوها الأوتار"[[٥]].

[٥] صحيح سنن أبي داود: ٢٢٢٦. أعجاز الخيل؛ مؤخرتها. وأكفالها، أي ظهورها أو المكان الذي يقعد عليه الفارس من ظهر الخيل. وقوله " وقلِّدُوها، ولا تقلِّدُوها الأوتار"؛ أي قلدوها ما يحميها ويزينها، ولا تقلدوها الأقواس؛ لأن ذلك قد يؤذيها ويخنقها، كذلك لا يجوز تقليدها التمائم والتعاويذ ونحو ذلك من الخرز التي يعتقد ـ بعض الجهال ـ أنها تدفع العين، والضرر!

ـ الخيلُ العربي في كل يوم يتودّد إلى صاحبِه، وصاحبُه غافل عنه.

عن أبي ذرٍّ قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "ما مِن فرَسٍ عربيٍّ إلا يُؤذَنُ له عندَ كل سحرٍ بكلمات يدعو بهنَّ: اللهمَّ خوَّلْتني من خوَّلتني من بني آدم، وجعلتني له، فاجعلني أحبَّ أهلِهِ ومالِه، أو من أحبِّ أهلِهِ ومالِه إلِيه"[[٦]].

[٦] رواه النسائي، صحيح الترغيب والترهيب: ١٢٥١. وقوله " خوَّلتني"؛ أي ملَّكتني وجعلتني من ملكه وحاجياته. قلت: خيل في كل يوم يتودد لصاحبه بهذا الدعاء، ألا يستحق من صاحبه الرعاية والرفق والإحسان؟! وكم من مالكٍ للخيل ساهٍ عن هذا المعنى .. وتراه يتعامل مع ما يملك من الخيول وكأنها نوع من الجمادات لا إحساس لها!

عن أبي طلحة الأنصاري، قال: سمعتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "لا تدخُلُ الملائكَةُ بيتاً فيه كلبٌ ولا صورةُ تماثِيل" متفق عليه.

ـ الرخصةُ في اقتناء الكلابِ للأغراض التالية: الرعي، والصيد، والحرث أو الزرع، والحراسة.

عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من اقتنى كلباً؛ إلا كلباً ضارياً لصيدٍ، أو كلبَ ماشيةٍ، فإنه ينقص من أجرهِ كل يومٍ قيراطان"[[١]] متفق عليه.

[١] أي مقادر قيراطين من الأجر. وفي رواية قيراط، والله تعالى أعلم. والكلب الضاري؛ هو كلب الصيد.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم": "من أمسَكَ كلباً يَنقصُ من عملِه كلَّ يومٍ قيراطٌ، إلا كلبَ حَرْثٍ أو كلبَ ماشيةٍ" متفق عليه.

وفي رواية: "إلا كلبَ غنمٍ، أو حَرْثٍ، أو صيدٍ" متفق عليه.

وعن سفيان بن أبي زُهير الشَّنئيَّ، أنه سمع رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يقول: "من اقتنى كلباً، لا يُغني عنه زَرْعاً ولا ضَرْعاً، نَقَصَ من عَملهِ كلَّ يومٍ قِيراطٌ"[[٢]] متفق عليه.

[٢] قوله " لا يُغني عنه زرعاً ولا ضَرْعاً"؛ أي لا ينفعه ولا يستخدمه في حراسة زرع ولا ماشية.

وفي رواية عند ابن ماجه، عن عبد الله بن مُغَفَّل: "ثم رخَّص لهم في كلب الزرعِ وكلبِ العِينِ". قال بِندار: العِينُ حِيطانُ المدينة[[٣]].

[٣] صحيح سنن ابن ماجه: ٢٥٩٢. قلت: ويُقاس على حيطان المدينة، حيطان وأسوار ومداخل أي مدينة أو قرية أو مزرعة وغيرها من المداخل والأسوار التي تحتاج إلى حراسة.

وعن أبي هريرة، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إذا شَرِبَ الكلبُ في إِناء أحَدِكُم، فليغسِلْهُ سبعَ مراتٍ" متفق عليه.

وعن عبد الله بن المُغَفَّل، أن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إذا ولَغَ الكلبُ في الإناءِ، فاغسلوه سَبْعَ مَرَّاتٍ، وعَفِّروهُ الثامِنَةَ في التُّرابِ" مسلم.

عن داود بن صالح بن دينار التمار، عن أمه: أن مولاتها أرسلتها بهريسةٍ إلى عائشة فوجدتها تُصلي، فأشارت إلى أن ضعيها، فجاءت هِرَّةٌ فأكلت منها، فلما انصرفَت أكلت من حيثُ أكلت الهرّة، فقالت: إن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إنها ليسَتْ بنجَسٍ؛ إنما هي من الطوَّافينَ عليكُم"، وقد رأيتُ رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" يتوضَّأ بفضلها[[١]].

[١] صحيح سنن أبي داود: ٦٩.

وعن كبْشَةَ بنتِ كعبٍ بن مالك ـ وكانت تحت ابن أبي قَتَادة ـ :أن أبا قَتَادَةَ دخل، فسكَبَت له وضوءاً، فجاءت هِرَّةٌ فشَرِبت منه، فأصغى لها الإناءَ حتى شربت. قالت كبشَةُ: فرآني أنظرُ إليه، فقال: أتعجبين با ابنة أخي؟ فقلتُ: نعم، فقال: إن رسولَ الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إنها ليسَتْ بِنَجَسٍ؛ إنها من الطَوَّافينَ عليكم والطوَّافات"[[٢]].

[٢] صحيح سنن أبي داود: ٦٨. وقوله فأصغى لها الإناء؛ أي أماله لها لكي تتمكن من الشرب منه.

وعن عائشة، قالت: كنتُ أتوضَّأ أنا ورسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" من إناءٍ واحدٍ، قد أصابت منه الهرَّة قبل ذلك [[٣]].

[٣] صحيح سنن ابن ماجه: ٢٩٥.

يومٌ يَسودُ فيه السَّلام؛ حتى أنَّ الحيوانات المفترسة تُسالِمُ الحيوانات الأليفة، فلا يضر بعضها بعضاً، فهنيئاً لأهل ذلك اليوم.

عن أبي هريرة، عن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "الأنبياءُ إخوة لِعَلاَّتٍ؛ أمهاتُهُم شتَّى، ودينُهم واحدٌ، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، ليس بيني وبينَه نبيٌّ، وإنَّه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجلٌ مربوعٌ، إلى الحُمْرَةِ والبيَاضِ، بين ممصَّرَتين[[١]]، كأن رأسَه يَقطُرُ، وإنْ لم يُصبه بلَلٌ، فيقاتلِ الناسَ على الإسلام، فيَدُقُّ الصليبَ، ويَقتُلُ الخنزيرَ، ويضعُ الجزية[[٢]]، ويُهلِكُ الله في زمانِه المِلَلَ كلَّها إلا الإسلامَ، ويُهلِكُ المسيحَ الدَّجالَ، وتَقَعُ الأمَنَةُ في الأرضِ حتى تَرتَعُ الأسودُ مع الإبلِ، والنِّمارُ مع البقَرِ، والذِّئابُ مع الغنمِ، ويلعَبُ الصبيانُ بالحيَّاتِ فلا تَضُرُّهم، فيمكُثُ في الأرضِ أربعين سنةً، ثم يُتوَفَّى، فيُصلي عليه المسلمون"[[٣]].

[١] ممصرتين: ثياب فيها صفرة خفيفة.

[٢] فهو لا يقبلها من الكفار، فإما الإسلام وإما القتل والقتال .. حيث أن العمل بأحكام الجزية يُنسخُ في زمانه.

[٣] أخرجه أبو داود، وابن حبان في صحيحه، وأحمد، السلسلة الصحيحة: ٢١٨٢.

وصلى الله على محمد النبيِّ الأمي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.